من شيكاغو إلى القاهرة..
فول الصويا الأمريكي يراهن على التكنولوجيا والاستدامة لتأمين غذاء العالم
من قلب مدينة شيكاغو الأمريكية، حمل مؤتمر مجلس تصدير فول الصويا الأمريكي (USSEC) رسائل تتجاوز حدود التجارة التقليدية، ليطرح رؤية متكاملة لمستقبل الأمن الغذائي العالمي في ظل تحديات متسارعة تفرضها التغيرات المناخية، واضطرابات سلاسل الإمداد، والزيادة المستمرة في الطلب على البروتين والزيوت النباتية.
وخلال مؤتمر "Soy Connext"، الذي شارك فيه أكثر من 824 ممثلًا من 66 دولة، قدم مسؤولو المجلس تصورًا واضحًا لاستراتيجية الولايات المتحدة في الحفاظ على مكانتها كأحد أكبر موردي فول الصويا في العالم، مؤكدين أن المنافسة المستقبلية لن تعتمد على السعر وحده، وإنما على الجودة والاستدامة والقدرة على توفير إمدادات مستقرة للأسواق العالمية.
طلب عالمي يتسارع
تشير التقديرات التي استعرضها المؤتمر إلى أن واردات فول الصويا العالمية ستقفز من نحو 247 مليون طن متري حاليًا إلى ما يقرب من 319 مليون طن بحلول عام 2034، مدفوعة بارتفاع مستويات الدخل في العديد من الدول، وتغير الأنماط الغذائية، وزيادة استهلاك اللحوم والدواجن والزيوت النباتية.
ويعني ذلك أن العالم سيكون مطالبًا بإنتاج كميات أكبر من الغذاء والأعلاف دون التوسع الكبير في الرقعة الزراعية، وهو ما يفرض تحديات غير مسبوقة أمام المنتجين، ويجعل الابتكار الزراعي عنصرًا أساسيًا لضمان استمرار الإنتاج بكفاءة عالية، لم يقدم مسؤولو مجلس تصدير فول الصويا الأمريكي السعر باعتباره نقطة القوة الرئيسية، بل تحدثوا عن ثلاثة عناصر تشكل جوهر الميزة التنافسية للصويا الأمريكي.
العنصر الأول هو الجودة الغذائية، إذ يتميز فول الصويا الأمريكي بارتفاع محتوى البروتين والطاقة، وهو ما ينعكس على كفاءة صناعة الأعلاف وإنتاج الدواجن والاستزراع السمكي، أما العنصر الثاني فهو الاستدامة، حيث يعتمد المنتج الأمريكي على بروتوكول ضمان الاستدامة (SSAP)، الذي يوفر توثيقًا مستقلًا لممارسات الإنتاج الزراعي، بينما يتمثل العنصر الثالث في الموثوقية، مستندًا إلى شبكة متطورة من الطرق والسكك الحديدية والموانئ والأنهار، تضمن وصول المحاصيل إلى الأسواق في المواعيد المحددة.
التكنولوجيا.. كلمة السر
خلال المؤتمر الصحفي أشار كل من جيم سوتر الرئيس التنفيذي لـ USSEC ومايك مكريني رئيس مجلس الإدارة ومزارع صويا أن التكنولوجيا أصبحت المحرك الرئيسي لزيادة الإنتاجية الزراعية في الولايات المتحدة، وأوضح المتحدثون أن الزراعة الدقيقة، واستخدام أنظمة تحديد المواقع (GPS)، والقيادة الآلية للمعدات الزراعية، وتحليل البيانات، ساهمت جميعها في رفع كفاءة الإنتاج بصورة كبيرة.
وضرب مايك مكريني، رئيس مجلس إدارة مجلس تصدير فول الصويا الأمريكي وأحد المزارعين، مثالًا بتجربته الشخصية، مشيرًا إلى أن إنتاجية مزرعته ارتفعت من نحو 25 بوشلًا للفدان في ثمانينيات القرن الماضي إلى نحو 52 بوشلًا حاليًا، بفضل التطور في التقنيات الزراعية والابتكار الوراثي، وليس بسبب زيادة المساحات المزروعة.
واعتبر المتحدثون في المؤتمر أن التطور في علم الوراثة يمثل أحد أهم مفاتيح مستقبل الزراعة خلال السنوات المقبلة، فالهدف لم يعد مجرد إنتاج أصناف ذات إنتاجية أعلى، بل تطوير سلالات أكثر قدرة على مقاومة الآفات والأعشاب الضارة، وتحمل الضغوط البيئية الناتجة عن التغيرات المناخية، مع الحفاظ على القيمة الغذائية للمحصول.
ويرى مسؤولو المجلس أن هذه التطورات ستسمح بإنتاج كميات أكبر من الغذاء باستخدام الموارد نفسها تقريبًا، وهو ما يحقق معادلة صعبة تجمع بين زيادة الإنتاج وحماية البيئة.
الاستدامة ليست شعارًا
لم تعد الاستدامة، بحسب ما عرضه المؤتمر، مجرد مفهوم تسويقي، وإنما أصبحت شرطًا أساسيًا في التجارة العالمية، وأوضح المتحدثون أن بروتوكول الاستدامة الأمريكي يعتمد على مراجعات مستقلة من جهات خارجية، لضمان التزام المزارعين بالممارسات البيئية السليمة.
كما أشاروا إلى أن طبيعة المحصول الأمريكي تساعد في تقليل استهلاك الطاقة، إذ تجف الحبوب طبيعيًا في الحقول حتى تصل إلى مستويات الرطوبة المناسبة، ما يقلل الحاجة إلى عمليات التجفيف الصناعي واستهلاك الوقود، وبالتالي يخفض الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالإنتاج.
شهدت صناعة فول الصويا الأمريكية خلال السنوات الأخيرة تحولات كبيرة، أبرزها التوسع في عمليات سحق البذور لاستخراج الزيت المستخدم في الوقود الحيوي والديزل المتجدد؛ هذا التوسع أدى إلى زيادة إنتاج دقيق الصويا، وهو ما تتوقع الولايات المتحدة أن ينعكس على نمو صادرات الدقيق إلى الأسواق العالمية خلال السنوات المقبلة، بينما سيظل الجزء الأكبر من الزيت موجهًا للاستهلاك المحلي في مجالات الطاقة والصناعة والغذاء.
ورغم استمرار الصين كأكبر مستورد لفول الصويا الأمريكي، أكد مسؤولو المجلس أن استراتيجية المرحلة المقبلة تعتمد على تنويع الأسواق، وعدم الاعتماد على سوق واحدة، وتحدث المؤتمر عن النمو المتوقع في أسواق جنوب شرق آسيا، خاصة الفلبين وفيتنام وإندونيسيا، إلى جانب الاهتمام المتزايد بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، باعتبارها من المناطق الأسرع نموًا في الطلب على الأعلاف والبروتين الحيواني.
كما أبدى المتحدثون تفاؤلًا باستمرار التعاون التجاري مع الصين، مع توقعات بشرائها نحو 25 مليون طن من فول الصويا الأمريكي، إذا استمرت الأجواء الإيجابية في العلاقات التجارية بين البلدين.
مصر.. سوق واعدة
احتلت مصر مساحة مهمة في مناقشات المؤتمر، حيث وصفها مسؤولو المجلس بأنها من الأسواق الأسرع نموًا في منطقة الشرق الأوسط، ويرتبط هذا الاهتمام بالنمو المستمر في قطاعي الدواجن والاستزراع السمكي، اللذين يمثلان أكبر مستهلكي أعلاف فول الصويا، ولم يقتصر التعاون على التبادل التجاري فقط، بل امتد إلى بناء القدرات البشرية من خلال مراكز تميز الصويا، التي نفذت برامج تدريبية بالتعاون مع جامعة القاهرة ومنظمات وشركاء محليين، واستفاد منها ما يقرب من 20 ألف طالب ومتخصص خلال السنوات الماضية، وتهدف هذه البرامج إلى إعداد كوادر قادرة على استخدام التقنيات الحديثة في مجالات إنتاج الدواجن، والاستزراع المائي، وصناعة الأعلاف، بما يعزز الأمن الغذائي في مصر والمنطقة.
ت
حديات لا تتوقف
ورغم المؤشرات الإيجابية، لم يغفل المؤتمر الحديث عن التحديات التي تواجه القطاع، وأشار المسؤولون إلى ارتفاع تكاليف الأسمدة والكيماويات والمعدات الزراعية، باعتبارها من أكبر الضغوط التي تواجه المزارعين الأمريكيين.
كما نوقشت التأثيرات المحتملة لظاهرة "النينيو" على مستويات المياه في قناة بنما، وما قد يترتب عليها من اضطرابات في حركة التجارة العالمية، الأمر الذي يدفع الولايات المتحدة إلى تعزيز استخدام موانئ شمال غرب المحيط الهادئ كبديل استراتيجي لنقل صادراتها إلى الأسواق الآسيوية.
ومن بين الرسائل المهمة التي خرج بها المؤتمر أن الاستثمار في التكنولوجيا وحده لا يكفي، بل يجب أن يترافق مع الاستثمار في العنصر البشري، ولهذا يواصل مجلس تصدير فول الصويا الأمريكي التوسع في برامج "مراكز تميز الصويا"، التي تستهدف تدريب الشباب في بداية حياتهم المهنية، وتعريفهم بأحدث تطبيقات التكنولوجيا الزراعية، سواء من خلال التدريب المباشر أو أنظمة التعليم الافتراضي، ويستهدف البرنامج الوصول إلى تدريب 25 ألف متدرب بنهاية العام، في إطار رؤية تعتبر أن بناء الكفاءات يمثل الضمان الحقيقي لاستدامة الإنتاج الغذائي عالميًا.
في نهاية المؤتمر الصحفي تم طرح رؤية تقوم على أن مستقبل الأمن الغذائي العالمي سيتحدد بقدرة الدول على إنتاج غذاء أكثر باستخدام موارد أقل، مع الالتزام بالاستدامة والاعتماد على التكنولوجيا والابتكار، وبينما يواصل الطلب العالمي على البروتين والزيوت النباتية نموه بوتيرة متسارعة، تراهن الولايات المتحدة على أن الجودة، والموثوقية، والاستثمار في البحث العلمي، وبناء الشراكات مع الأسواق الناشئة مثل مصر، ستكون العوامل الحاسمة في رسم خريطة تجارة فول الصويا خلال العقد المقبل، في عالم تتزايد فيه الحاجة إلى غذاء آمن ومستدام أكثر من أي وقت مضى.



