الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

معاناة «بطل الأرثوذكسية» البابا الـ25 "الكنيسة والدولة 11"

البابا ديسقورس الأول.. شهيد الإيمان مات فى منفاه وحافظ على وحدة كنيسة الإسكندرية

بوابة روز اليوسف

بطاركة الكنيسة القبطية


118 بطريركًا تعاقبوا على كرسى مار مرقس منذ بداية النصف الثانى من القرن الأول الميلادى، وهو تاريخ دخول المسيحية مصر وحتى الآن، بداية من القديس مرقس الرسول إلى قداسة البابا تواضروس الثانى الذى يحمل الرقم 118، وخلال 20 قرنًا تقريبًا ارتبط هؤلاء البطاركة بالدولة والمجتمع المصرى، عبروا عنه وحملوا همومه.
 


فى هذه السلسلة نقدم نبذة سريعة عن بطاركة الكنيسة القبطية للتعريف بهم وبدورهم ورسالة كل منهم.


نستكمل معكم فى هذا العدد سلسلة الكنيسة والدولة فى حلقتها الـ11، حيث نتابع الأحداث التى شهدتها بعد رحيل البابا كيرلس الأول البطريرك الـ24، وهى أحداث عنيفة وخطيرة تسببت فى وفاة البابا ديسقورس الأول البطريرك الـ25 والذى لقب بـ«بطل الأرثوذكسية» منفيا بعيدا عن كرسيه.
 

 

 كان البابا ديسقورس شيخًا وقورًا، جمع بين الروحانية والعمق الدراسى اللاهوتى والشجاعة المسيحية والصلابة فى الحق والرغبة فى التضحية حتى الموت من أجل الإيمان.
 


ارتقى الكرسى المرقسى فى مسرى سنة 179 ش و444م، فى عهد ثيؤدوسيوس قيصر الصغير، خليفة للبابا كيرلس «عمود الدين»، وذلك بعد أن تم الاتفاق على انتخاب سكرتيره ديسقوروس، والذى كان قد صحبه إلى مجمع «أفسس»، كما كان محبوبًا لتواضعه الشديد ليخلفه على الكرسى المرقسى.
 


ورأى الشعب فى ذلك الوقت، أنه قد اقترنت نواياه بالنية المتقدة والشجاعة المتناهية وسرعة البديهة، وقد تعلم فى مدرسة الإسكندرية التى تخرج منها جميع البارزين من رجال عصره، فنبغ فى العلوم الروحية والفلسفة، ولما كان متصفا بهذه الفضائل كلها فقد كان خير من يخلف البابا كيرلس الأول.
 


وما أن تمت رسامة الأنبا ديسقوروس، حتى بعث برسالة الشركة إلى أساقفة الكراسى المختلفة عملا بالتقليد الذى أرساه سلفاؤه، وكان من ضمن المهنئين له والكاتبين إليه ثيئودريت أسقف قورش، والذى كان من أكبر المناصبين العداء للأنبا كيرلس فى موقفه ضد البدعة النسطورية، وقد أخذ يتملقه ويمتدح فضائله، إلا أنه انقلب فيما بعد خصم عنيد، فسلك بإزائه عينه الذى سلكه بإزاء البابا كيرلس.
 


ويُعَد من سوء حظ البابا ديسقوروس، أنه قام على الكرسى البطريركى بين تلك القلاقل والانزعاجات التى تكتف الكنيسة من كل جانب والانقسامات التى تهددها فى كل مكان، خاصة أن مصالحة معلمه كيرلس مع يوحنا ذهبى الفم، لم  تأت بالعلاج الشافى لإزالة تلك الاضطرابات الكنائسية التى نجمت عن تعليم نسطور الهرطوقى، وعن تجند أشهر علماء الشرق له.
 


 وكان مركز بطريركية ديسقوروس حرجًا جدًا وأصبح محسودًا ومكروهًا نظرًا لما حازه من أنظار الملوك إليه، وما حازه من المجد بسبب رده على النسطوريين، وبالرغم من وجود هذه الخصومات إلا أنه كان هناك مؤيدون فى جهات أخرى خلاف الشرقيين المعادين وكانت أسباب عداوتهم تزداد من يوم لآخر لهذا المركز، بسبب أمرين أحدهما ظهور هرطقة جديدة والثانى تعطش البابا للرئاسة المزعومة.
 


أى أنه يمكن القول فى أيام هذا البابا، انشطرت الكنائس المسيحية إلى شطرين ولم تكن الكنائس المسيحية على وفاق مع بعضها؛ والسبب طمع أساقفة روميه ورغبتهم فى السيادة العامة على الكنيسة المسيحية فى كل العالم، ولم يكن الأسقف الرومانى يخشى بطش أحد من رؤساء الكنائس سوى بابا الإسكندرية، خاصة أن القسطنطينية مع كونها عاصمة المملكة الجديدة، لكن بطاركتها كانوا ضعيفى الشوكة وكثيرا ما تدخّل بطاركة الإسكندرية وأساقفة رومية فى شئونها، ومع ذلك احتفظت الإسكندرية بمقام الرئاسة.
 


ولقد سعى أسقف رومية سعيا متوصلا للاتحاد مع بابا الإسكندرية، كما يظهر ذلك من خطاب أرسله للبابا ديسقوروس فى شهر يونيه سنة 445م، يلتمس فيه المؤاخاة والعمل على التداخل فى الأمور سويًا، ما دام الاثنان متساويين فى التربية والدرجة، ولكن بابا الإسكندرية ضرب بخطابه عرض الحائط وهذا لما يعلمه من غايته الدنيئة.
 


ثم حدث بعد وفاة الملك ثيؤدوسيوس الصغير سنة 450م، الذى تلقبه الكنيسة بالملك الأرثوذكسى، أن اعتلى عرش المملكة الملك مرقيان وزوجته الملكة بولشريا، وفى هذا الوقت الذى احتدم فيه الجدل اللاهوتى، وكانت المؤامرات تحاك ضد كنيسة الإسكندرية وأساقفتها بِسَعيّ من «لاون» أسقف روما لدى الملك مرقيان وزوجته.
 


وفى عام 451، تغيرت الظروف وعاد الجدال بشكل أكثر حدة أدى إلى انشقاق مرّ فى الكنيسة فى مجمع خلقيدونية، حيث كان فى أيام البابا ديسقوروس، ارشمندريت رئيس دير فى القسطنطينية اسمه أوطاخى، عدو لدود لم يكتف بما حدده المجمع الثالث المسكونى ضد تعليمه، بل زاد من هرطقيته فدخل فى جدال حاد مع النسطوريين وأصبح الانقسام عظيما ما بين النسطوريين والأوطاخيين.
 


بلغ الأمر للبابا ديسقوروس، فظن أن النسطوريين الذين كسر شوكتهم سلفه القديس كيرلس يتحفزون للقيام، فخوفًا من أن يضيع مجهودات سالفيه، وكما هو معروف عن فساد مبدأ أثاودوريثوش وتعريضه برسائل القديس كيرلس، كتب ضده للقيصر ثيؤدوسيوس الثانى مظهرًا الخوف من أن الكنيسة الأنطاكية أوشكت أن تكون كلها نسطورية.
 


ولشدة الثقة بغيرة آباء الكنيسة القبطية على سلامة الإيمان، أصدر ثيؤدوسيوس قيصر أمرًا ضد الكنيسة الإنطاكية وحظر على ثاوذوريتوش الخروج من دائرة إبروشيته.
 


أما بخصوص بابا الإسكندرية، فادعوا زورًا بأنهم حرموه ونفوه لأنه شريك أوطاخى، وتلك تهمة كاذبة، فالكنيسة القبطية تشجب أوطاخى وتعتبره هرطوقيا، والفرق ظاهر بين اعتقادات أوطاخى واعترافات وأقوال البابا ديسقوروس، وتم عمل مجمع منكرًا فيها الامتزاج والاحتفاظ والاستحالة بكل صراحة، ورفض أوطاخى مادام حائدًا عن استقامة الأيمان العام، وتبعته فى ذلك الكنائس منها الكنيسة القبطية والسريانية وغيرهما.
 


لكن للأسف الشديد، استمر البابا ديسقوروس فى منفاه حتى توفى فى أول توت سنه 195 ش، و457 م، بعد أن قضى فيه نحو خمس سنين يعانى آلامًا شديدة من سكان ذلك المكان القساة بصبر تام، كما كان قد سبق أن احتمل بكل أناة وسكون تلك الإهانات المرة التى أهانه بها أنصار مجمع خلقيدون فى القسطنطينية، وسلك بغاية الحكمة والرصانة ولم يرد بكلمة واحدة على أولئك الذين كانوا يشتمونه ويحتقرونه أثناء مروره بالشوارع.
 


وقال الأنبا ساويرس المؤرخ: «وقد استمر البابا ديسقوروس بجزيرة غاغرا Gagra حتى أخذ إكليل الشهادة من مركبان الملك»، ولعله يقصد أنه مات من شدة الألم والصعوبات التى تلقاها من ذلك الملك، فناحت الكنيسة المصرية على رئيسها واستمرت محافظة على الإيمان الذى قضى حياته فى الدفاع عنه.
 


وهكذا عانى البابا ديسقورس معاناة شديدة للحفاظ على وحدة الكنيسة، وهى المعاناة التى كتبت على بطاركة الكنيسة المصرية بدءا من البابا أثناسيوس الرسول البابا الـ20 والتى سيشهدها أيضًا خليفة البابا ديسقورس الأول كما سنتعرف على ما حدث معه فى العدد القادم بإذن الله.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط