الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

من «وصف مصر» إلى أوجيني.. متحف الري يفتح خزائن 200 عام من تاريخ المياه

موسوعة وصف مصر
موسوعة وصف مصر

ألبومات نادرة ترصد إنشاء القناطر والسدود وافتتاح قناة السويس بحضور الإمبراطورة أوجيني

 


لم يكن متحف الري الذي افتتحته وزارة الموارد المائية والري بالعاصمة  الجديدة مجرد قاعات لعرض مقتنيات تاريخية، بل جاء بمثابة سجل وطني يوثق رحلة الدولة المصرية في إدارة مواردها المائية، ويكشف كيف اعتمدت مصر عبر أكثر من قرنين على العلم والهندسة والتخطيط للحفاظ على نهر النيل وتنمية موارده.
 

ويضم المتحف 7 مناطق رئيسية، تحكي كل منها جانبًا من تاريخ الري والعمل المائي في مصر، من خلال مئات الوثائق والمخطوطات والأطالس والرسومات الهندسية والصور النادرة التي تسجل أهم المحطات التاريخية لمشروعات الري الكبرى.
 

قسم المخطوطات والأطالس.. وثائق تروي تاريخ إدارة النيل

 

وقام اليوم الدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري بافتتاح المتحف وسط حضور وزاري كبير، حيث حرص وزراء الأوقاف والنقل والتنمية المحلية  على المشاركة في الافتتاح وحضور العديد من قيادات الوزارة والحضور الإعلامي.

 

وحرصت “روزاليوسف” علي أخذ جولة داخل المتحف في اليوم الأول لافتتاحه، حيث بدأت الجولة داخل قسم المخطوطات والموسوعات والأطالس، الذي يضم مجموعة من الوثائق والكتب التي ترصد كيف أدارت الدولة المصرية مواردها المائية عبر العصور، مستندة إلى أسس علمية وهندسية دقيقة.
 

وتستعرض الفاترينة الأولى وثائق تعود إلى عهد الملك فؤاد الأول، يتوسطها النص الأصلي للخطبة التي ألقاها وزير الأشغال العمومية آنذاك إبراهيم باشا فهمي أمام الملك خلال افتتاح قناطر نجع حمادي عام 1930، باعتبارها أحد أهم مشروعات الري في بدايات القرن العشرين، والتي أسهمت في التوسع الزراعي ودعم التنمية في جنوب مصر.
 

كما تضم الفاترينة وثيقتين رسميتين تذكاريتين توثقان مراسم وضع حجر الأساس وافتتاح القناطر، إضافة إلى محضر تأسيس جمعية المهندسين الملكية عام 1920 في عهد الملك فؤاد، والتي أصبحت لاحقًا جمعية المهندسين المصرية، إحدى أبرز المؤسسات العلمية التي دعمت تطور الهندسة والمشروعات القومية في مصر.

 


اتفاقيات النيل.. ووثائق رسمت سياسة إدارة المياه


وتضم الفاترينة الثانية ثلاث وثائق توثق مراحل تنظيم إيراد نهر النيل، في مقدمتها كتاب "ضبط النيل" الصادر عام 1920، والذي ألفه السير مردخ مكدونالد، مستشار وزارة الأشغال العمومية، مستعرضًا السياسات والإجراءات التي اتبعتها الدولة لتنظيم مياه النيل والاستفادة منها على مدار العام.
 

كما تعرض الفاترينة اتفاقية مياه النيل لعام 1929، التي أرست قواعد تنظيم استخدام مياه النهر بين مصر والسودان وكينيا وتنزانيا وأوغندا، وأكدت مبدأ الإخطار المسبق قبل إقامة أي منشآت مائية على النيل.
 

وتضم أيضًا اتفاقية مياه النيل لعام 1959 بين مصر والسودان، والتي حددت حصة مصر السنوية من مياه النيل بنحو 55.5 مليار متر مكعب، وهي الحصة التي ما زالت ثابتة منذ توقيع الاتفاقية، رغم الزيادة السكانية الكبيرة التي شهدتها مصر منذ ذلك الحين، حيث كان عدد السكان وقت توقيع الاتفاقية يقارب 20 مليون نسمة فقط، كما مهدت الاتفاقية لتنفيذ مشروعات قومية كبرى في مقدمتها السد العالي.

 


أطالس نادرة.. مرجع لترسيم الحدود ودراسة المناخ


وتضم الفاترنتان الثالثة والرابعة مجموعة من الأطالس النادرة، يأتي في مقدمتها أطلس مصر الصادر عام 1928، والذي أُعد بمرسوم ملكي من الملك فؤاد، ويضم خرائط دقيقة للقطر المصري، ولا يزال يُستعان به حتى اليوم في بعض قضايا ترسيم الحدود.
 

كما يعرض المتحف أطلس أعمال المنافع الكبرى، الذي يضم خرائط لمشروعات القناطر والسدود والقنوات، ويعد مرجعًا مهمًا للبنية التحتية المصرية.
 

ويضم القسم أيضًا أطلس المناخ، الذي يحتوي على عدد كبير من الخرائط المناخية ويعد مرجعًا مهمًا للباحثين في مجال التغيرات المناخية، إضافة إلى أطلس القطر المصري الذي يضم خرائط زراعية دقيقة لمنطقة الوجه البحري بين القاهرة والبحر المتوسط، وكانت تعتمد عليه وزارة المالية في تحديد قيمة الضرائب، وهو ما يفسر الاهتمام الكبير بتجليده وحفظه.

 


رسومات هندسية على الحرير


وفي الفاترينة الخامسة، يعرض المتحف الرسومات الإنشائية لقناطر محمد علي بالدلتا، والتي أُنشئت عام 1935، والمحفوظة على 42 شيتًا من الحرير، وكانت تمثل في الوقت نفسه وثيقة التعاقد الرسمية بين الحكومة المصرية والشركة المنفذة للمشروع.
 

ويوضح العرض أن قناطر محمد علي تختلف عن القناطر الخيرية، إذ أُطلق عليها هذا الاسم تكريمًا لمحمد علي باشا مؤسس القناطر الخيرية، وقد أُنشئت أمام القناطر الخيرية بعد نحو 75 عامًا، عقب عدم قدرة القناطر الخيرية على استيعاب الزيادة في كميات المياه بعد التعلية الثانية لخزان أسوان.
 

كما تعرض الفاترينة وثائق الرسومات الخاصة بتعلية خزان أسوان، والتي تعكس الدقة الكبيرة التي تميز بها مهندسو الري في إعداد الرسومات الهندسية قبل ظهور الحاسب الآلي والبرامج الرقمية الحديثة.

 


وزارة الأشغال.. الجذور التاريخية لست وزارات


كما يقدم المتحف نبذة عن تاريخ وزارة الموارد المائية والري، موضحًا أنها تأسست عام 1857 تحت اسم "نظارة الأشغال"، وكانت مسؤولة عن العديد من القطاعات إلى جانب الري، قبل أن تنبثق عنها مع مرور الزمن نحو ست وزارات، من بينها الإسكان والزراعة والنقل والثقافة والآثار والاتصالات، فيما ظلت وزارة الري تحتفظ بجذور تاريخ هذه الوزارات، وهو ما يفسر تنوع الوثائق المعروضة داخل المتحف.

 


الصرف الصحي في برلين.. مصدر إلهام للقاهرة


وتعرض الفاترينة السادسة مجموعة من الألبومات الهندسية الخاصة بعمارة المباني والأخشاب في أوروبا، في إشارة إلى اهتمام وزارة الأشغال منذ نشأتها بتبادل الخبرات الدولية.
 

ومن أبرز المعروضات ألبوم يوثق شبكة الصرف الصحي بمدينة برلين عام 1884، والذي استُلهم منه إنشاء أول شبكة حديثة للصرف الصحي في مصر، بعدما أمر الخديوي توفيق بإنشائها عقب انتشار وباء الكوليرا، واستعان بالمهندس الألماني جيمس هوبريشت، مصمم شبكة صرف برلين، الذي زار القاهرة والإسكندرية عام 1892 للإشراف الاستشاري على المشروع.

 


200 عام من التوثيق


وتجسد الفاترينة السابعة اهتمام الدولة المصرية بالتوثيق، حيث تعرض تقارير ووثائق يزيد عمر بعضها على 200 عام.
 

ومن بين المعروضات كتاب "الواحات الغربية"، الذي يتناول المياه الجوفية في الصحراء الغربية ودورها في استقرار المجتمعات، إلى جانب وثائق توثق فيضان النيل عام 1892، أحد أكبر فيضانات القرن التاسع عشر، وتأثيره على السكان والزراعة والبنية التحتية.
 

كما تعرض الفاترينة ميزانية الحكومة المصرية، ووثيقة رسمية نادرة صادرة عن نظارة الأشغال العمومية توثق الأعمال المنفذة خلال عامي 1881 و1882، وتتضمن بيانات تفصيلية عن مشروعات الري والترع والمصارف وصيانة الجسور في مختلف المحافظات.

 


«وصف مصر».. أيقونة متحف الري


وتضم القاعة واحدة من أهم مقتنيات المتحف، وهي موسوعة "وصف مصر"، التي تعود إلى الحملة الفرنسية عام 1798 بقيادة نابليون بونابرت، والذي اصطحب معه أكثر من 160 عالمًا ونحو ألفي رسام لتوثيق جميع مظاهر الحياة في مصر.
 

وتوثق الموسوعة الحياة اليومية للمصريين، والأسواق، والمساجد، والكنائس، والنباتات، والحيوانات، والمناطق الأثرية، ومنها رسومات دقيقة لمنطقة الأهرامات بسقارة منفذة بقلم الفحم.
 

وجُمعت هذه الأعمال في 11 ألبومًا، منها عشرة ألبومات للصور وألبوم للخرائط، إلى جانب 26 مجلدًا شارحًا، تعرض داخل المتحف في أغلفة حمراء، فيما تتيح الشاشات التفاعلية للزائرين استعراض محتويات الموسوعة بالكامل من خلال النسخة الرقمية التي أعدتها مكتبة الإسكندرية.


ألبومات تؤرخ لمشروعات الري وافتتاح قناة السويس


وتختتم الجولة بمنطقة الألبومات التاريخية، التي تضم صورًا نادرة توثق مراحل تنفيذ عدد من أهم مشروعات الري، من بينها قناطر إدفينا، وإسنا، وأسيوط، وديروط، ونجع حمادي.
كما يضم القسم أحد أبرز مقتنيات المتحف، وهو ألبوم يوثق رحلة الإمبراطورة أوجيني لحضور افتتاح قناة السويس عام 1869 في عهد الخديوي إسماعيل، بحضور ملوك وأمراء ورؤساء أوروبا.


ونظرًا لمحدودية التصوير الفوتوغرافي آنذاك، تولى الفنانون التشكيليون توثيق هذا الحدث التاريخي بالرسم اليدوي، لتبقى تلك اللوحات شاهدة على تفاصيل الافتتاح وألوانه لما يقرب من 150 عامًا، لتختتم بذلك رحلة توثق تاريخًا طويلًا من الإنجازات الهندسية وإدارة المياه في مصر.

 

 

 

تم نسخ الرابط