الأربعاء 12 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

فى الذكرى الـ11 لرحيله

حين تمسَّك «نور الشريف» بقناعته.. وانحازت «روزاليوسف» للإبداع

بوابة روز اليوسف

«نور الشريف.. لا تأخذه الملامح الخارجية عن صدق الإحساس بالانفعالات الداخلية، ويقدم لنا بعض الشخصية أكثر مما يقدم صوتها».. ربما تختصر هذه الكلمات رؤية مجلة «روزاليوسف» لفنان لم يكن يبحث فى أدواره عن الشكل الخارجى فحسب؛ وإنما عن الجوهر الإنسانى للشخصية، وعن التفاصيل الخفية التى تجعلها حقيقية أمام الجمهور.


فالممثل الراحل، كان من هؤلاء الفنانين الذين لم يتعاملوا مع التمثيل باعتباره ارتداء للشخصيات؛ بل كرحلة بحث داخل الإنسان؛ إذ امتلك موهبة نادرة جعلته قادرًا على الانتقال بين عوالم مختلفة، وتجسيد نماذج متباينة من المجتمع المصرى والعربى، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بالأعمال التى تحمل عمقًا وقيمة، وهو ما جعل أعماله خالدة فى وجدان أجيال كاملة؛ لما امتلكه من رؤية جعلت اختياراته الفنية تتجاوز حدود الترفيه إلى مساحة الوعى والانحياز لقضايا الإنسان. 
 


فعلى مدار عقود طويلة، حفر اسمه فى ذاكرة السينما والدراما المصرية عبر مَسيرة حافلة بالإبداع، حصد على أثرها عشرات الجوائز، حتى استحق عن جدارة لقب (صائد الجوائز).
 


وفى الـ11 من أغسطس من كل عام، تعود ذكرى رحيل الفنان الكبير، الذى غاب عن عالمنا عام 2015؛ لتعيد إلى الأذهان ليس فقط أعماله الفنية؛ بل- أيضًا- مواقفه التى دفع ثمَنها عن قناعة، مؤمنًا بأن الفنان الحقيقى لا ينفصل عن رسالته، وأن الفن يظل إحدى أهم أدوات الدفاع عن الحقيقة والإنسان.
 


ومن بين تلك المواقف، تستعيد مجلة «روزاليوسف» واحدة من الصفحات المضيئة فى تاريخها، حين اختارت أن تنحاز إلى قيمة الفن وإلى حق الفنان فى التعبير، من خلال موقفها من فيلم كان «نور الشريف» بطله، ومنتجه، وأحد أبرز المؤمنين به.
 


 (ناجى العلى).. الفيلم الذى أشعل العاصفة
 


لعل فيلم (ناجى العلى) كان المحطة الأكثر جرأة وصعوبة فى مشوار «نور الشريف».. فالعمل، الذى أخرجه «عاطف الطيب»، وكتب السيناريو الخاص به «بشير الديك»، لم يكن مجرد فيلم سيرة ذاتية؛ بل وثيقة فنية انحازت بوضوح إلى القضية الفلسطينية، من خلال تقديم حياة الرسام الفلسطينى، صاحب الريشة الجريئة التى تحولت إلى رمز للمقاومة، والذى اغتيل فى «لندن» عام 1987 بعد رحلة طويلة من النضال. 
 


تلك الرحلة التى بدأت منذ تهجيره مع أسرته من «فلسطين» عقب نكبة 1948، مرورًا بمعيشته فى مخيم «عين الحلوة» بجنوب «لبنان»، وصولًا إلى أن أصبح أحد أبرز الأصوات المُدافعة عن شعبه برسوماته اللاذعة، وشخصية (حنظلة) التى أصبحت أيقونة فلسطينية خالدة حتى الآن.
 


وعليه؛ لم يكن اختيار «نور الشريف» لتجسيد هذه الشخصية صدفة؛ بل جاء امتدادًا لإيمانه بأن الفن يحمل رسالة، وأن الشاشة يمكن أن تكون مساحة للدفاع عن القضايا العادلة بقدر ما هى مساحة للإبداع. 
 


لذلك؛ لم يكتفِ ببطولة الفيلم؛ بل تحمّس له إلى حد المساهمة فى إنتاجه؛ إدراكًا منه لأهمية خروج هذا المشروع إلى النور، وهو ما وضعه فى قلب معركة فكرية وإعلامية لم يكن طرفًا فيها بصفته ممثلًا فحسب؛ وإنما باعتباره صاحب موقف.
 


 «روزاليوسف» تنتصر للفن
 


لكن تلك الشجاعة كان لها ثمَن؛ فما إن خرج فيلم (ناجى العلى) إلى النور حتى بدأت موجة واسعة من الجدل والهجوم، تجاوزت حدود النقد الفنى إلى معارك سياسية وإعلامية. حينها؛ وجد «نور الشريف» نفسه فى مواجهة حملات قاسية، وصلت إلى حد الصدام مع أسماء كبيرة فى عالم الصحافة، بسبب دفاعه المستميت عن العمل، وإصراره على حق الفن فى تناول القضايا الكبرى، دون خوف أو حسابات ضيقة. 
 


وبالفعل؛ لم يتراجع الفنان الكبير عن موقفه، وظل يؤكد أن الفيلم لم يكن مجرد دور يؤديه؛ بل رسالة يسعى من خلالها إلى إيصال صوت الفنان الفلسطينى إلى العالم، وشهادة فنية على معاناة شعب بأكمله.
 


ووسط هذه الأجواء المشحونة؛ حيث اختار كثيرون الاصطفاف ضد الفيلم وصُنّاعه، كان هناك صوت مختلف آمن بأن الفن لا يحاكم بمنطق الضجيج؛ وإنما بقيمته ورسائله.. هذا الصوت كان «روزاليوسف»، التى لم تنظر إلى الأمر باعتباره مجرد أزمة فنية عابرة؛ وإنما رأت فيه اختبارًا حقيقيًا لمكانة الإبداع، ولقدرة الصحافة على الدفاع عن أصحاب الرسائل الجادة.
 


وعلى الفور؛ انحازت «روزاليوسف» إلى فيلم «نور الشريف»؛ دفاعًا عن فكرة أن الفنان صاحب الرسالة يستحق الدعم عندما يدفع ثمَن موقفه، وأن الأعمال التى تطرح الأسئلة الكبرى لا ينبغى أن تُواجه بالإقصاء؛ بل بالنقاش. 
 


ومن هذا الإيمان الراسخ بقيمة الفن ودور الفنان فى تشكيل الوعى، وقفت المؤسّسة العريقة إلى جوار الفنان الراحل فى واحدة من أصعب المحطات التى مر بها؛ لتؤكد- من خلال دعمها للفيلم- أن حرية الإبداع هى الضامن الحقيقى لبقاء الفن حيًا وقادرًا على التأثير.
 


ومن هنا؛ يأتى هذا الملف بالتزامُن مع ذكرى رحيل «نور الشريف»؛ ليعيد قراءة واحدة من المحطات المهمة فى مَسيرته، ويرصد كيف سجلت «روزاليوسف» موقفها تجاه تجربة آمَن بها فنان رأى فى الفن قضية ورسالة، مؤكدة أن الدفاع عن الإبداع ليس شعارًا يُرفع؛ بل موقف يُمارَس حين يصبح الاختبار حقيقيًا.
 


إنها حكاية فنان ظل حاضرًا بأعماله ومواقفه، ومؤسّسة صحفية عريقة أدركت أن دورها لا يقتصر على رصد المعارك؛ بل يمتد إلى الانحياز لما يستحق أن يبقى. 

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط