الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

الخلافات على التركة

كيف تحولت صراعات قيادات الإخوان على أموال الأزمات إلى فضائح علنية؟

بوابة روز اليوسف


شكّلت الأزمة التي انفجرت بين قيادات جماعة الإخوان الإرهابية في الخارج، واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في تاريخ التنظيم، فلم تعد الخلافات التنظيمية حبيسة الاجتماعات المغلقة أو المداولات الداخلية، بل خرجت إلى العلن عبر بيانات رسمية وقرارات متبادلة وتصريحات إعلامية، كشفت حجم الانقسام بين القيادات التاريخية للتنظيم.

 

فلم يعد الصراع يدور فقط حول من يملك حق قيادة الجماعة، ولكن امتد إلى ملفات الإدارة والموارد المالية والمؤسسات التابعة لها، لتتحول الأزمة إلى واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في تاريخ التنظيم.

 


من صراع الشرعية إلى معركة الأموال

 


بعد سنوات من الضربات الأمنية التي تعرضت لها الإرهابية عقب عام 2013، انتقلت مراكز الثقل التنظيمي إلى الخارج، خاصة في تركيا وبريطانيا، وبرزت قيادات جديدة تتولى إدارة الملفات التنظيمية والمالية والإعلامية.

 

 ومع مرور الوقت، بدأت الخلافات تتصاعد بين القائم بأعمال المرشد العام آنذاك إبراهيم منير، المقيم في لندن، وبين الأمين العام السابق محمود حسين، الذي كان يقود نفوذا واسعا داخل الجماعة في تركيا.

 

في البداية بدت الأزمة وكأنها خلاف حول إدارة التنظيم وآليات اتخاذ القرار، إلا أن تطوراتها اللاحقة أظهرت أن الملفات المالية والإدارية كانت في قلب الصراع، خاصة مع تراجع الموارد، واختلاف الرؤى بشأن إدارة المؤسسات والاستثمارات وشبكات الدعم التنظيمي.

 

 

عزل قيادات بارزة

 

 

بلغت الأزمة ذروتها في أكتوبر 2021، عندما أصدر إبراهيم منير سلسلة قرارات اعتُبرت الأخطر داخل الجماعة منذ سنوات، وشملت إعفاء عدد من أبرز القيادات من مناصبهم التنظيمية وإحالتهم إلى التحقيق.


وضمت القائمة محمود حسين، الأمين العام السابق وعضو مكتب الإرشاد، والأعضاء مدحت الحداد، وهمام علي يوسف، وممدوح مبروك، ورجب البنا، ومحمد عبدالوهاب، مسؤول رابطة الإخوان المصريين بالخارج.

 

وبحسب ما أعلنته جبهة إبراهيم منير آنذاك، فإن قرارات الإحالة جاءت على خلفية ما وصفته بـ"مخالفات مالية وإدارية" تستوجب التحقيق وفق اللوائح الداخلية للجماعة، مؤكدة أن الإجراءات تستهدف "تصحيح المسار التنظيمي" والحفاظ على مؤسسات الجماعة.

 


ورغم أن بيانات الجبهة لم تنشر تفاصيل هذه المخالفات أو نتائج أي تحقيقات نهائية، فإن مجرد الإعلان عن وجود مخالفات مالية على هذا المستوى كان تطورا غير مسبوق، حيث اعتادت الجماعة تاريخيا معالجة خلافاتها داخل الأطر التنظيمية بعيدا عن الإعلام.

 


جبهة محمود حسين ترفض الاتهامات

 


لم تتأخر جبهة محمود حسين في الرد، لأنها اعتبرت أن قرارات إبراهيم منير تفتقر إلى الشرعية التنظيمية، وأنها صدرت بصورة منفردة بالمخالفة للوائح الجماعة.

 

ورفضت الجبهة الاعتراف بقرارات العزل والإحالة، وأعلنت في بيانات مضادة سحب الصلاحيات من إبراهيم منير، معتبرة أن ما قام به يمثل تجاوزا لصلاحياته، وأن الإجراءات المتخذة بحق قيادات الجماعة لا تستند إلى مؤسساتها الشرعية.

 

وبمرور الوقت، تصاعدت المواجهة بين الطرفين، وأصبح لكل جبهة بياناتها الرسمية، ومتحدثوها، ومنصاتها الإعلامية، بل وصل الأمر إلى إعلان قرارات متبادلة بالعزل والفصل وإلغاء قرارات الطرف الآخر، في مشهد وصفه مراقبون بأنه غير مسبوق في تاريخ التنظيم.

 

من الاجتماعات المغلقة إلى البيانات المفتوحة

 

اللافت في الأزمة أن الخلاف لم يعد يدار داخل اجتماعات مجلس الشورى أو مكتب الإرشاد، بل خرج إلى الرأي العام.. ففي غضون أسابيع، توالت البيانات الرسمية من الجبهتين، وتداولت وسائل الإعلام وثائق وقرارات تنظيمية، كما ظهرت تصريحات متبادلة بين قيادات محسوبة على كل طرف، تناولت ملفات الإدارة واللوائح والموارد المالية.

 

ورصدت تقارير إعلامية، أن الجماعة التي طالما قدمت نفسها باعتبارها تنظيما شديد الانضباط، أصبحت تكشف بنفسها عن حجم الانقسام الداخلي، بعدما تحولت بياناتها إلى وسيلة لتبادل الاتهامات وإثبات الشرعية أمام القواعد التنظيمية.

 


لماذا أصبح المال محورا للصراع؟

 


يرى الباحث المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية عمرو فاروق أن القرارات التي أصدرها إبراهيم منير لم تكن معزولة عن الصراع على مراكز النفوذ داخل الجماعة، موضحا أن الأزمة ارتبطت بإعادة توزيع موازين القوة داخل التنظيم، خاصة بين القيادات المقيمة في لندن وتلك الموجودة في تركيا.


وأشار فاروق، في تصريحات نقلتها سكاي نيوز عربية، إلى أن قرارات منير جاءت استكمالا لتحركات سابقة، استهدفت تقليص نفوذ الكتلة المعارضة له داخل الجماعة، وهو ما أدى إلى انتقال الخلاف من الإطار التنظيمي إلى المجال العام.

 


ويذهب عدد من الباحثين إلى أن تراجع الموارد المالية بعد عام 2013، إلى جانب الضغوط التي تعرضت لها الجماعة في عدد من الدول، جعل السيطرة على المؤسسات والملفات المالية عنصرا أساسيا في الصراع الداخلي، دون أن يعني ذلك ثبوت الاتهامات المتبادلة بين الأطراف.

 

سابقة لم تحدث منذ تأسيس الجماعة

 


الكاتب والباحث في شؤون الإسلام السياسي منير أديب، اعتبر أن ما جرى داخل الجماعة يمثل سابقة تاريخية، مشيرا إلى أن الجماعة عرفت انشقاقات عديدة منذ تأسيسها، لكنها لم تشهد من قبل انقساما بهذا الحجم على مستوى قمة الهرم التنظيمي.

 

وأوضح أديب، في تصريحات سابقة، أن الأزمة أفرزت فعليا جبهتين متنافستين، لكل منهما قيادة وقواعد مؤيدة، معتبرا أن الاتهامات المتبادلة، ومنها ما تعلق بالملفات المالية والإدارية، كشفت حجم التآكل الذي أصاب التنظيم، وأفقده الصورة التي حاول ترسيخها لعقود باعتباره كيانا موحدا.

 

الصحافة العربية ترصد الانقسام

 


كما خصصت وسائل إعلام عربية عديدة مساحات واسعة لتغطية الأزمة، من بينها سكاي نيوز عربية التي تابعت تطورات قرارات الإحالة للتحقيق، والانقسام بين جبهتي لندن وتركيا، وانعكاساته على أفرع الجماعة في الخارج.


وتناولت قناة (العربية الحدث) اتساع دائرة الانشقاقات داخل صفوف التنظيم، واعتبرت أن الصراع بين إبراهيم منير ومحمود حسين عمّق حالة الانقسام بين القواعد والقيادات.

 

أما صحيفة الشرق الأوسط فقد تابعت، في أكثر من تقرير، تطورات الأزمة الداخلية، وركزت على التنافس بين الجبهتين حول الشرعية التنظيمية وإدارة مؤسسات الجماعة، وعلى تأثير ذلك في مستقبل التنظيم وعلاقاته الخارجية.

 


أزمة تتجاوز الأشخاص

 


وتكشف الوقائع المعلنة، أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف شخصي بين إبراهيم منير ومحمود حسين، بل أصبحت تعكس أزمة أعمق تتعلق ببنية التنظيم وآليات إدارته بعد انتقال قياداته إلى الخارج.

 

 

 وبين قرارات الإحالة للتحقيق، والبيانات المتبادلة، والاتهامات المتعلقة بالمخالفات المالية والإدارية، دخلت الجماعة مرحلة غير مسبوقة من الانقسام العلني.

 

ورغم تمسك كل طرف بروايته، ورفضه لما يوجه إليه من اتهامات، فإن الثابت هو أن الصراع كشف للمرة الأولى تفاصيل خلافات كانت تُدار بعيدًا عن الأضواء، لتتحول إلى مادة يومية في وسائل الإعلام، وتفتح الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن مستقبل التنظيم، وإدارة موارده، وقدرته على الحفاظ على تماسكه بعد سنوات من الانقسامات المتتالية.

تم نسخ الرابط