خلال خطبة الجمعة بالجامع الأزهر
"العواري": الأخلاق حصن المجتمعات والتواضع سبيل الاستقرار والسلام
أكد الدكتور عبد الفتاح العواري، عميد كلية أصول الدين الأسبق وخطيب الجامع الأزهر، أن المسلم المتخلق بالأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة يشبه الشجرة الوارفة كثيرة الأغصان التي تؤتي ثمارها في كل حين بإذن ربها، موضحًا أن الأخلاق تمثل السياج المنيع الذي يحفظ المجتمعات ويضمن لها البقاء والرفعة.
وقال العواري، خلال خطبة الجمعة بالجامع الأزهر والتي تحمل عنوان التواضع من الأخلاق الحميدة ، إن المجتمعات التي يتحلى أفرادها بالأخلاق الكريمة تنعم بالاستقرار والرخاء والسعادة، بينما يؤدي التخلي عن القيم والأخلاق إلى هدم أركان المجتمع والقضاء على مقومات بقائه، مشيرًا إلى أن النبي محمد ﷺ اختصر رسالته في بناء الأخلاق حين قال: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وقد وصفه الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
وأضاف أن البشرية لو استلهمت أخلاق الرسول الكريم وسارت على نهجه، لعاش العالم في أمن وسلام وطمأنينة، إلا أن الانحراف عن القيم وانتشار مساوئ الأخلاق أفسح المجال للفساد، فضاعت القيم، وأصبح القوي يبطش بالضعيف، والغني يستغل الفقير، ومن يمتلك القوة والسلاح يتعالى به على من ينشدون الأمن والاستقرار.
وأوضح أن جميع الشرائع السماوية جاءت لترسيخ الأخلاق، واكتمل هذا البناء على يد خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد ﷺ، مؤكدًا أن الإسلام دين إصلاح وصلاح، وأن الأمة لن تستعيد مكانتها إلا بالتمسك بأخلاق الدين وآدابه.
وأشار العواري إلى أن الإسلام لم يقتصر على حفظ الإنسان فحسب، بل امتدت أخلاقه إلى الرحمة بالحيوان، والحفاظ على الأشجار والبيئة وسائر مظاهر الحياة، بما يعكس شمول رسالة الإسلام في بناء الإنسان والكون.
وتناول خطيب الجامع الأزهر فضيلة التواضع، مؤكدًا أنها من أعظم الأخلاق التي مدحها القرآن الكريم، داعيًا المسلمين إلى التحلي بها باعتبارها أساسًا لاستقرار العلاقات بين البشر، لافتًا إلى أن هذا الخلق بدأ يضعف في واقع الناس.
وقال إن الله سبحانه وتعالى يحب المتواضعين، مذكرًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، موضحًا أن إدراك الإنسان لفقره إلى ربه يدفعه إلى التواضع والخضوع لله، وأن الغنى الحقيقي يكون بالله سبحانه وتعالى.
وأضاف أن القرآن الكريم بشّر المخبتين، وهم الخاضعون لله، في قوله تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾، كما وصف عباد الرحمن بقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾، مبينًا أن المؤمن الحق يتسم باللين وخفض الجناح والبعد عن الغرور والخيلاء، لأن الكبرياء لله وحده.
وشدد العواري في خطبته بالتأكيد على أن التواضع ومكارم الأخلاق هما الطريق إلى نهضة الأمة واستعادة الأمن والاستقرار، داعيًا المسلمين إلى التمسك بالقيم الإسلامية التي تحفظ المجتمعات وتحقق الخير للإنسانية جمعاء.
واصل الدكتور عبد الفتاح العواري، عميد كلية أصول الدين الأسبق وخطيب الجامع الأزهر، حديثه عن فضيلة التواضع، مؤكدًا أن النبي محمد ﷺ قدّم للأمة النموذج العملي في التواضع ولين الجانب، فربّى أصحابه على هذا الخلق العظيم حتى لا يكونوا سببًا في هدم المجتمعات أو نشر الكبر والبغي بين الناس.
وقال العواري إن القرآن الكريم وجّه النبي ﷺ إلى خفض جناحه للمؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، كما بيّن أثر اللين في جمع القلوب بقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
وأوضح أن النبي ﷺ تعلّم من ربه كيف يكون عبدًا متواضعًا لين الجانب، ثم نقل هذا الخلق إلى أمته، مستشهدًا بالحديث الصحيح: «إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد»، مبينًا أن الإسلام يرفض التفاخر بالنسب أو المال أو الجاه أو العلم أو المنصب، لأن البغي من صفات المتكبرين، أما التواضع فهو من خصال عباد الرحمن.
وأشار إلى أن المتواضعين لا يحتقرون أحدًا من الخلق، بل يرون الخير في الناس، مستشهدًا بحديث النبي ﷺ: «رُبَّ أشعث أغبر مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبرَّه»، مؤكدًا أن معيار التفاضل عند الله هو التقوى والعمل الصالح، لا المظاهر والمناصب.
وأضاف أن سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه لخّص حقيقة هذا الخلق بقوله: «وجدنا الشرف في التواضع، والكرم في التقوى، والغنى في اليقين»، موضحًا أن من أراد العزة فليلزم التواضع، ومن طلب الغنى الحقيقي فليحسن يقينه بالله سبحانه وتعالى.
ونقل العواري عن الإمام المناوي قوله إن من تواضع لله، وقبل الحق ممن هو دونه، رفعه الله درجات، وقبل طاعته، ومحا سيئاته، وأكرمه يوم القيامة، مؤكدًا أن التواضع سبب لنيل رضوان الله ورفعة المنزلة في الدنيا والآخرة.
وأشار إلى أن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت ترى أن التواضع من أعظم العبادات التي يغفل عنها كثير من الناس، داعيًا المسلمين إلى إحياء هذا الخلق في حياتهم اليومية.
واستعرض خطيب الجامع الأزهر صورًا من تواضع النبي ﷺ، مبينًا أنه كان يخدم نفسه، ويشارك أصحابه في أعمالهم، فعندما همّ الصحابة بإعداد الطعام في إحدى الغزوات، وتقاسموا المهام، قال ﷺ: «وأنا أجمع الحطب»، فلما قالوا: يا رسول الله، نكفيك، أجابهم: «إني أعلم أنكم تكفونني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزًا على أصحابه»، في صورة عملية تؤكد أن القيادة في الإسلام تقوم على المشاركة والتواضع.
وأضاف أن النبي ﷺ كان يقضي حوائج الناس بنفسه، وكانت الجارية تأخذ بيده فتمضي به حيث شاءت في المدينة، فلا ينزع يده منها حتى تقضي حاجتها، كما قال ﷺ: «لو دُعيت إلى كُراع لأجبت، ولو أُهدي إليَّ ذراع لقبلت»، في أسمى صور التواضع وقبول الناس.
وأكد العواري أن الحافظ ابن حجر العسقلاني عدّ هذه المواقف من أعظم مناقب رسول الله ﷺ، لأنها تقدم للأمة تطبيقًا عمليًا لمعنى التواضع، وتحذر من آفة الكبر التي تهدم المجتمعات وتزرع الحقد والكراهية بين الناس.
وأشار إلى أن القرآن الكريم حذّر من الكبر والخيلاء، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، كما ضرب مثلًا بقارون الذي تكبر بماله، فقال سبحانه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾، ثم بيّن أن الفوز بالدار الآخرة يكون للمتواضعين بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾.
واختتم خطبته مؤكدًا أن الأمة مسؤولة أمام الله عن إعمار الأرض بالأخلاق والقيم، وأن نشر التواضع بين الناس سيكون سببًا في جذب القلوب إلى الإسلام وإظهار سماحته، داعيًا الله أن يرزق المسلمين خلق التواضع، وأن يؤدبهم بآدابه، ويرحمهم برحمته، ويلطف بهم في الدنيا والآخرة.



