الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

لم يكن الحدث الأكبر أو الأبرز فى الأيام الأخيرة هو إطلاق الصواريخ والطلقات النارية على السفن التى تحاول المرور من ممر هرمز، ففى لحظة كانت منطقة الشرق الأوسط تترقب ضربة أمريكية ضد إيران، ليفاجأ العالم بأن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يتراجع عن هذه الضربة.
 

 

والتراجع الترامبى عن هذه الضربة الموسعة التى أعلن عنها مرارًا وتكرارًا يفتح الباب أمام توقعات بأن منطقة الشرق الأوسط تدخل من باب التسويات السياسية، أم أن التراجع عن ضرب إيران هدفه التقاط الأنفاس أو هبوط شعبية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عند الرأى العام الأمريكى، أو أيضًا انخفاض المخزون البترولى الأمريكى ونفاد بعض السلاح الأمريكى المستخدم فى ضرب إيران. هذه مبررات محتملة لتراجع ترامب عن تهديداته التى أصبحت ضمن ممارساته السياسية خلال الفترة الأخيرة. ويرى بعض المراقبين والمحللين أن الهدوء النسبى الذى يسود الآن بين أمريكا وإيران ما هو إلا استعداد لمواجهة أكثر خطورة، خصوصًا أن إيران صعّدت من حدة تهديداتها بأنها ستقوم بتدمير آبار البترول ومحطات الكهرباء وتحلية المياه والبنية الأساسية لدول الخليج. وعلى خلفية هذه التهديدات تصارعت الاتصالات الخليجية مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لإيقاف التصعيد الأمريكي- الإيرانى، بل أرسل الأمير محمد بن سلمان ولى العهد السعودى شقيقه إلى واشنطن لإجراء مباحثات مع الإدارة الأمريكية بهدف أساسى هو وقف التصعيد واستبدال القوة العسكرية بالقوة السياسية. ويبرز فى هذا المجال التصعيد العسكرى ما بين الحوثيين والمملكة العربية السعودية من جانب، ومن جانب آخر التهديدات المستمرة من الميليشيات العراقية. ويبدو أن تعلية سقف التهديدات الأمريكية لاستخدامها فى المفاوضات الإيرانية- الأمريكية للحصول على أكبر المكاسب.
 


واللافت ما قاله ترامب مؤخرًا بأن المفاوضات مع إيران تتم الآن رغم نفى طهران ذلك، معتبرًا أن هذه المفاوضات تمثل الفرصة الأخيرة للتوصل إلى اتفاق. وقال ترامب أيضًا إن أمريكا ستقضى على القيادة الإيرانية إذا لم توافق طهران على اتفاق ينهى الصراع بين البلدين، مشيرًا إلى أن أمام المسئولين الإيرانيين فرصة أخيرة لإبرام اتفاق. الغريب والمثير فى آن واحد أن إيران ما زالت تكرر نفيها لوجود أى مفاوضات، والملاحظة أن إيران لم تفوّت الفرصة أو الوقت لاستثمار الهدوء النسبى بينها وبين أمريكا بتجهيز قواتها بأحدث الأسلحة الصينية، منها صفقة عسكرية مع الصين لشراء ما بين 300 و400 منظومة دفاع جوى محمولة على الكتف من طرازى QW-12 وFN-16 بقيمة تتراوح بين 60 و70 مليون دولار، وأيضًا التباهى أمام شعبها بنجاح سياسة الردع وإجبار أمريكا على التراجع عن سياسة القوة العسكرية. وفى المقابل، الإدارة الأمريكية تقوم الآن بإعادة حساباتها خصوصًا أنها مقبلة على انتخابات التجديد النصفى الخاص بمجلس الشيوخ الأمريكى فى نوفمبر القادم. وبين الموقفين الأمريكى والإيرانى تحاول كل منهما إقناع شعوبهما بأنهم خرجوا أكثر قوة، بينما الحقيقة أن إيران هى التى بشكل أو بآخر أصبحت متسيدة على ممر هرمز، وأصبح العالم يدرك أن إيران ليست هى الخطر على العالم، بل إن الخطر الأكبر على العالم هو ترامب الذى أعطى إيران مميزات لم تكن تحلم بها، منها أن دول الخليج أصبحوا فى وضع الضحايا ما بين أمريكا وإيران. فعندما هددت أمريكا بتوجيه ضربات مؤلمة وشديدة لإيران، رد الحرس الثورى بأنه سيدمر البنية الأساسية لدول الخليج. كل هذه التطورات التى تجرى ما بين أمريكا وإيران ستنعكس بشكل أو بآخر على منطقة الشرق الأوسط. ففى إسرائيل يسود حذر وتتبع واضح بعد تجنيب الضربة الأمريكية، ولا يُفسر ذلك على أنه انتهاء للخطر الإيرانى بل مجرد تغيير فى أسلوب التعامل، لذلك تواصل إسرائيل رفع مستوى استعدادها العسكرى بالتوازى مع متابعة دقيقة لكل ما يدور خلف أبواب المفاوضات المغلقة. ورغم كثرة التصريحات النارية ما بين الطرفين، أمريكا وإيران تجرى الآن المفاوضات بالصمت دون الإفصاح عما يتم، بينما تُستخدم التصريحات العسكرية الحادة للحصول على أى مكاسب فى المفاوضات.
 


الخلاصة أن الهدوء الذى تعيشه المنطقة الآن لا يُفهم على أنه استقرار وهدوء، بل إنه يحمل فى داخله احتمالات التصعيد كما تسكنه أيضًا فى داخله فرص التسوية.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط