هكذا.. فعلها «نولان» من جديد:
الأوديسة ملحمة قديمة تشعل جدلاً حديثًا
قبل عرضه، كان فيلم (The Odyssey) أو (الأوديسة) للمخرج «كريستوفر نولان» محاطًا بترقب استثنائي؛ فالمخرج صاحب التجارب السينمائية الضخمة اختار هذه المرة واحدة من أعظم ملاحم الأدب الإنسانى، ما فتح مبكرًا أسئلة حول قدرته على نقل عالم «هوميروس» إلى الشاشة، ومدى التزامه بتفاصيل النص الذى ظل حاضرًا لأكثر من ألفى عام.
لكن، بعد وصول الفيلم إلى دور العرض فى 17 يوليو الماضى، تحول الجدل من توقعات إلى مواجهة حقيقية بين النقاد، والأكاديميين، والجمهور، مع تحقيقه –فى الوقت ذاته- حاجز الـ910 ملايين دولار عالميًا خلال أسبوع عرضه الثالث.
انقسام النقاد
على المستوى السينمائى، جاءت ردود الفعل الأولى مشغولة بقدرة «نولان» على تحويل ملحمة شعرية قديمة إلى تجربة بصرية معاصرة.
وبالفعل، أشاد عدد من النقاد بضخامة الإنتاج، والتصوير، وطريقة تقديم عالم الإغريق والأساطير؛ معتبرين أن «نولان» نجح فى منح قصة يعرفها الملايين إحساسًا جديدًا بالرهبة والمغامرة؛ كما رأى بعضهم أن قوة الفيلم لا تكمن فى إعادة إنتاج «هوميروس» حرفيًا، بل فى تقديم قراءة إنسانية لشخصياته.
فى المقابل، وجه نقاد آخرون انتقادات تتعلق بإيقاع الفيلم، وببعض الاختيارات الدرامية التى رأوا أنها غيرت روح الملحمة. وكان السؤال الأبرز فى المراجعات بعدد من الصحف الأجنبية: هل يقدم «نولان» (الأوديسة) كما كتبها «هوميروس»، أم يستخدمها كنقطة انطلاق لصناعة فيلم يحمل بصمته الخاصة؟
وفى هذا الصدد، انقسمت الآراء بين من اعتبر التغييرات تجديدًا ضروريًا، ومن رأى أنها أبعدت العمل عن جوهره الأدبى.
للأكاديميين رأى آخر
لم يقتصر النقاش على النقاد السينمائيين، بل امتد إلى المتخصصين فى الدراسات الكلاسيكية؛ وعلى رأسهم الباحثة والمترجمة «إميلى ويلسون» التى أثارت جدلاً واسعًا بعد طرحها ملاحظات حول اختلاف الفيلم عن النص الأصلى، خاصة فى طريقة تقديم بعض الشخصيات والأفكار فى مقال تجاوز 4 آلاف كلمة.
ورأت «ويلسون» أن الفيلم لا يكتفى بتحديث الحكاية، بل يعيد تشكيل بعض أفكارها وشخصياتها، ما أدى -من وجهة نظرها- إلى تبسيط بعض التعقيدات التى جعلت (الأوديسة) نصًا خالدًا، خاصة فيما يتعلق بأدوار الشخصيات النسائية، وطريقة فهم دوافع الأبطال. كما أشارت إلى وجود نقاط عمياء مرتبطة بطريقة معالجة قضايا النوع الاجتماعى والعرق.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ فتح الفيلم نقاشًا حول الشخصيات النسائية فى أعمال «نولان»، مثل «بينيلوب» زوجة «أوديسيوس»، التى تعد فى ملحمة «هوميروس» شخصية محورية تتميز بالذكاء، والصبر، والقدرة على إدارة مملكة «إيثاكا» طوال غياب زوجها؛ إذ رأى البعض أن الفيلم لم يمنحها المساحة الدرامية نفسها التى تتمتع بها فى النص الأصلى.
رأى الجمهور!
أما الجمهور، فانقسم –بدوره- بين احتفاء كبير بالتجربة السينمائية، خاصة المشاهد الملحمية وتصوير عالم الأسطورة، وبين اعتراضات من بعض محبى «هوميروس» الذين رأوا أن الفيلم ابتعد عن التفاصيل التى عرفوها فى النص القديم.
ولعل أبرز ما أثار الجدل -هو ما كان محط التساؤلات من قبل عرض الفيلم- وهو اختيار الممثلة «لوبيتا نيونجو» فى دور «هيلين»، إذ انتقدت بعض الأصوات هذا الاختيار لأن «هيلين» إغريقية الشكل؛ بينما دافع آخرون عنه مؤكدين أن «هيلين» شخصية أسطورية لا تاريخية، وأن الأساطير الإغريقية لم تكن يومًا ثابتة أو مرتبطة بتفسير واحد.
وبعيدًا عن رأى النقاد، والأكاديميين، والجمهور، التى تأرجحت بين الإشادة بجرأة التجربة، والانتقاد بالابتعاد عن النص الأصلى، نجح «نولان» مرة أخرى فى أن يصبح (الأوديسة) أكثر من كونه فيلم ناجح، عبر إعادة واحدة من أقدم قصص الإنسانية إلى قلب الحوار الثقافى.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



