الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

فى كل سوق عرفتها البشرية منذ أن عرفت التبادل التجارى، ثمة قاعدة لا تكاد تتخلف؛ يربح التاجر حين تزداد حاجة الناس إلى سلعته، ويكسد حين تنحسر تلك الحاجة أو تزول. غير أن هناك سوقا واحدة تنقلب فيها هذه القاعدة رأسا على عقب، إنها سوق الأزمات؛ السوق الوحيدة التى لا يخشى سماسرتها الكساد إلا إذا عاد الأمن، ولا يخافون الخسارة إلا إذا انتصر الاستقرار، ففى هذه السوق يصبح الخراب رأسمالا، ويغدو القلق سلعة، وتتحول الفوضى إلى مورد دائم للدخل والنفوذ، حتى يصبح الاستقرار نفسه، للمرة الأولى فى تاريخ التجارة، هو الخطر الذى يهدد أرباح العاملين فيها.


هذه باختصار هى السوق التى برع الإخوان فيها، فهم سماسرة الأزمات، وبروكر المخاطر، وريسيل المشاكل والعقبات.
وإذا كان لكل سمسار بضاعة يتوسط فى بيعها، فإن سمسار الأزمات يختلف عن الجميع؛ لأنه لا يملك الأزمة، ولا يصنع الغضب وحده، وإنما يقف وسيطا بين غضب كامن فى النفوس، ومنصة جاهزة لاستثماره. ومن هذا اللقاء يحصل على عمولته، دون أن يزرع شيئًا أو يصنع شيئًا أو يخاطر بشىء.
 


ولهذا فإن سماسرة الأزمات، خلافا لكل السماسرة، لا يملكون بضاعة يبيعونها لحسابهم، ولا رأسمالا يخاطرون به، وإنما يقتاتون على توجيه غضب الآخرين واستثماره، فهم لا يشترون القلق ولا يبيعونه بالمعنى التجارى، وإنما يقربونه من طالبيه، ويجنون أجرهم على هذا التقريب وحده. أما رأس مالهم الحقيقى فليس مالا يوضع فى الأسواق، وإنما انفعال الناس، وهو رأسمال لا يكلفهم شيئا لأنه عبارة عن صناعة الوهم وتضخيم الأزمة.
 


ولأن انتهاء الأزمة يعنى إغلاق السوق التى يحصلون منها على أرباحهم، فإنهم لا ينتظرون لها نهاية، ولا يسرهم أن يجد المجتمع طريقه إلى السكينة. ولذلك يظلون فى بحث دائم عن أزمة جديدة يتوسطون فيها، أو أزمة قديمة يعيدون إليها الحياة، بل إنهم لا يكتفون بالاستجابة للطلب، وإنما يعملون على خلقه إذا لم يجدوه. ففى الاقتصاد التقليدى يستجيب التاجر لحاجة السوق، أما فى سوق الأزمات فإن السمسار يصنع الحاجة أولا، ثم يعرض نفسه وسيطا لها، وقد يبلغ به الأمر أن ينفخ فى شرارة صغيرة حتى تتحول إلى حريق، لأنه يعلم أن السوق لا تزدهر إلا إذا اشتعلت النيران.
 


ولم تكن هذه السمسرة وليدة العصر الرقمى عند الإخوان، وإنما تغيرت أدواتها وبقى منطقها على حاله، فمنذ نشأتها، أدركت جماعة الإخوان أن الأزمة بيئة مثالية لحركتها، وأن الاستقرار يضيق عليها مساحة الحضور. ولذلك لم تكن تتحرك داخل الأزمات فحسب، بل كانت تتحرك بها. فكلما هدأت الحياة السياسية بحثت عن بؤرة توتر، وكلما خبت أزمة أعادت النفخ فيها، حتى بدا كأن استمرار الاضطراب شرط من شروط بقائها.
 


وما تغير بعد ظهور المنصات الرقمية لم يكن هذا المنطق، وإنما وسائله. فبعد أن كانت الرسالة والمنشور والخطبة أدوات التعبئة، أصبحت المنصة الإلكترونية، والحسابات الوهمية، واللجان الرقمية هى الوسائل الجديدة، بينما بقى الهدف واحدا، وهو أن تبقى الأزمة حية أطول وقت ممكن، وأن يظل المجتمع فى حالة استنفار دائم.
 


