الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

الشهادة وحدها لا تكفى

«تخصصات جامعية» خارج سوق العمل

بوابة روز اليوسف

مع كل موسم تنسيق، تتجه أنظار مئات الآلاف من طلاب الثانوية العامة وأسرهم إلى الكليات التى تضمن لهم مستقبلًا مهنيًا آمنًا، لكن المشهد لم يعد كما كان قبل سنوات، فالتحولات المتسارعة التى يشهدها سوق العمل، والاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعى والتكنولوجيا، أعادا رسم خريطة الوظائف المطلوبة، وطرحا تساؤلات جديدة حول مدى قدرة بعض التخصصات الجامعية التقليدية على مواكبة هذه المتغيرات.

أعاد الرئيس عبد الفتاح السيسى فتح هذا الملف أكثر من مرة، مؤكدًا ضرورة ربط التعليم باحتياجات سوق العمل، ومتسائلًا عن جدوى استمرار تخريج آلاف الطلاب سنويًا فى تخصصات لا تتوافر لهم فرص عمل كافية، فى رسالة تعكس توجه الدولة نحو إعادة النظر فى خريطة القبول الجامعى بما يتوافق مع احتياجات التنمية، مع التركيز على تطوير البرامج الدراسية والتخصصات المطلوبة بدلًا من تخريج أعداد تفوق احتياجات السوق.

ورغم أن الحديث عن «كليات بلا مستقبل» يثير جدلًا واسعًا، فإن الخبراء يؤكدون أن المشكلة ليست فى الكليات ذاتها، وإنما فى الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، وفى بطء تحديث بعض المناهج مقارنة بالتطورات المتلاحقة فى التكنولوجيا والاقتصاد الرقمى، وبين دعوات تقليل أعداد المقبولين فى بعض التخصصات، والتوسع فى مجالات مثل الذكاء الاصطناعى وعلوم البيانات والأمن السيبرانى، يظل السؤال مطروحًا: هل تحتاج بعض الكليات إلى الإغلاق، أم أن الحل الحقيقى يكمن فى إعادة هيكلة البرامج الدراسية وتأهيل الخريجين لمهن المستقبل؟.

ويؤكد الدكتور حسن شحاتة، الخبير التربوى والتعليمى وأستاذ المناهج وطرق التدريس بجامعة عين شمس، أن العام الجامعى الجديد يحمل فرصًا واختيارات غير مسبوقة أمام الشباب المصرى، فى ظل التنوع الكبير الذى تشهده منظومة التعليم العالى، من جامعات حكومية وأهلية ودولية وتكنولوجية وخاصة، إلى جانب فروع الجامعات العالمية المرموقة المقامة على أرض مصر. 

وأضاف، أن هذه الجامعات تطرح برامج وتخصصات حديثة تتوافق مع احتياجات سوق العمل، خاصة فى مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعى، والبرمجة، والصناعة، والزراعة، والتجارة، والسياحة، فضلًا عن برامج ومهن المستقبل المرتبطة بالتقنيات الحديثة. انتهى عصر كليات القمة

وأكد «شحاتة» أن مفهوم «كليات القمة» أصبح من الماضى، بعدما تغيرت معايير التوظيف، وأصبحت الشهادة الجامعية وحدها غير كافية ما لم تقترن بإتقان اللغات الأجنبية واكتساب المهارات الرقمية والتقنيات الحديثة التى يتطلبها سوق العمل سريع التغير.

ووجه رسالة طمأنة للطلاب الذين لم يحققوا المجموع الذى كانوا يطمحون إليه فى الثانوية العامة، مؤكدًا أن انخفاض المجموع لا يعنى ضياع الفرصة، فى ظل تعدد البدائل التى توفرها منظومة التعليم العالى، وفى مقدمتها الجامعات الأهلية والتكنولوجية التى تقدم برامج تعليمية حديثة ومتوافقة مع احتياجات سوق العمل، وبجودة تنافسية وتكلفة أقل مقارنة بالجامعات الخاصة.

كما دعا الطلاب وأولياء الأمور إلى عدم قصر اختيار الكلية على المجموع فقط، وإنما مراعاة ميول الطالب وقدراته وإمكاناته المادية، مع دراسة التخصصات الأكثر طلبًا خلال السنوات المقبلة، والاستفادة من الإرشاد الأكاديمى لاتخاذ القرار الأنسب للمستقبل.

