الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

يبدو لي هذا المهرجان القومي للمسرح الذي يعلن نتائج التسابق العام في الحادي عشر من يوليو الجاري 2026، قد أصبح مهرجاناً معبرا عن الشباب والجيل الجديد في المسرح المصري بعد أن غادره المحترفون بالتدريج وبعد أن أصبح دالاً على حيوية مصر في قدرتها على الدفع بكل هؤلاء الجدد بأحلامهم وفيض أملهم في المستقبل.

 

والعلامة الإيجابية التي يمكن ملاحظتها هي محاولة هؤلاء الجدد الاشتباك مع المسرح بمعناه المعرفي والجمالي.

بل وامتداد آخر يمكن ملاحظته في ندوات المهرجان ومحوره الفكري، ألا وهو حضور أصوات شابة جديدة إلى عالم النقد المسرحي.

وقد كان عنوان المحور الفكري الرئيس هو الجمهور، ولما كنت قد تابعت الطرح وسؤال الجمهور، بل وملاحظة هذا الحشد من جمهور الشباب لمتابعة العروض التي هي من إبداع الشباب في معظمها، تبادر إلى ذهني ملاحظة ضرورية عن غضب ملحوظ من أجيال محترفة، تم إطلاقه صوب المهرجان، بينما هو غضب المحترفين من المشهد المسرحي العام وليس من المهرجان ذاته، إلا أنه أصاب في معظمه هذه الدورة للمهرجان.

 

وتبقى مشكلة المهرجان وأيضاً مشكلة المهرجانات المتصلة كل عام، أنها تسهم في صياغة صورة مشهدية يراها المحترفون مغيِّبة لحقيقة غياب المواسم المسرحية المحترفة التي فقدناها في مصر تدريجياً منذ سنوات.

 

ويأتي جوهر المشكلة في كل هذا اللغط الذي أحاط بالدورة الحالية رغم الإخلاص النادر للفنان محمد رياض، في تلك المحاولة غير المعلنة المستمرة منذ سنوات في وزارة الثقافة المصرية لاستبدال المواسم بالمهرجانات، إذ ومع نهاية المهرجان القومي للمسرح سوف يبدأ المهرجان التجريبي، ومعه عدد كبير من المهرجانات المتتالية حتى مطلع الشتاء القادم.

 

وقد سبق المهرجان القومي مهرجانات أخرى متتالية مرت بهدوء تؤكد على حيوية مواهب مصر القادمة في المسرح الجامعي وفي محاولات الهواة الجدد، كما أن الفترة القادمة تستعد الوزارة لإضافة مهرجان آخر هو مهرجان المسرح المدرسي، إذ يبدو لي أن مسألة المهرجانات رغم كل ما تم كتابته عنها وتأثيرها السلبي على المواسم المسرحية، وعلى المسرح المحترف إلا أنها تتزايد وتستمر كبديل عن العمل النظامي الموسمي الطبيعي، والذي انكمش في عروضه خلال الموسم السابق إلى خميس وجمعة من كل أسبوع، وهكذا تأتي المهرجانات كفرصة للهرب من غياب القدرة على الإدارة الاحترافية الجادة في معظم مسارح الدولة.  

 

وهذا هو سر اللغط الدائر حول المهرجان وإذ لا أستطيع تبرئة ساحة المهرجانات من مسألة سعيها لشغل الفراغ الكبير في صناعة المسرح، كصناعة إبداعية ثقافية كبرى لها تاريخها في مصر، ولا أستطيع تجاهل إحلال الهواة في صدارة المشهد العام كمجموعات كبرى بديلاً عن المحترفين، فالأمر يظل يدور في ذات الدائرة المغلقة منذ عقدين من الزمان في مصر.

 

مشكلة المهرجانات المتتالية تبدو لي حقاً في كونها تصنع هذه الضوضاء الثقافية المسرحية من أحلام التجارب الأولى لشباب مصر المبدع، بينما تبقى مؤسسة الإنتاج الرسمية للمسرح مستمرة في تفكيك قواعد الحركة المسرحية فهي تعمل في مواسمها النادرة بدون دعاية احترافية للجمهور العام وبدون الحفاظ على العروض الناجحة في إنتاجها إلا في نادر الأحوال الاستثنائية.

 

كما تبقى معادلة الإنتاج فيها مرهونة بقيود عدة أدت لهروب نجوم التمثيل والمحترف المهني المسرحي، إلا وفقاً لشروط شخصية ذات طابع استثنائي لا يمكن القياس عليها، مثل حالة الملك لير التي وقع الفخراني في عشقها منذ ربع قرن من الزمان، والتي أنتجتها د. هدى وصفي في المسرح القومي، وظلت تدور بدون اسم مخرجها الأصلي أحمد عبد الحليم سنوات طوال، وتستخدم رغم إبداع الفخراني بذات الطريقة التي يتم بها استخدام الحضور المهرجاني المتصل، ألا وهي طريقة شغل الفراغ العام وصناعة صورة مشهدية غير دالة على حقيقة قدرات المؤسسة الرسمية على الإنتاج المسرحي.

 

مما يؤدي إلى غياب المشكلة الحقيقية ألا وهي إصلاح المؤسسة الرسمية للإنتاج المسرحي وفق تصور مستدام لا يخلط حسب الهوى ما بين كونها خدمة ثقافية أو هدفاً استثمارياً، أو يتأرجح بينهما هذا التأرجح الصعب، وسط غابة معقدة من اللوائح والمستحدثات الجديدة ذات الطابع البيروقراطي، وغياب المواقع القانونية للمسئولية عن الوحدات الإدارية الأولى ممثلة في مدراء الفرق، وعدم قدرتهم مثلاً على تحديد أجر الممثل وترك الأمر موزعاً على لجنة عامة هي لجنة الأجور.

 

هناك خلل جوهري يجب إصلاحه في مؤسسة الإنتاج الرسمية كي تستقيم الحياة المسرحية المصرية.

وهذا أمر يطول شرحه حقاً وإن كانت الأقلام الجادة قد عالجته بشكل منتظم، حتى صار حديث الأزمة المسرحية حديثاً مقترناً بالإبداع المسرحي منذ سنوات طوال.

وهو الأمر الذي طال النقد المسرحي الاحترافي المقترن بصعوبات قاسية لمن اختاره مجالاً حيوياً لعمله المهني.

ولذلك يأتي كل هذا اللغط حول المهرجان وأظنه سيستمر مع المهرجانات القادمة للتعبير عن غضب حقيقي للجماعة المسرحية المحترفة من غياب المواسم المسرحية.

كان المسرح المصري يقوم في وهجه على العروض المحترفة للنجوم ومحترفي الإخراج المسرحي، ثم على محاولات مبدعة للشباب كي يصعد نحو الاحتراف، ثم تجارب استثنائية ذات طابع مختلف، ثم القطاع الخاص الذي رحل من المشهد تماماً، إلا في ما ندر.

بالتأكيد جرت مياه كثيرة في النهر، ومع متغيرات معاصرة لا يمكن استعادة الماضي، إلا أن الحل المختلف في الحاضر والمستقبل يجب أن يدعم فكرة تواصل الأجيال، ومسارات نقل الخبرات التراكمية، لا استبدال الهواة الجدد بوضعهم في مكان أهل الاحتراف الإبداعي، ولا حلول الضوضاء المهرجانية محل المواسم المسرحية المنتظمة، ولذلك وحتى لا يتبدد جهد شباب المسرح المصري أدعو لضرورة إقامة موسم مسرحي للعروض الفائزة بجوائز المهرجان بعد الإعلان عنها لصنع موسم مسرحي يقدم عروض الجوائز للجمهور في أحد المسارح التابعة لوزارة الثقافة وعلى طريقة الموسم المسرحي.

 

وما يدفعني هنا للإشارة لمحاولة واعية للمهرجان كي يشارك في مسألة شغل الفراغ، أنه طرح السؤال عن المهرجانات وصناعة الجمهور متجاهلاً مجانية الدخول، ومشكلات الحجز الإلكتروني وملاحظات أخرى.

 

جدير بالذكر أن المهرجانات لا تصنع الجمهور، هذه الفكرة صالحة للنقاش في المجتمعات التي لم تعرف ظاهرة المسرح بمعناه الحديث والمعاصر، بينما عرفت مصر المواسم المسرحية المنتظمة مع تخطيط القاهرة الخديوية وظاهرة المسرح في العلبة المسرحية المغلقة.

 

بينما يبقى سؤال الجمهور في النقد المسرحي المعاصر وتأسيس السؤال في النقد المسرحي والأدبي والفني الحديث عن الجمهور سؤالاً واضحاً لا يمكن طرحه مجدداً على سبيل البحث عن الجمهور بشكل يتجاهل التراكم المعرفي في علم معرفة الجمهور نقدياً، وهو العلم المتصل بفكرة الإطار المرجعي للجمهور، وهو الإطار الذي يدخل بصناع المسرح ونقاده لضرورة الاشتباك مع علوم أخرى إنسانية مثل علم الجمال وعلم النفس وعلم الاجتماع وما إلى ذلك من ضرورات فهم قواعد الإدراك وتكوين الذائقة الجمالية والمعرفية.

 

فالمسرح والفنون الأدبية والفنون التعبيرية أعادت تعريف نفسها وفقاً لنظريات نقدية عديدة مثل نظرية التلقي ونظرية القارئ، وتحدثت عن عدم اكتمال النص الأدبي أو العمل الفني المسرحي إلا بحالة التلقي، وقراءة القارئ، وتفاعل المشاهد في المسرح والفنون التعبيرية.

 

وهكذا فمن المدهش إعادة طرح الأسئلة البديهية على سبيل الاكتشاف، بينما أنجز النقد المعاصر وعلومه إنجازه الفكري منذ ستينيات القرن العشرين على قراءة الجمهور والوعي به، وأنه بالتأكيد جماعات متعددة، وكيفية البحث عن طرق وتقنيات وأدوات نقدية هي منجز كبير للمناهج النقدية الحديثة والمعاصرة لا تغادر فكرة الجمهور، ولا يتسع المجال لاستعادة ذكرها هنا.

 

إلا أن حيوية المبدع المصري وحضور الجمهور هما علامتان دالتان على سهولة استعادة الجمهور وصناعة المسرح، التي تنتظر حقاً من يعمل على استعادتها عبر المواسم المسرحية واستعادة الاحتراف المسرحي الذي ستعود معه المسارات منتظمة متفاعلة.

 

هذا اللغط إذن هذا العام علامة صحية أيضاً على إدراك الجماعة المسرحية أن المسرح لن يحيا في مصر بالمهرجانات المتصلة، وهو إدراك مهم ينتظر استجابة حقيقية في مشروع متكامل لوزارة الثقافة المصرية، وهو ما نتمنى حدوثه عبر الإرادة الفاعلة للمسرحيين المصريين.

تم نسخ الرابط