ومن هنا تحولت اللجان الإلكترونية إلى شبكة إمداد تغذى سوق الأزمات على مدار الساعة. فهى لا تكتفى بتضخيم الحوادث، وإنما تعمل على إطالة عمرها، وتنعشها كلما أوشكت على الاختفاء، وتعيد تدويرها كلما خفتت، حتى تتحول الأزمة من حدث عابر إلى حالة دائمة. وهى لا تقدم بديلا، ولا تناقش حلا، وإنما تعمل على ترسيخ شعور مستمر بأن كل شىء يسير إلى الانهيار، لأن الإنسان اليائس أسهل توجيها من الإنسان الواثق.
 


ولهذا لا يسأل سمسار الأزمة: هل الخبر صحيح؟ وإنما يسأل: هل هو يثير الغضب؟ وهل يدفع الناس إلى إعادة النشر؟ وهل يفتح جولة جديدة من الجدل؟ فالحقيقة عنده ليست قيمة فى ذاتها، وإنما مادة خام قابلة للاستغلال إن خدمت غرضه، أو قابلة للتجاهل إن لم تخدمه. ولذلك يسبق دائما فرق الإنقاذ؛ فإذا وقع حادث كان أول الحاضرين، وإذا ظهرت مشكلة كان أول من يضخمها، وإذا هدأت النفوس كان أول من يعيد إشعالها. فاللجنة الإلكترونية لا تقيس نجاحها بعدد الأزمات التى تحل، وإنما بعدد الأزمات التى تمنعها من أن تموت.
 


وهنا يتجلى الفارق الجوهرى بين الدولة وبين التنظيم الراديكالي. فالدولة، مهما اختلف الناس مع سياساتها، تبقى مسؤولة عن حماية المجتمع، وإدارة أزماته، وإصلاح ما يفسد فيه، لأنها مالكة لمشكلاته لا وسيطة فيها، وهى التى تتحمل كلفة البناء واستمرار المؤسسات. أما التنظيم الإرهابى فلا يحمل هذا العبء، بل يرى فى كل اضطراب عمولة، وفى كل تعثر فرصة جديدة للتعبئة، يرفع شعارات الإصلاح بينما يراهن، فى العمق، على استمرار الخراب.
 


والمفارقة أن المواطن البسيط هو وحده من يدفع الثمن، فهو الذى يعيش القلق، ويتحمل آثار الشائعات، ويفقد ثقته فى الغد، بينما ينتقل سماسرة الأزمات من صفقة إلى أخرى، ومن منصة إلى أخرى، دون أن يدفعوا شيئا من ثمن الفوضى التى يروجون لها.
 


فالسمسار لا يصنع بيتا، لأنه يعيش من بيع البيوت، ولا يزرع حقلا، لأنه يعيش من بيع المحصول، أما سمسار الأزمات فلا يبنى وطنا، لأنه يعيش من هدم الثقة فيه. ولهذا لا يكون انتصاره الحقيقى فى أن يقنع الناس برأيه، وإنما فى أن يقنعهم بألا يثقوا فى شىء، فإذا ماتت الثقة، ازدهرت السوق، وإذا ازدهرت السوق، وجد السمسار أزمته التالية قبل أن تنتهى أزمته الأولى.
 


ومع ذلك، فإن سوقا هذا شأنها ليست قدرا لا يرد. فكل سوق تقوم على الطلب، وكل طلب يمكن تجفيف منابعه إذا أحسن التعامل معه.
 

والخطوة الأولى فى مواجهة سمسار الأزمة ليست مطاردته فقط، لأن مطاردته وحدها قد تمنحه مزيدا من الدعاية، وإنما تجفيف البيئة التى يتغذى منها. فحيث يسود الغموض تنشط السمسرة، وحيث تحضر المعلومة الواضحة والسريعة والموثقة، يفقد السمسار أهم أوراقه، والمؤسسة التى تسبق الشائعة بالحقيقة تغلق السوق قبل أن يفتح بابها.
 


ثم إن مواجهة هذه السمسرة لا تكون بتكذيب كل شائعة على حدة، وإنما بكشف الآلية التى تصنع بها الأزمات نفسها. فأن يعرف الناس كيف تتحول الحادثة الصغيرة إلى قضية رأى عام، وكيف يعاد تدوير الغضب، وكيف تصنع الفوضى وتدار، أجدى من ملاحقة كل رواية بعد انتشارها، فتكذيب الشائعة يعالج أثرا، أما كشف منطق السمسرة فيحصن العقل من أصل الداء، ويحول المواطن من متلق للصفقة إلى قارئ لها، ومن سلعة فى سوق الأزمات إلى إنسان يدرك كيف تدار الأسواق التى تتاجر بخوفه وغضبه وثقته.
 

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط