«ناجى العلى» و«المشى على الأشواق»
الاقتراب من ناجى العلى مثل الاقتراب من قنبلة موقوتة عليك أن تتحسس الطريق قبل أن تصل إلى ناجى العلى، وما حدث للقضية الفلسطينية حيث تناول الجميع الاتهام بالخيانة والعمالمة، حدث أيضًا مع هذا الفيلم، وكالعادة نخسر قضيتنا فى الفن مثلما خسرناها فى الواقع.
المقولة التى دائمًا ما تتردد هى أن العرب اختلفوا فى السياسة واتفقوا على «أم كلثوم» أى أننا نختلف فى توجهاتنا السياسية ولكننا نتفق على أذواقنا الفنية، وفيلم «ناجى العلى» يقدم السياسة فى قالب فنى، ورغم ذلك لم يشفع الفن للسياسة، فلقد انتقلت خلافاتنا من السياسة إلى الفن.
حاول الفيلم أن يُقدم قضية عامة لنتفق عليها جمعيًا وهى الحرية المجهضة فى عالمنا العربى، ولكن هذه القضية من خلال ناجى العلى ولهذا توقف الجميع أمام ناجى العلى وغابت القضية، وهى ليست مسئولية مشاهدى الفيلم ولكن صُنَّاع الفيلم يتحملون أيضًا المسئولية.
هناك قدر كبير من الحذر من الواضح أنه صاحب التفكير ثم التنفيذ وهذا الحذر والخوف من سوء التفسير، فقد أخذ الكثير من حرية وجرأة صُنّاع الفيلم، وإذا كان الفيلم يتناول الحرية فلقد كانت حرية صناعة الفيلم مكبلة أيضًا بقيود سياسية واقتصادية وفنية ورقابية، كانت هناك قيود وليس مصالح والفارق كبير.
تقديم فيلم عن القضية الفلسطينية فى توقيت بدا فيه رجال السياسة فى الجلوس حول دوائر مستطيلة ومستديرة لمباحثات السلام هو قيد، ولكن من الذى يمنع صوت الفنان من أن يعلو حتى ولو اختلف مع رجال السياسة.
اشترك عدد من الفنانين من مصر ولبنان وسوريا فى فيلم واحد يتناول القضية الفلسطينية هو أيضًا قيد لأن لكل فنان وجهة نظر ما، وليست بالضرورة هى وجهة نظر الدولة التى ينتمى إليها الفنان.
تعدد اللهجات داخل الفيلم -بدون ضرورة درامية- هو أيضًا قيد حتى ولو كان قيدًا فنيًا.
أن يتحمل الرؤية السياسية الكاتب -وليد الحسينى- الذى اشترك فى الإنتاج مع نور الشريف، هذا أيضًا قيد لأن الرؤية والمسئولية السياسية للفيلم يتحملها مؤلف الفيلم بشير الديك والمخرج عاطف الطيب ولا يُوجد فى الفن إشراف سياسى على الإبداع.
ورغم كل هذه القيود فإن مفتاح الفيلم الذى اتفق عليه الجميع هو لطفل يمسك بحجر، فالمقاومة لم تتوقف، وناجى العلى هو أول من تنبأ بأطفال الحجارة.
والحديث عن «ناجى العلى» كفيلم سينمائى يبدأ بهذه الرؤية للسيناريو الذى كتبه بشير الديك، فهو لا يُقدم حياة ناجى العلى بأسلوب سردى لكنه يختار لحظات من حياته لتلقى بظلالها على سنوات من عمر أمتنا العربية منذ عام 1948 وحتى رحيله عام 87.
والقفز بين اللحظة الحالية والعودة إلى تاريخ محدد هى الأصعب فى بناء السيناريو، ولكن -تكنيك- السيناريو لم يخضع فى الكثير من الأحيان إلى منطق درامى أو نفسى فى هذه الانتقالات، كذلك كان -الديك- يقترب بحذر شديد من ناجى العلى الإنسان برغم أن تقديم بعض تفصيلات عن هذا الإنسان لن تتعارض مطلقًا مع القضية التى يتناولها الفيلم بل إنها سوف تدعمها إننا لم نلتمس لحظات ضعف ما فى «ناجى العلى»، والضعف الإنسانى هو الذى يمنح الشخصية قوتها الدرامية، ولا أدرى لماذا غابت هذه اللمسات عن السيناريو.
الحوار فى أغلب أحداث الفيلم غلب عليه الطابع -التقريرى- أى أنه يقدم المعلومة بأسلوب مباشر ولا يتجاوزها، وكان ينبغى أن يلعب الحوار دورًا فى تقديم قدر أكبر من الإمتاع الفنى، لأن الكاريكاتير يعتمد على السخرية، ولم نلمح هذه السخرية فى فيلم -يستمد بناءه من حياة رسام كاريكاتير- إلا فى مشاهد قليلة، وكان ذلك متجسدًا فى بناء شخصية محمود الجندى فى الكلمة التى يرددها متسائلاً: متى تأتى الجيوش العربية، هل تحارب فى مكان آخر، كم كانت هذه الجملة ساخرة ومريرة.
فضح السيناريو أيضًا زيف هؤلاء الذين يتاجرون بالقضية وبهذا قدم شخصية شاعر وصحفى ومناضل سابق يبيع كل شىء.
المخرج عاطف الطيب يقدم مستوى تكنيكيًا عاليًا يلتقط تفصيلات دقيقة بدلالة موحية مثل العروس التى تدوسها الأقدم فى بداية النزوح الفلسطينى عام 48 كذلك الأمطار التى تتساقط على العود والراديو القديم، الطفلة الصغيرة وهى تودع الفلسطينيين أثناء خروجهم من بيروت بعد الحصار، صمت أجهزة التسجيل فى الاستوديو والرباط الذى يعانق الميكروفون بعد وقف إطلاق النار، التنفيذ الجيد للمعارك، كذلك استغلال الأغانى الوطنية لإعطاء دلالات زمنية على تتابع الأحداث، ولا أدرى لماذا يكتب على الشاشة تعليق يحدد الفترة الزمنية، إن استخدام الأغنية فقط كحل سينمائى أصدق فى إعطاء بصمات على الزمن.
وفى الفيلم عناصر فنية قدمت مستوى عاليًا من الحرفية، أحمد متولى فنان المونتاج، محسن أحمد مدير التصوير، غازى قهوجى مصمم الديكور، ومن الممثلين أحمد زين وليلى جبر ونقلا شمعون، ويقدم محمود الجندى أقصر دور فى حياته حيث لم يتجاوز مشهدين فقط لكنهما الأطول عمرًا، نور الشريف لا تأخذه الملامح الخارجية لناجى العلى عن صدق الإحساس بالانفعالات الداخلية ويقدم لنا بعض الشخصية أكثر مما يقدم صوتها.
الخلالف حول «ناجى العلى» لصالح الفيلم على شرط أن يظل خلافًا فى الرأى يبتعد فيه الجميع عن زرع حقوق الألغام!!
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