المهارات أهم من الشهادة

وتكشف أحدث تقارير سوق العمل العالمية، أن المنافسة لم تعد تدور حول الحصول على شهادة جامعية فقط، وإنما حول امتلاك المهارات التى يفرضها الاقتصاد الرقمى، فوفقًا لمنظمة العمل الدولية، أن الذكاء الاصطناعى لن يقضى على الوظائف بالضرورة، لكنه سيعيد تشكيلها، حيث ستختفى بعض المهام التقليدية، بينما ستظهر وظائف جديدة تتطلب مهارات مختلفة، لذلك توصى المنظمة بضرورة تحديث المناهج الجامعية، والتوسع فى التدريب العملى، وإكساب الطلاب مهارات التفكير النقدى، وحل المشكلات، والتعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعى، باعتبارها من المهارات الأساسية للتوظيف خلال السنوات المقبلة.

أما فى مصر، فتشير دراسات منظمة العمل الدولية الخاصة بسوق العمل المصرى، إلى وجود فجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات أصحاب الأعمال، وهو ما يفسر ارتفاع معدلات البطالة بين بعض الخريجين رغم وجود فرص عمل فى قطاعات أخرى، وتوصى الدراسات بربط البرامج الجامعية باحتياجات الاقتصاد، والتوسع فى التخصصات البينية التى تجمع بين الدراسة الأكاديمية والمهارات الرقمية، بدلًا من الاكتفاء بالمناهج التقليدية.

لا تقتلوا العلوم الإنسانية

وقالت الدكتورة عزة هيكل، أستاذ النقد الأدبى والأدب المقارن والكاتبة، إن كليات الآداب تمثل الأصل الذى تنبثق منه جميع الدراسات الإنسانية، بما تضمه من تخصصات الفلسفة والأدب والثقافة واللغات وعلم النفس والمنطق والتاريخ والجغرافيا، مؤكدة أن الأزمة الحقيقية لا تكمن فى هذه الكليات، وإنما فى المناهج الدراسية ومدى ارتباطها بسوق العمل والمتغيرات التقنية المتسارعة.

وأضافت، أن التطورات التكنولوجية أدت إلى تداخل كبير بين الدراسات الإنسانية، مثل الإعلام واللغات وعلم الاجتماع والثقافة، وهو ما يجعل الفصل بين العديد من المواد والمناهج أمرًا غير منطقى، مؤكدة ضرورة تطوير المناهج وربطها باحتياجات سوق العمل، والتوسع فى ما يُعرف بـ«الدراسات البينية» التى تجمع بين أكثر من تخصص، باعتبارها أحد أبرز التوجهات الحديثة فى الجامعات العالمية.

وأكدت أن المناهج الإنسانية يجب أن تسهم أيضًا فى تنمية الوعى والانتماء، لأن غياب دراسة التاريخ والفلسفة والمنطق والجغرافيا والعلوم الإنسانية سيؤدى إلى تخريج إنسان يشبه الآلة، بلا مشاعر أو هوية أو لغة أو تاريخ أو أدب أو ثقافة، موضحة أن كليات الآداب والدراسات الإنسانية ما زالت تحظى بمكانة راسخة فى مختلف دول العالم، لكن التحدى الحقيقى يتمثل فى كيفية الدمج بين التخصصات المختلفة والاستفادة من تكاملها.

وأضافت، أن تطوير المناهج بات ضرورة ملحة، من خلال ربطها بسوق العمل، ودمج التخصصات، وحذف ما لم يعد مفيدًا، والاستفادة من التقنيات البصرية والتكنولوجية الحديثة، بما يساعد الراغبين فى العمل بالمجالات التقنية على الاستفادة من العلوم الإنسانية، عبر تنمية مهارات اللغة، ودراسات اللغات، وعلم النفس، والدراسات الثقافية، ومهارات الكتابة وصناعة المحتوى، والقدرة على الربط بين الماضى والحاضر، مع ضرورة أن تواكب الدراسات الإنسانية هى الأخرى التطورات التقنية وتتعلم كيفية توظيفها بصورة إيجابية.

ولفتت إلى أن المشكلة الأساسية تتمثل فى تحول كثير من برامج الدراسات الإنسانية إلى مناهج جامدة لا تؤهل الخريجين لسوق العمل، إلى جانب الأعداد الكبيرة من الطلاب الملتحقين بها، مؤكدة ضرورة إعادة النظر فى أعداد المقبولين، وتنمية مهاراتهم، وتعريفهم منذ البداية بطبيعة سوق العمل المرتبط بكل كلية وتخصص.

