الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

اِبحث عن الحقيقة وأعدُكَ أنك غالبًا لن تجدها!
 


وإنْ وجدتها فلا تتوقع أنّ الناس سيصدقونها، فمعظمهم فقدوا القدرة على تمييزها فى زمن تستطيع فيه الأكاذيب والشائعات والآراء الشخصية والتزييف العميق والحملات الموجَّهة؛ أن تمحو أى حقيقة وتسحقها أو فى أبسط الأحوال تجعلها فى موضع الشك دائمًا.
 


راجِع ما يحدث حولك يوميًا وعلى مدار الساعة وستتأكد من ذلك فورًا.. أنت فى الواقع تَعلمه، ولكن ربما لم تتوقف أمامه أو لا تريد مواجهته أو أصبحتَ جزءًا منه ولا تستطيع الخروج.. شىءٌ أشبه بنهر الجنون شرب الجميع منه فأصبحت القِلة المتبقية من العقلاء هى الموصومة بالجنون المحكوم عليها بالعزلة والفناء!
 


السؤال إذن: هل نعيش الآن عصرَ موت الحقيقة؟
 


هذا ليس سؤالاً فلسفيًا؛ بل من قلب الواقع، والأهم أنه ليس جديدًا ولا مفاجئًا، والأخطر أنه انتقل من كواليس صناعة السياسة إلى سلوك الأفراد، فمنذ بداية التسعينيات على الأقل أعلن كُتّاب وباحثون أننا نعيش عصرَ «ما بَعد الحقيقة»؛ حيث تراجعَت قيمة الحقائق الموضوعية أمام تأثير الانفعالات الشخصية واعتمد الخطاب العام على استثارة المشاعر مبتعدًا عن تقديم وقائع مُثبَتة وتفسيرات منطقية.
 


فى مقاله الشهير «حكومة الأكاذيب» صك الكاتب المسرحى الأمريكى «ستيف تيشيتش» هذا المصطلح منتقدًا قبول الشعب للأكاذيب السياسية بأريحية ودون مقاومة، وقال: «نحن كأشخاص أحرار قرّرنا أننا نريد الحياة فى عالم ما بَعد الحقيقة».. بَعده شاع استخدام المصطلح لتوصيف ما يحدث من تدليس فى المعارك والقرارات والاستفتاءات السياسية الكبرى والانتخابات الأمريكية، بما يصنع واقعًا زائفًا يقبله الناس بصرف النظر عن الحقيقة.. وقد وصل شيوعه إلى حد أن «قواميس أكسفورد» اعتمدت عام 2016 مصطلح «ما بَعد الحقيقة» ككلمة العام!
 


رغم ذلك؛ فهناك مَن يرى نظريًا أن الحقيقة لم تمُت بَعد بشكل مطلق، وإن كان التمييز بين الصدق والكذب أصبح معضلة، فى ظل أن الخطاب الذى يستهدف العاطفة أقوى تأثيرًا، وأن طوفان المعلومات المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعى أسرع وصولاً، وأن كلاً منا يعيش الآن بشكل أو بآخر فى بيئة رقمية تعرض له ما يوافق أفكاره وأهواءه وتقوده إلى حيث تريد.. لكن كل ذلك- فى رأى هؤلاء- لا يعنى إعلان موت الحقيقة لأن العِلم بحقائقه الثابتة لا يزال صامدًا والمؤسّسات الصحفية والبحثية الرصينة لا تزال تقاوم وأدوات البحث والتحقق أصبحت متاحة لمَن يريد الحفاظ على وعيه.
 


فى المقابل؛ فإنّ مفكرين وكُتّابًا وفلاسفة أيضًا، يعتبرون أننا دخلنا بالفعل فى مرحلة «موت الحقيقة» الكامل؛ لأن ما حدث من تطورات تقنية مرعبة ومتسارعة يوميًا دمّر مفهومَ الحقيقة من الأساس وفككه.
 


وبحسب ما فهمته هنا يمكننى القول إن «الحقيقة» فيما يجرى حولنا من أحداث وما نتعرّض له من صور وأخبار وفيديوهات ولجان ولجان مضادة؛ أصبحت «وجهة نظر» و«مسار مُوَجَّه» بشكل ما، وأصبح لكلٍ منا «حقيقته الخاصة» التى يتبناها أو يقع فى مصيدتها، وفى الوقت نفسه؛ أصبحنا جميعًا تحت سيطرة ما يشبه الضلالات فى جزء كبير مما نعيشه ونراه ونمارسه.
 


فمَع عصر التزييف العميق وتوحُش الذكاء الاصطناعى مات حتى «الدليل البصرى والسمعى»، فما تراه بعينك أو تسمعه بأذنك لم يَعُد كافيًا لإثبات أنه حقيقة، وفى إمكان أى شخص أو جهة الآن أن تصنع واقعًا بديلاً ينتشر ويؤثر وتترتب عليه مشاعر ومواقف وقرارات وأحكام أيضًا.
 


النتيجة النهائية؛ أننا نتحرك سريعًا نحو «الشك الكامل»؛ حيث تتلاشى الفروق بين الحقيقة والوهم، وحيث نفقد قدرتنا على التمييز.. وبالتالى فنحن حتمًا واصلون إلى مرحلة «عدم تصديق» أى شىء وانعدام الثقة فى قدراتنا العقلية.
 


النتيجة النهائية؛ أننا «تحت السيطرة».. وللأسف لم نَعُد أحرارًا.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط