الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

يرى البعض أن تعاليم الإسلام تنظر للأنثى نظرة دونية مقارنة بالذكر، وهي رؤية تأسست على فهم غير صحيح لآيات قرآنية مثل قوله تعالى: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) الزخرف 19، (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ) الطور 39، (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى) النجم 21.

 

قبل نزول القرآن الكريم كان كفار قريش حسب ثقافتهم يحتقرون الأنثى ويعتبروها عاراً، كما أنهم جعلوا الملائكة إناثاً ثم نسبوهن كبنات لله تعالى، وجاء الرد عليهم بأنهم يفضلون أنفسهم على الله تعالى لأنهم يحتقرون إنجاب الأنثى ثم ينسبون لله تعالى ما لا يرضون أن ينسبوه لأنفسهم، أي أنهم أشركوا بنسبهم لله تعالى ولداً وجعلوا ذلك الولد أنثى، فهم بذلك قد نظروا لله تعالى نظرة فيها دونية.

 

قال تعالى: (وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) النحل 57، توضح أنهم جعلوا لله تعالى المثل السوء وجعلوا لأنفسهم المثل الحسن، فالآية تكشف فكرهم ونظرتهم الدونية ليس للأنثى فقط بل وأيضاً تصورهم السيئ لله تعالى، وبذلك تعبر الآية عن فكر المشركين ولا تعبر عن نظرة القرآن الكريم للأنثى.

 

والقرآن الكريم رد عليهم حين نسبوا لله تعالى أولياء وجعلوهم أولاداً له: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) الزمر 3، والرد هنا جاء على إخلاص العقيدة بتوحيد الله، وأنه تعالى لو أراد أن يتخذ ولداً أو ولياً لاختار هو بذاته، فالآيات لا تشير إلى تفضيل الذكر على الأنثى ولا تشير إلى أي نوع من النظرة الدونية للأنثى.

 

أما عن قوله تعالى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) آل عمران 35-36، عمران هو أبو السيدة مريم وجد النبي عيسى عليه السلام، فقد أرادت امرأة عمران أن تقدم لله ما في بطنها من جنين تصورته مولوداً ذكراً يكون في خدمة الدعوة إلى الله، (مُحَرَّرًا) يعني محرر من الأهواء لا يريد إلا وجه الله، والإنسان عليه أن ينوي نية طيبة، والله تعالى يعلم ماذا وضعت لأنه خلق ما في بطنها، فيقول تعالى أن المولودة الأنثى تختلف عن الذكر، وقد تكون الأنثى خيراً من الذكر، وكل منهما له خصائصه.

 

وحتى لا تكون الأنثى لها أفضلية، فقد تم تفسير (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى) باعتباره من كلام امرأة عمران وكأنه اعتذاراً منها عن انجاب أنثى، مع أن جملة (وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى) هي جملة اعتراضية من قوله تعالى توسطت ما قالته امرأة عمران، ولو كان التفسير صحيحاً بأن الجملة من قول امرأة عمران لوجب عليها أن تقول: "وأنت أعلم بما وضعتُ" بضم التاء، وذلك بعد أن قالت (رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى)، أما عن مسألة تفضيل الله تعالى للذكر على الأنثى فهي غير صحيحة، لأن الله تعالى منزه عن التحيز لأحد، ولا يكرم خلقاً على الآخر إلا بالتقوى والعمل الصالح.

 

أما تحرير المرأة في الإسلام فقد بدأه النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه لم ينته لأن تحريرها مستمر حسب التطور الإنساني، فالإسلام لا يسمح بتطور فجائي للمجتمع مما يؤدي إلى تدميره، ولكن تم وضع أسس في القرآن الكريم لكي تحدث هذه الأمور من خلال التطور التدريجي للمجتمعات.

 

تم نسخ الرابط