الذكاء الاصطناعى يعيد تشكيل الوظائف

من جانبها، أوضحت الدكتورة سارة فوزى، مدرس الإعلام الرقمى بكلية الإعلام جامعة القاهرة، أن الذكاء الاصطناعى أعاد رسم خريطة الوظائف، خاصة فى المجال الإعلامى، موضحة أن الأمر لا يعنى فقدان قيمة الوظائف بقدر ما يعنى إعادة تشكيلها واستبدال بعض الأدوار التقليدية بأخرى أكثر تطورًا.

وأشارت إلى أن العديد من المهام التى كان يؤديها مديرو البرامج ومديرو البرمجة، مثل إعداد الخرائط البرامجية، والأرشفة الإلكترونية، وتوفير أدوات المشاهد الذكى للمعدين والمحررين بدلًا من الاعتماد على أساليب الإعداد والتحرير التقليدية، أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على تقنيات الذكاء الاصطناعى، وهو ما يسهم فى توفير الوقت والجهد.

وأضافت أن هذا التطور، فى المقابل، يخلق وظائف جديدة ترتبط بتدقيق البيانات والمعلومات، وعمليات التحقق من الحقائق (Fact-checking) والتحقق من صحة المحتوى (Verification)، مشيرة إلى أن الذكاء الاصطناعى يعانى من «هلوسات» وأخطاء جسيمة فى بعض الأحيان، خاصة عند التعامل مع المحتوى باللغة العربية، وهو ما يجعل العنصر البشرى ضروريًا لمراجعة المخرجات وضمان دقتها.

وأكدت أن الذكاء الاصطناعى قد يؤثر فى بعض المهن، مثل تصميم الجرافيك، والمونتاج، والإخراج الفنى، وتصميم الهويات البصرية، والإدارة الإبداعية، لكنه فى الوقت نفسه سيوفر فرصًا وظيفية جديدة فى مجالات الرصد والتحليل الإعلامى، ومراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعى، وتقييم المعلومات والبيانات.

وشددت على أنه لا يمكن الاستغناء عن الكليات الإنسانية والعلوم الاجتماعية، لأن الذكاء الاصطناعى يعتمد فى الأساس على الكم الهائل من المعلومات التى تنتجها هذه العلوم، ويستند إليها فى بناء مخرجاته، سواء كانت معلومات تاريخية أو سياسية أو نفسية أو اجتماعية أو غيرها، مؤكدة تأييدها لدمج تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية بدلًا من استمرار وجود كليات مستقلة ومتشابهة فى تخصصاتها.

وأشارت إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن فى المناهج الدراسية، موضحة أن أخلاقيات الذكاء الاصطناعى ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتشريعات والقانون وعلم الاجتماع وعلم الأخلاق، الذى يُدرس ضمن مناهج الفلسفة، وهو ما يؤكد استمرار الحاجة إلى هذه العلوم، ولكن فى إطار جديد يواكب الذكاء الاصطناعى، ويرتبط بأصول المهنة والجوانب النظرية التى تحكم استخدامه.

وأضافت أن الذكاء الاصطناعى لا يمثل تهديدًا للتخصصات المختلفة، بل أصبح مهارة أساسية ينبغى أن يكتسبها الجميع، مؤكدة أن كل تخصص سيحتاج إلى تعلم البرمجة، وفهم المبادئ الأساسية للذكاء الاصطناعي. 

وأشارت إلى أن شركات عالمية، مثل مايكروسوفت وأمازون، تقدم دبلومات وبرامج تدريبية فى مصر، إلى جانب مبادرات وطنية مثل «سفراء الذكاء الاصطناعي» و«رواد مصر الرقمية» التابعة لوزارة الاتصالات، مؤكدة أن هذه البرامج ينبغى أن يستفيد منها طلاب جميع التخصصات، سواء التطبيقية أو الإعلامية أو الهندسية أو الطبية أو الفنية، لأن الذكاء الاصطناعى سيتقاطع مع مختلف المجالات.

وأوضحت أن فكرة الاستبدال الكامل للوظائف ما زالت مستبعدة خلال السنوات الست أو السبع المقبلة، لكنها تظل احتمالًا قائمًا على المدى البعيد، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبى بدأ بالفعل فى دراسة وتطوير نظم للتقاعد المبكر وآليات للتعويض فى حال استبدال بعض الوظائف أو المهن بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط