الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

خيرى بشارة يجدد رهانه على المسرح الغنائى:

داليدا.. الأغنية التى لا تنتهى مشروع «مصرى- فرنسى» يعيد اكتشاف الأسطورة

بوابة روز اليوسف

خلال العقود الأولى من القرن العشرين، مَثّل المسرح الغنائى أحدَ أهم روافد الحركة المسرحية المصرية، قبل أن يتراجع هذا الأمر تدريجيًا مع ارتفاع تكاليف إنتاجه، وتغيُّر خريطة الإنتاج المسرحى، لكن السنوات الأخيرة شهدت محاولات عديدة لإحياء المسرح الغنائى، ومن بينها عدد من المسرحيات التى تتناول السِّيَر الشخصية لنجوم الغناء والطرب، فى محاولة لاكتشاف الإنسان الكامن خلف الأسطورة.

 

وكان من أبرز هذه التجارب مسرحية (أم كلثوم.. دايبين فى صوت السّت) من تأليف دكتور «مدحت العدل» وإخراج «أحمد فؤاد»، ومسرحية (حبيبتى مَن تكون؟) التى تتناول سِيرة العندليب الأسمر «عبدالحليم حافظ» والتى أخرجها المخرج الكبير «خيرى بشارة» وقدمت ضمن فعاليات موسم الرياض، ومهرجان العَلمين، واليوم يتجه «خيرى بشارة» إلى تقديم قصة المطربة العالمية «داليدا» فى مشروع جديد يحمل عنوان (داليدا.. الأغنية التى لا تنتهى) والمقرر أن يرى النور خلال الأشهُر المقبلة.
 


لكن اللافت أن المخرج «خيرى بشارة» لا يبدو منشغلاً بمجرد إعادة تقديم سِيَر نجوم الغناء على خشبة المسرح؛ بقدر ما ينجذب إلى الشخصيات التى تحمل داخلها دراما إنسانية عميقة، فـ«عبدالحليم حافظ» لم يكن مجرد مطرب كبير؛ بل كانت حياته مليئة بالحرمان والمرض والصراع مع الزمن، و«داليدا» أيضًا لم تكن مجرد نجمة عالمية؛ بل واحدة من أكثر الشخصيات الفنية تعقيدًا، بعدما عاشت نجاحًا استثنائيًا، يقابله قدر هائل من الفقد والوحدة والانكسارات الإنسانية، ثم النهاية الدرامية الحزينة التى اختارتها لنفسها بالانتحار.
 


ولا يقف رهان «بشارة» عند اختيار الشخصية؛ بل يمتد إلى فريق العمل؛ حيث يخوض الكاتب «وليد خيرى» تجربة جديدة فى المسرح الغنائى، وهى منطقة لم يرتبط بها اسمه من قبل، كما تجسِّد مطربة السوبرانو «فرح الديبانى» شخصية «داليدا» وهى فنانة صنعت حضورًا لافتًا على أهم المسارح العالمية فى السنوات الأخيرة، بعدما وقفت على أشهَر المسارح فى أوروبا، وأصبحت من الوجوه الفنية المصرية التى تحظى بتقدير واسع على الساحة الثقافية الأوروبية.
 


ولعل ما يزيد هذا الاختيار خصوصية؛ أن «فرح الديبانى» كشفت خلال المؤتمر الصحفى الذى أقيم مؤخرًا فى مقر السفارة الفرنسية فى القاهرة؛ أن تجسيد شخصية «داليدا» كان حلمًا يراودها منذ سنوات، وأنها ارتبطت بفنها منذ طفولتها، وقدمت عددًا من أغنياتها فى حفلاتها، حتى أصبحت تشعر بقرب خاص من عالمها الفنى والإنسانى. 
 


وتزداد هذه الدلالة وضوحًا إذا وضعنا المشروع فى سياقه الأوسع، فهو يأتى ثمرة تعاون ثقافى «مصرى- فرنسى»، ضمن فعاليات موسم البحر المتوسط، وهو ما يبدو منسجمًا تمامًا مع شخصية «داليدا» نفسها، فهى المطربة التى حملت حى شبرا فى قلبها حتى بعد أن سافرت لتصنع مَجدَها الفنى فى فرنسا؛ لتصبح واحدة من أبرز الفنانات اللاتى جسَّدن التداخل الثقافى بين البلدين.
 


ووَفقًا لما أعلنه صناع العمل؛ فإن المسرحية لا تتبنّى الشكل التقليدى للسِّيَر الشخصية؛ لأنها لا تستعرض حياة «داليدا» زمنيًا؛ حيث لا تبدأ بالميلاد وتنتهى بالرحيل؛ وإنما تتوقف عند محطات مَفصلية صنعت مَسيرة «داليدا» لتقدم قراءة درامية للحظات الأكثر تأثيرًا فى حياتها.
 


الجميل أنّ الملحن والموزع الموسيقى الفرنسى من أصل أرمينى «أندريه مانوكيان» وهو أحد أبرز الأسماء فى المشهد الموسيقى الفرنسى؛ سيتولى إعادة توزيع أغنيات «داليدا» برؤية معاصرة تحافظ على روحها الأصلية، مما يعنى أننا على موعد مع إعادة اكتشاف تراثها الموسيقى بصوت «فرح الديبانى».
 


ومن الطبيعى أن تفتح المسرحية باب المقارنة مع فيلم (داليدا) الذى عرض عام 2017، وقدّم معالجة سينمائية لحياتها ركزت على معاناتها العاطفية والإنسانية؛ إلا أنّ المسرح يمتلك أدوات مختلفة، وبالتالى هو لا ينافس السينما فى إعادة رواية الأحداث؛ بقدر ما يتيح مساحة لإعادة تأويلها عبر الموسيقى والغناء والحضور الحى للممثلين.
 


قطعًا لا يمكن الحكم على المسرحية قبل عرضها، لكن ما أُعلن حتى الآن يكشف عن مشروع فنى مهم يحاول أن يعيد اكتشاف الإنسانة التى عاشت خلف هذه الأسطورة، ويسعى إلى تقديم قراءة مسرحية جديدة لشخصية ملا تزال حاضرة فى الوجدان المصرى والفرنسى والعالمى أيضًا.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط