الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

في فوضى سياسية واقتصادية متسارعة يتجه العالم نحو مرحلة شديدة التعقيد، في عالم مجانين، وحالة احتراب يكاد أن يحترق فيها العالم، حيث يتجه نحو حقبة من "اللايقين" والفوضى الهيكلية نتيجة تبني بعض القادة لـ"نظرية الرجل المجنون" في إدارة الأزمات، وهي استراتيجية سياسية وعسكرية تعتمد على إظهار القائد بمظهر غير عقلاني أو لا يمكن التنبؤ بتصرفاته.

 

تهدف هذه الأداة إلى إجبار الخصوم على التراجع وتقديم تنازلات مخافة ردود فعل متهورة، نظرية تعود لمقولات وكتابات الفيلسوف الإيطالي نيكولو مكيافيلي فى القرن الـ15، بأن "محاكاة الجنون قد تكون حكمة فى بعض المواقف"، بدأت بفضل الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون لإقناع أعدائه بإنه رئيس لا يمكن السيطره عليه، باستخدام التهديدات الدبلوماسية والقوة المفرطة وعواقبها القصوى بقرار نووي لإنهاء حرب فيتنام.

 

طرح مقال رأي في صحيفة "وول ستريت جورنال" احتمال أن يميل ترامب إلى محاكاة خيار نيكسون السياسي إبان حرب فيتنام: وهو استخدام التهديد بالجنون، بما في ذلك احتمال استخدام الأسلحة النووية، لإنهاء الصراع بشروط تصب في مصلحة الولايات المتحدة، وهو ما يخلق خطراً متزايداً لفقدان السيطرة على التصعيد، ويدفع النظام الدولي نحو تحولات قسرية قد تخرج عن السيطرة في أي لحظة… أدت عودة استراتيجيات التلويح بالجنون السياسي إلى استخدام الفوضى كأداة ضغط وابتزاز مقنن لفرض تنازلات سياسية أو اقتصادية. وتكمن المسألة الأساسية في هذا النهج ، خطر "سوء التقدير" الذي قد يرتكبه الخصوم، مما يحول المناورة السياسية إلى صدام عسكري مباشر.

 

وبالفعل، تبنى ترامب بوعي تام هذه الاستراتيجية القائمة على الظهور بمظهر غير المستقر، وغير المتوقع، وربما "المجنون". 

ومن قبيل المصادفة اللافتة، صدور  كتاب "الحقيقة والعاقبة: تأملات حول الكارثة والمقاومة المدنية والأمل" (Truth and Consequence: Reflections on Catastrophe, Civil Resistance, and Hope)، نُشر بعد وفاة مؤلفه دانيال إلسبيرج، أشهر كاشفي الأسرار في أمريكا. الذي اشتهر بسلسلة  من المحاضرات تحت عنوان "فن الإكراه"، وشملت موضوعات مثل "نظرية وممارسة الابتزاز"، و"الرؤساء كصواعق مثالية: التهديد الردعي بالإبادة الشاملة"، و"الاستخدامات السياسية للجنون".

 

كما  تحولت التحالفات التقليدية (مثل حلف الناتو) إلى أوراق ضغط مالي، وابتزاز أمني حيث تُستغل الهواجس الأمنية للدول لفرض شروط تجارية واقتصادية مجحفة، مما يؤدي إلى تآكل الثقة في منظومة الأمن الدولي وتصدع النظام العالمي القديم.  

 

في وقت تحاول أوروبا الخروج من عباءة أميركا، ثم تأتي  حرب الموارد واستخدام الطاقة كورقة ضغط.

ولم يعد أي تصعيد في مناطق حيوية مثل الشرق الأوسط أو مضيق هرمز، مجرد صراع أيديولوجي، بل تحول إلى أداة لفرملة اقتصادات دول كبرى مثل الصين، عبر محاصرة إمدادات الطاقة التي تعتمد عليها، مما يجعل الدول الآسيوية الكبرى في حالة تأهب دائم وتخوف من شلل اقتصادي محتمل.

مع تبني  أطراف أخرى  عقيدة "اللايقين" ذاتها، كنسخة من نظرية الرجل المجنون، حيث يسعى زعيم عالمي إلى إقناع خصمة بأنه قادر على فعل أي شيء، وفق حالته المزاجية المتقلبة، لانتزاع تنازلات، إذا استُخدمت بنجاح ، فقد تُصبح شكلاً من أشكال الإكراه، ويعتقد الرئيس ترامب أنها تُوتي ثمارها، بوضع حلفاء أميركا في المكان الذي يريده.

 

هذا التحول يحول الساحة الدولية إلى غرفة مليئة باللاعبين المندفعين، مما يضيق مساحات الحل الدبلوماسي ويزيد من تعقيد الأزمات، فبعد فترة وجيزة من اندلاع الحرب العدوانية الأمريكية،الإسرائيلية الاختيارية ضد إيران في نهاية شهر فبراير والتي استهدفت في البداية شلّ قيادة النظام والإطاحة به، كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" عن الاسم الرمزي السري لاستراتيجية الحرب الإيرانية: "عملية المجنون" (Operation Madman).

 

وقد تضمنت هذه الاستراتيجية، رداً على الضربات الأمريكية-الإسرائيلية، هجمات إيرانية واسعة النطاق استهدفت القواعد والأفراد الأمريكيين وحلفاء الولايات المتحدة في أنحاء الخليج والشرق الأوسط، فضلاً عن إغلاق مضيق هرمز بطبيعة الحال.

 

مع الأسف يستهين رؤساء الدول باحتمالية ألا يتراجع الخصم، وكذلك باحتمالية تنفيذ التهديد فعلياً. فكل رد فعل يخلق سياقاً جديداً للمضي قدماً في التصعيد. ثمة حافز يدفع لعدم "التراجع"، وعدم الاعتراف بالفشل أو الخطأ أو التكتيكات الخاطئة.

 

وبدلاً من ذلك، قد تنشأ رغبة في الاعتقاد بأن استخدام المزيد من القوة سيحقق النجاح، وأن العدو بات على الحافة أو يقترب من نقطة الانهيار.. وتنشأ مخاطر إضافية ناجمة عن إخفاقات القيادة والسيطرة، وانهيار آليات الضبط الميداني، وما يُعرف بـ"ضباب الحرب".

 

ثمة أفكار لا يمكن تصورها داخل البيت الأبيض، لكن التهديدات والحروب النووية ليست من بينها؛ غير أن فكرة "الاستسلام" تندرج ضمن تلك الأفكار.

 

إن "تفوق اميركا النووي" يجعل احتمال الفشل أمراً يصعب تخيله؛ إذ ستكون الهزيمة  والفشل أكثر إذلالاً واستعصاءً على التصور نظراً لما تتمتع  به من قوة.

 

تتصدر هذه القضايا المشهد اليوم لحرب تتخذ طابعاً عالمياً متزايداً، وتجر إليها دولاً متباينة مثل روسيا وأوكرانيا والمملكة العربية السعودية وباكستان ولبنان، وربما غيرها.

ويقف العالم غير قادر على التنبؤ بالمستقبل في البنية الأمنية لعالم نعيش فيه!.

 

تم نسخ الرابط