حرب الاستنزاف تبدأ من المخازن.. أزمة الذخائر تهدد آلة الحرب الأمريكية
من طهران إلى بكين.. هل تستهلك حروب الشرق الأوسط مخزون الردع الأمريكي؟
يقف المشهد السياسي والعسكري على حافة توتر شديد، بعدما أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أحدث وأقوى تحذيراته تجاه طهران، معلناً عن تأجيل ضربة عسكرية واسعة النطاق لمنح الدبلوماسية فرصة أخيرة. وفي كواليس المكتب البيضاوي، بدا المشهد محملاً برسائل متناقضة؛ إذ تحدث ترامب عن اتصالات تلقاها تفيد برغبة الجانب الإيراني في إبرام صفقة والوطنية
تجنب المواجهة المدمرة، مؤكداً في الوقت ذاته أنه غير مقيد بجدول زمني ومستعد لإتاحة الفرصة أمام السلام حفاظاً على الأرواح.
على الطرف المقابل، يبدو أن جدار الإنكار الإيراني يمثل عقبة كبرى أمام أي تسوية محتملة، بينما تصر القيادة الإيرانية علناً على عدم وجود قنوات تفاوضية من الأساس. تتفاقم هذه التعقيدات مع دخول المواجهة شهرها السادس دون حسم استراتيجي واضح، وهو ما تعكسه تحليلات الصحافة الأمريكية، التي ترى أن هذه المؤشرات تؤكد دخول واشنطن فعلياً في فصل جديد من "حروب الشرق الأوسط الأبدية".
وقال وزير الدفاع الأمريكي الأسبق ليون بانيتا إن مظاهر هذا التصعيد لا تقتصر على الخطابات السياسية فحسب، بل تجسدت بوضوح على الأرض عبر توسع رقعة الاشتباك الإقليمي؛ فقد طالت التهديدات الإيرانية المصالح الأمريكية في عدة محاور، واستمرت الأطراف الحليفة لطهران في تعطيل حركة الملاحة الحيوية بالبحر الأحمر. كما امتدت العمليات السيبرانية إلى خارج الشرق الأوسط، متجاوزة نطاقها الجغرافي المعتاد، لتشمل نحو 16 دولة، وجدت نفسها منخرطة في الأزمة بصورة أو بأخرى، سواء كنقاط انطلاق، أو مواقع اعتراض، أو أهداف مباشرة.
ولكن بعيداً عن صخب المعارك والخطط الاستراتيجية الظاهرة، تبرز في الكواليس أزمة أعمق تهدد كفاءة آلة الحرب الأمريكية ذاتها؛ فالمواجهات عالية الكثافة تستهلك ترسانة ضخمة من الأسلحة الذكية ومنظومات الدفاع الجوي بمعدلات استثنائية. في وقت يواجه فيه ترامب تساؤلات مصيرية حول قدرة الترسانة الأمريكية على تحمل هذه التكلفة الباهظة، بينما تصطدم إدارته بتحديات دولية تتطلب الحفاظ على الجاهزية لردع قوى كبرى مثل الصين ودعم الحلفاء في أوكرانيا، لتظل كفة الصراع مرهونة بمدى قدرة المصانع الحربية على مواكبة معدلات الاستهلاك السريع للصواريخ والذخائر.
نفاذ الأسلحة الأمريكية
قبل بدء الحرب مع إيران، أمر ترامب أكبر شركات الدفاع الأمريكية بصناعة المزيد من الأسلحة بشكل أسرع، وصاغت إدارته القمة كجزء من نهج ذي مسارين لتنشيط الصناعة الأمريكية وتعزيز قدرات القتال الأمريكية، و"ترسانة الحرية" حسب تعبيره.
ومع ذلك، تفاقم النفق الهائل للأسلحة المتطورة والصعبة الصنع التي تم استخدامها خلال العمليات القتالية المكثفة في إيران ضمن عملية "الغضب الملحمي" في وقت سابق من هذا العام، حتى وصلت حينها تكلفة الحرب إلى 37.5 مليار دولار، تم إنفاقها على الذخائر.
وبحلول الوقت الذي دخل فيه وقف إطلاق النار الهش حيز التنفيذ في 8 أبريل، كانت القوات الأمريكية قد ضربت أكثر من 13,000 هدف في جميع أنحاء إيران، وفقًا للبيت الأبيض. واعترضت الدفاعات الجوية الأمريكية أكثر من 1,700 طائرة بدون طيار وصاروخ باليستي إيراني خلال الفترة نفسها.
الآن، أوقفت الولايات المتحدة ضرباتها على إيران للسماح للمفاوضات بالمضي قدمًا. ويقول تقرير لصحيفة نيويورك تايمز إن ترامب نصح بتأجيل خطط التصعيد خوفًا من استنزاف المخزونات الأمريكية بشكل أكبر.
ورغم محاولة ترامب نفي وجود نقص، بقوله: "لدينا ذخائر أكثر بكثير من أي شخص في العالم، وأكثر بكثير مما نحتاج إليه". أُثيرت قضية التمويل الإضافي لاستبدال الصواريخ التي تم استنفادها.
