اللصوص يطاردون تاريخ أوروبا
موجة سرقات تضرب أشهر المتاحف
مشهد يزداد إثارة للقلق يخيم على المتاحف الأوروبية، بعدما تحولت خزائن العرض التى تحفظ كنوزًا عمرها مئات السنين إلى أهداف لعصابات محترفة تنفذ عمليات سطو خاطفة فى دقائق معدودة؛ إذ صارت سرقة المتاحف فى أوروبا خلال الأشهر الأخيرة مشهدًا يتكرر بوتيرة مقلقة، يثير تساؤلات عميقة حول قدرة المؤسّسات الثقافية على حماية تراثها.
فمنذ عملية السطو التى استهدفت متحف (اللوفر) فى «باريس» أواخر عام 2025، بدأت سلسلة من الاعتداءات على المتاحف تتوالى بصورة لافتة، مستهدفة مجوهرات ملكية، ولوحات عالمية، وعملات تاريخية، وأوانى فضية يعود عمرها إلى قرون.
سرقة متحف (لاليك)
فى أحدث حلقات الأزمة، تعرَّض متحف (لاليك) الفرنسى الأسبوع الماضى لعملية سطو واسعة، انتهت بسرقة 20 قطعة من المجوهرات تقدّر قيمتها- حسب جريدة «لوفيجارو» الفرنسية- بما يصل إلى 4 ملايين يورو.
ووقعت السرقة فى الصباح الباكر، بعد أن انطلق جهاز الإنذار أثناء العملية، إلاّ أن أول من اكتشف الجريمة كانت عاملة نظافة أبلغت الشرطة الفرنسية فور وصولها.
وعند دخول قوات الأمن الفرنسية، تبين تحطيم 6 خزائن عرض بالكامل؛ بينما كان اللصوص فروا- بالفعل- من الموقع.
وجاءت سرقة متحف (لاليك) رغم أنه يحظى بحماية خاصة منذ سرقة (اللوفر)؛ نظرًا لاحتوائه على مجموعة نادرة من أعمال رائد فن «الآرت نوفو رينيه لاليك»، ويضم نحو 60 قطعة مجوهرات، إضافة إلى مئات الأعمال الزجاجية، ويقع بالقرب من المصنع التاريخى الذى أسَّسه الفنان عام 1921.
من جانبها، أعلنت إدارة المتحف إغلاقه مؤقتًا لحين إعادة تقييم الإجراءات الأمنية، وتأمين الموقع بالكامل.
(اللوفر) شرارة الأزمة الأمنية
كانت نقطة التحول فيما يخص جائحة سرقة المتاحف فى «أوروبا» ما حدث فى أكتوبر 2025، عندما اقتحم 4 لصوص متحف (اللوفر) فى وضح النهار، وتمكنوا خلال أقل من 8 دقائق من سرقة 8 قطع من جواهر التاج الفرنسى، فى واحدة من أكثر عمليات سرقة الأعمال الفنية والقطع التاريخية إثارة فى القارة الأوروبية.
وقدّرت قيمة المسروقات بنحو 88 مليون يورو، أى ما يقدر بـ 102 مليون دولار؛ فيما وصفت السلطات الفرنسية المجموعة بأنها لا تُقدر بثمن؛ نظرًا لقيمتها التاريخية المرتبطة بتاريخ الملوك والأباطرة الفرنسيين.
وضمت المسروقات تاج الإمبراطورة «أوجينى» المرصع بنحو 2000 ماسة، وقلادة الياقوت الخاصة بالملكة «مارى أميلى»، المزينة بنحو 631 ماسة و8 أحجار ياقوت، إضافة إلى عقد الزمرد الخاص بالإمبراطورة «مارى لويز» زوجة «نابليون الأول»، ويضم 32 حجر زمرد و1138 ماسة، فضلاً عن دبابيس وتيجان صغيرة مرصعة بالألماس.
ورغم نجاح اللصوص فى الفرار؛ عثرت السلطات لاحقًا على تاج الإمبراطورة «أوجينى» مُلقى خارج المتحف بعد تعرضه لأضرار، إثر سقوطه أثناء هروب المنفذين.
وحتى بعدما أعاد متحف اللوفر فتح قاعة «جاليرى أبولو» أمام الزوار فى أواخر يوليو الماضى، بعد 9 أشهر من عملية السرقة، كان من دون عرض أية مجوهرات، لأنها لاتزال مفقودة، رغم إلقاء السلطات الفرنسية القبض على 11 مشتبهًا بهم، وتوجيه الاتهام إلى 5 منهم، دون التوصل إلى مكان المجوهرات.
خيوط التحقيق تقود إلى «بلجيكا»
ومع استمرار تحقيقات (اللوفر)، اتجهت الأنظار إلى «بلجيكا»، التى تعد أحد أهم مراكز تجارة الماس فى العالم؛ حيث كشفت التحقيقات- بحسب تقارير أوروبية- أن الشرطة الفرنسية عثرت داخل هواتف عدد من المشتبه بهم القادمين من «أوروبا الشرقية» على صور لمتحف (اللوفر) وقاعة «أبولون» التى كانت تعرض فيها الجواهر، إلى جانب سجلات للمواقع الجغرافية وجهات اتصال تشير إلى «بلجيكا».
ودفع ذلك محققين فرنسيين للتعاون مع السلطات البلجيكية، فى محاولة للوصول إلى المجوهرات قبل تفكيكها، أو إعادة صهرها، وبيع أحجارها الكريمة بصورة منفصلة، وهو السيناريو الذى تخشاه السلطات الفرنسية بشدة.
«فرنسا» تئن تحت وطأة السرقات
ولم تكد «فرنسا» تستوعب صدمة (اللوفر)، حتى تعرّض متحف (بيت التنوير) بمدينة «لانجر»، المخصّص للفيلسوف الفرنسى «دينيس ديدرو»، لعملية اقتحام ليلية فى 27 أكتوبر 2025.
وتمكن اللصوص من سرقة نحو 2000 قطعة نقدية ذهبية وفضية، فى عملية وصفتها السلطات بأنها شديدة الاحتراف؛ مؤكدة أن المنفذين اختاروا غنائمهم بخبرة ودقة كبيرتين.
ويُعد هذا المتحف الوحيد فى «فرنسا» المخصص لحياة وأعمال «ديدرو»؛ حيث يقع داخل قصر تاريخى يعود إلى القرنين 16 و18، ويضم مقتنيات توثق عصر التنوير الفرنسى.
وعليه؛ أثارت الواقعة مخاوف إضافية بعدما أعلنت السلطات الفرنسية أنها تحقق- أيضًا- فى 3 عمليات سطو أخرى استهدفت متاحف فرنسية خلال الأشهر السابقة، بينها متحف (جاك شيراك) فى «ساران»، ومتحف (أدريان دوبوشيه الوطنى) فى «ليموج»، ومتحف (التاريخ الطبيعى) فى «باريس»، وجميعها استهدفت مقتنيات صغيرة مرتفعة القيمة.
الأزمة تمتد إلى «إيطاليا»
لم تعد عمليات السطو محصورة داخل الأراضى الفرنسية؛ إذ شهدت «إيطاليا» فى مارس الماضى واحدة من أبرز سرقات اللوحات الفنية خلال السنوات الأخيرة؛ حيث اقتحم لصوص مؤسّسة (ماجنانى- روكا) قرب مدينة «بارما»، وتمكنوا خلال أقل من 3 دقائق من سرقة 3 لوحات لكبار رواد الفن العالمى.
وشملت المسروقات لوحة «السمك» لبيير أوجست رينوار، ولوحة «طبيعة صامتة مع الكرز» لبول سيزان، ولوحة «جارية على الشرفة» لهنرى ماتيس. وقدرت القيمة الإجمالية للوحات الثلاث بنحو 9 ملايين يورو.
من جانبها، أوضحت الشرطة الإيطالية أن اللصوص كسروا الباب الرئيسى، واتجهوا مباشرة إلى القاعة المستهدفة قبل الفرار عبر حدائق المتحف؛ فيما رجحت التحقيقات أن العملية كانت مخططة بدقة، وأن المنفذين كانوا يعرفون أهدافهم مسبقًا.
اللصوص يطاردون التراث الهولندى
وفى يناير 2026، تعرّض متحف (دوسبورج للفضة) فى شرق «هولندا» لعملية اقتحام فَجرًا، بعدما كسر رجلان الباب، وحطما خزائن العرض، قبل أن يسرقا أكثر من 300 قطعة فضية تاريخية.
ورغم أن القيمة السوقية للمسروقات لا تتجاوز عشرات آلاف اليوروهات؛ فإن إدارة المتحف أكدت أن خسارتها الثقافية لا تقدر بثمَن؛ لأن القطع تعود إلى الفترة بين عامىّ 1700 و1920، وتمثل جانبًا مُهمًا من تاريخ الحياة الأوروبية.
وضمت المسروقات مجموعة نادرة من أوانى الخردل الفضية التى جمعها مؤسِّس المتحف، إضافة إلى قطع تحمل شعار مدينة «دوسبورج»، وتعد من القطع الفريدة المرتبطة بتاريخ المدينة.
«بريطانيا» تدق ناقوس الخطر
رغم أن «بريطانيا» لم تشهد خلال الفترة نفسها عملية سرقة بحجم (اللوفر)؛ فإن تداعيات الأزمة دفعت البرلمان البريطانى إلى إطلاق تحذير رسمى فى يونيو الماضى.
وأكد تقرير للجنة الحسابات العامة أن المتاحف البريطانية مُعرضة لعمليات سرقة وهجمات إلكترونية قد تهدد مجموعات تاريخية لا تقدر بثمَن.. مضيفة إن سرقة آلاف القطع من المتحف البريطانى فى السنوات الماضية، إضافة إلى الهجوم الإلكترونى على المكتبة البريطانية؛ كشفت عن ثغرات أمنية خطيرة.
أسباب زيادة سرقة المتاحف
قالت خبيرة أمن التراث فى جمعية المتاحف البريطانية لمنظمة «Museums Association» إن ارتفاع أسعار المعادن الثمينة؛ وبخاصة الذهب، والفضة، والأحجار الكريمة، جعل المجوهرات التاريخية أكثر جاذبية للعصابات، حتى إن كانت قيمتها التاريخية أعلى بكثير من قيمتها كمعدن خام.
كما أشارت المنظمة لتقادم أنظمة الحماية من أنظمة المراقبة والكاميرات التى لم تعد تواكب تطور أساليب اللصوص، مع وجود نوافذ ونقاط دخول معروفة بالضعف، وتأخر تحديث البنية الأمنية لسنوات؛ خصوصًا أن العصابات لم تعد تعتمد على سرقة معقدة تستغرق ساعات؛ وإنما على هجمات خاطفة لا تتجاوز دقائق.
من جانبها، نوّهت صحيفة «الجارديان» لسهولة تدمير الأدلة بقطع المجوهرات أو صهرها.. موضحة أن كثيرًا من القطع الملكية يصعب بيعها كاملة؛ لأنها معروفة عالميًا، ومدرجة لدى الإنتربول.
من جانبها، أشارت وكالة «أسوشيتد برس» إلى الازدحام الكبير داخل المتاحف الذى يكون عاملاً مساعدًا للسرقة؛ مستدلة بتصريحات مسئولو (اللوفر) الذين أكدوا أن الأعداد الضخمة للزوار تجعل مراقبة كل التحركات أكثر تعقيدًا، وهو ما تستغله العصابات فى التخطيط لعملياتها.
وفى النهاية، وبينما تواصل أجهزة الأمن الأوروبية مطاردة عصابات سرقة المتاحف؛ يبدو أن أزمة (اللوفر) الشهيرة لم تكن حادثًا استثنائيًا؛ بل نقطة بداية لموجة جديدة تستهدف التراث الأوروبى، وسط سباق بين اللصوص لتفكيك الكنوز التاريخية؛ لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



