الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

من "فزاعة الضرائب" إلى حوافز التداول.. هل انتهى الصدام التاريخي بين البورصة والمالية؟

بوابة روز اليوسف

على مدار أكثر من عشر سنوات، كان مجرد اقتران اسم البورصة بالضرائب كفيلا بإثارة موجات من القلق بين المستثمرين، ودفع الحكومات المتعاقبة إلى تأجيل تطبيق ضريبة الأرباح الرأسمالية أكثر من مرة خشية انعكاسها على التداولات والقيمة السوقية للأسهم. لكن هذه المرة تبدو الصورة مختلفة؛ إذ جاءت الحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية التي أعلنتها وزارة المالية لتطوي صفحة الجدل المزمن حول الضرائب على سوق المال، عبر إلغاء الضريبة على الأرباح الرأسمالية للأوراق المالية المقيدة والإبقاء على ضريبة الدمغة النسبية، إلى جانب حوافز جديدة للشركات المقيدة وإعفاء صناع السوق من الدمغة، في خطوة يرى متعاملون أنها تستهدف زيادة السيولة بدلا من تحصيل حصيلة ضريبية.


ففي الوقت الذي أعلنت فيه وزارة المالية ومصلحة الضرائب المصرية، ضمن الحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية، تعديلات واسعة على قانوني الضريبة على الدخل وضريبة الدمغة، لم يشهد السوق حالة الرفض المعتادة، بل استقبلها كثير من المتعاملين باعتبارها خطوة طال انتظارها لإنهاء واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيدًا في النظام الضريبي، وهي الازدواج الضريبي على التعاملات في الأوراق المالية، إلى جانب تقديم حوافز مباشرة تستهدف زيادة التداولات وتشجيع الشركات على القيد في البورصة.

 


ولسنوات طويلة، كانت العلاقة بين البورصة والضرائب علاقة شائكة. ففي يوليو 2014 أُقرت ضريبة على الأرباح الرأسمالية والتوزيعات النقدية، إلا أن اعتراضات المستثمرين وشركات السمسرة دفعت الحكومة إلى تأجيل تطبيقها لمدة عامين، ثم تكرر التأجيل مرة أخرى، قبل أن تتجه الدولة في عام 2017 إلى تطبيق ضريبة الدمغة على عمليات البيع والشراء باعتبارها بديلًا مؤقتًا، بينما ظل ملف الأرباح الرأسمالية معلقًا، يتأرجح بين قرارات التأجيل والمراجعة، دون أن يصل إلى صيغة مستقرة تحظى بقبول جميع الأطراف.

 


وخلال تلك السنوات، كان المستثمرون يعتبرون أن المشكلة لا تكمن فقط في قيمة الضريبة، وإنما في غياب الاستقرار التشريعي، إذ كانت القواعد الضريبية تتغير بصورة متكررة، بما يصعب على المؤسسات المحلية والأجنبية بناء خطط استثمارية طويلة الأجل، ويؤثر على قدرة السوق في جذب استثمارات جديدة.

 


اليوم، تحاول الحكومة تقديم معالجة مختلفة تقوم على الوضوح والاستقرار أكثر من الاعتماد على فرض ضرائب جديدة. فالتعديلات الأخيرة نصت على إعفاء الأرباح الرأسمالية الناتجة عن التصرف في الأوراق المالية المقيدة بالبورصة من ضريبة الدخل، مع استمرار خضوعها فقط لضريبة الدمغة النسبية، وهو ما يعني إنهاء حالة الازدواج الضريبي التي كانت محل انتقادات واسعة داخل السوق.

 


كما تضمنت التعديلات استبعاد التعاملات على الأوراق المالية غير المقيدة من الخضوع لضريبة الدمغة، والاكتفاء بخضوعها لضريبة الدخل، إلى جانب وضع آلية مبسطة لتحديد تكلفة اقتناء هذه الأوراق، بما ييسر احتساب الضريبة ويقلل من النزاعات المرتبطة بها.
ولم تتوقف الحوافز عند هذا الحد، إذ شملت أيضًا إعفاء نشاط "صانع السوق" من ضريبة الدمغة، في خطوة تستهدف تشجيع المؤسسات التي تقوم بدور رئيسي في توفير السيولة وتقليل تذبذب الأسعار، فضلًا عن استحداث حوافز نقدية للشركات التي تقرر قيد أسهمها في البورصة المصرية وفقًا لمعايير محددة، في محاولة لزيادة عدد الشركات المقيدة وتوسيع قاعدة السوق.

 


وتعكس هذه الإجراءات تحولًا ملحوظًا في فلسفة التعامل مع سوق المال. فبعد سنوات كان الهدف فيها تحقيق حصيلة ضريبية دون الإضرار بجاذبية الاستثمار، تبدو الأولوية الآن هي تنشيط السوق أولًا، انطلاقًا من أن زيادة أحجام التداول وعدد الشركات المقيدة وتوسيع قاعدة المستثمرين يمكن أن يحقق للدولة مكاسب اقتصادية ومالية أكبر على المدى الطويل من فرض أعباء ضريبية إضافية.

 


ويأتي هذا التحول في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تعزيز دور البورصة كمصدر رئيسي لتمويل الشركات، ودعم برنامج الطروحات الحكومية، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، وهي أهداف يصعب تحقيقها في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن السياسة الضريبية.
ورغم أن الحكم النهائي على نجاح هذه التعديلات سيظل مرتبطًا بردود فعل المستثمرين خلال الأشهر المقبلة، فإن الرسالة التي تبعث بها الحكومة تبدو مختلفة عن السابق. فبدلًا من أن يكون اسم البورصة مقترنًا بفرض ضريبة جديدة، أصبحت التعديلات الضريبية نفسها أداة لتحفيز الاستثمار وزيادة التداولات.

 


وربما يكون هذا هو التحول الأهم  فبعد سنوات كان فيها مجرد الحديث عن الضرائب كفيلًا بإثارة الهلع داخل سوق المال، أصبح المستثمرون هذه المرة يتابعون الحزمة الضريبية باعتبارها فرصة لإزالة عقبات تاريخية، وفتح صفحة جديدة في العلاقة بين السياسة الضريبية والبورصة المصرية.

تم نسخ الرابط