فيما أعلن البنتاجون حاجته إلى 87 مليار دولار أخرى لمعالجة "النواقص الحرجة"، بما في ذلك المعدات، ولا تزال نفقات الذخيرة الدقيقة والمخزونات المتبقية سرية. لكن البيانات المتاحة للعموم والتي جمعها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) ومقره واشنطن ترسم صورة قاتمة للمخزونات المستنفدة التي يصعب استبدالها على المدى القصير.
انهيار "باتريوت" و"توماهووك"
وتنقسم الذخائر المستخدمة في الحرب إلى فئتين: أنظمة الهجوم البري بعيدة المدى، والدفاعات الجوية والصاروخية المستخدمة لاعتراض الهجمات الإيرانية القادمة.
كان صاروخ الهجوم البري "توماهووك" (TLAM) من بين أنظمة الهجوم البري التي شهدت أكبر استخدام، وعادة ما يتم إطلاقه من السفن أو الغواصات على أهداف يمكن أن تبعد أكثر من 1000 ميل. تتيح هذه الأسلحة شن ضربات دقيقة ضد أهداف عسكرية محصنة، مثل مخابئ القيادة أو المنشآت العسكرية.
وحسب خبراء عسكريين تتراوح مدة صناعة الصاروخ الواحد من سنة إلى خمس سنوات بتكلفة تبلغ حوالي 2.6 مليون دولار، بينما تم إطلاق أكثر من 1,000 صاروخ توماهووك خلال الحرب، وقد لا يعود المخزون إلى مستويات ما قبل الحرب حتى عام 2031.
كان نظام "باتريوت" (Patriot) من أكثر أنظمة الدفاع الجوي استخدامًا في الحرب، وهو صاروخ أرض-جو يُستخدم لاستهداف الطائرات، فضلاً عن الصواريخ البالستية والصواريخ المجنحة. حيث تم استخدام ما يصل إلى 1,430 صاروخًا خلال الصراع من مخزون مقدر ما قبل الحرب يبلغ حوالي 2,330 صاروخًا.
ويكلف كل صاروخ اعتراض من نوع باتريوت حوالي 4 ملايين دولار، وهو خيار مكلف ولكنه فعال استُخدم مرارًا وتكرارًا لإسقاط طائرات بدون طيار إيرانية لا تكلف الواحدة منها سوى ما بين 20,000 إلى 50,000 دولار.
استُخدم أيضًا نظام أحدث وأكثر تطورًا يُعرف باسم الدفاع الإقليمي للارتفاعات العالية، أو "ثاد" والذي يتمتع بمدى أطول وارتفاعات اعتراض أعلى من نظام باتريوت الأقدم.
ويقدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أنه تم إطلاق ما بين 190 و290 صاروخًا من مخزون مقدر قبل الحرب يبلغ 360 صاروخًا. ومع وجود تسع بطاريات ثاد عاملة فقط في العالم، سبع منها أمريكية، قد يؤدي الاستهلاك المستمر إلى ترك القوات الأمريكية بدون نظام حاسم للدفاع عن تهديدات الصواريخ البالستية من دول مثل روسيا أو الصين أو كوريا الشمالية.
نيران المحيط الهادئ
تأتي الحرب مع إيران قبيل الفترة التي تُعرف غالبًا باسم "نافذة ديفيدسون"، والتي تصبح فيها جهود الصين لغزو تايوان أكثر ترجيحًا في نظر بعض المخططين العسكريين الأمريكيين.
ينبع هذا المفهُوم المثير للجدل من جلسة استماع عقدها الكونجرس عام 2021 حذر فيها الأدميرال فيليب ديفيدسون، الذي كان مسؤولاً آنذاك عن القوات الأمريكية في المنطقة، من أن الغزو سيحدث "في السنوات الست القادمة". وفي عام 2023، توقع مدير وكالة المخابرات المركزية آنذاك ويليام بيرنز أن تكون الصين مستعدة للغزو بحلول عام 2027.
لطالما تعهدت الصين "بإعادة توحيد" تايوان التي تتمتع بحكم ذاتي، والتي تعتبرها مقاطعة منشقة، ولم تستبعد استخدام القوة. لهذا استثمرت بكين بكثافة في تكنولوجيا الصواريخ في السنوات الأخيرة، بما في ذلك الصواريخ الانزلاقية فرط صوتية. كما اهتمت بتطوير تكتيكات ضخمة "للطائرات بدون طيار".
ويظل تساؤل ما إذا كانت الولايات المتحدة ستدافع عن تايوان وتدخل في حرب مع الصين هو موضوع محل جدل ولكنه يتطلب توفير أسلحة دفاعية للجزيرة، ما يزيد من خطر ترك القوات الأمريكية غير مستعدة لمواجهة ترسانة ضخمة من الصواريخ والطائرات الصينية في صراع محتمل في المحيط الهادئ.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم معلقاً: هل تنجح الدبلوماسية المؤقتة في احتواء الصراع قبل أن تبتلع رمال الشرق الأوسط ما تبقى من ترسانة واشنطن وقوتها الردعية؟ أم أن فاتورة الاستنزاف باهظة التكلفة ستضع البيت الأبيض أمام خيار قاسي يكشف عجز القدرات العسكرية عن مجاراة طموحات السياسة؟








