اختطاف العمالقة
الذكاء الاصطناعى يهدد أحمد بهاء الدين ويوسف إدريس!
فى غرف مظلمة تسكنها خوادم عملاقة خلف المحيطات، تجرى الآن واحدة من أكبر عمليات السطو الفكرى فى تاريخ البشرية. لا تستهدف هذه العملية خزائن البنوك أو أسرار الدول، بل تستهدف ما هو أثمن: الجينات الثقافية لأمة بأكملها. لقد تحول إرث أحمد بهاء الدين ويوسف إدريس إلى مجرد بيانات تُهضم فى جوف خوارزميات الذكاء الاصطناعى، لتعيد إنتاجها نصوصًا مشوهة تدعى الذكاء وتفتقر إلى الروح.
نبوءة بهاء الدين
فى كتاباته الاستشرافية، وتحديدًا فى دراساته التى جمعت تحت عنوان «الثورة التكنولوجية وتناقضات هذا العصر» (والتى تناثرت دررًا فى يوميات الأهرام وسلسلة العالم عام 2000)، صاغ بهاء الدين مفاهيم كانت تبدو حينها ضربًا من الخيال العلمى، لكنها اليوم تمثل صلب أزمتنا مع نماذج اللغات الضخمة (LLMs). لقد كان بهاء الدين يرى أن التناقض يكمن فى امتلاك الآلة لقدرات هائلة فى ظل عجز بشرى عن السيطرة على مسارها الأخلاقى والسيادي.
التشريح الخوارزمى للأدب
تقنيًا، تعتمد عملية نقل الأسلوب (Style Transfer) على ما يسمى بالهدم والبناء التحريري. وفى مواجهة استقصائية حصرية خصّ بها مجلة روزاليوسف لفك طلاسم هذه القرصنة الرقمية، أدلى الدكتور محمد محسن رمضان، مستشار الأمن السيبرانى ومكافحة الجرائم الإلكترونية وخبير الذكاء الاصطناعى، بتصريحات قاطعة وشديدة الأهمية حيث قال: «الخطر الحقيقى ليس أن يقرأ الذكاء الاصطناعى كتب أحمد بهاء الدين أو يوسف إدريس، بل
إن يتعلم كيف يفكران، ثم يعيد إنتاج أفكارهما وأسلوبهما فى آلاف النصوص الجديدة دون أن يترك بصمة تدل على المصدر. هنا تبدأ أخطر معارك الأمن السيبرانى فى العصر الرقمي: حماية الهوية الفكرية البشرية».
وفى تحليل فنى معمق وضعه بين يدى روزاليوسف، أضاف خبير الذكاء الاصطناعى متسائلًا ومحذرًا: «مع كل قفزة جديدة فى تقنيات الذكاء الاصطناعى التوليدى، لم يعد السؤال: هل تستطيع الآلة كتابة مقال أو قصة؟ بل أصبح السؤال الأكثر تعقيدًا: هل تستطيع الآلة إعادة بناء الحمض النووى الفكرى لأسلوب كاتب بعينه؟ وإذا حدث ذلك، فمن يملك هذا الأسلوب؟»
وكشف د. محمد رمضان فى تصريحاته الخاصة لـ روزاليوسف الإشكالية التقنية وراء ذلك قائلًا: «إن شركات التكنولوجيا الكبرى تزعم أن نماذجها اللغوية تُدرَّب على كميات هائلة من البيانات العامة والمتاحة، وأن الهدف هو تعلم الأنماط اللغوية وليس نسخ المحتوى. ومن الناحية التقنية، تمر عملية التدريب بتحويل النصوص إلى تمثيلات رقمية معقدة، ثم تتعلم الشبكات العصبية العلاقات الإحصائية بين الكلمات والتراكيب والأفكار، دون الاحتفاظ بنسخة قابلة للاسترجاع من النصوص الأصلية».
واستطرد مستشار الأمن السيبرانى فى حديثه الحصرى لـ روزاليوسف مفجرًا المفاجأة: «لكن الإشكالية لا تكمن فقط فى حفظ النصوص، وإنما فى قدرة النموذج على استخراج ما يمكن تسميته البصمة الجينية للأسلوب؛ أى الخصائص الإحصائية واللغوية والفكرية التى تميز كاتبًا عن غيره. فالنموذج يتعلم طول الجمل، والإيقاع اللغوى، وطريقة بناء الحجة، والمفردات المفضلة، وتسلسل الأفكار، وأنماط الاستدلال، وحتى السمات البلاغية التى تمنح الكاتب هويته الإبداعية».
زيف الوعى الاصطناعي
فى اختبار حاد بين النص البشرى والنص الاصطناعى، تظهر عورة الآلة بوضوح عند اقترابها من الروح المصرية. يوسف إدريس لم يكن يكتب كلمات، بل كان يفرز أحاسيس. الآلة تعجز عن محاكاة الغمزة المصرية فى الكتابة، أو السخرية المبطنة التى تحمل وجعًا دفينًا.
وفى قراءة نقدية صارمة خص بها منبر روزاليوسف لتشريح البنية الأدبية أمام زحف الخوارزميات، وضع الناقد الأدبى الدكتور رضا عطية مشرط النقد الأدبى قائلًا: «الكتابة المحاكاتية الاصطناعية، وتوليدات الذكاء الاصطناعى قد تنتج نصًا مقلدًا لكتابة يوسف إدريس أو غيره، لكنها ستفتقد إلى جسارة يوسف إدريس فى التعامل مع اللغة، وصلابته فى الخروج على بعض قواعدها كما كان فى عنونته لمجموعته القصصية الأولى (أرخص ليالي) بإصراره على عدم حذف ياء المنقوص فى كلمة «ليالى» فى تجاوز محسوب الخطى لأجرومية النحو وإشباع لموسيقى الكلام وحرص على حيويته».
وتابع الناقد الأدبى تشريحه الدقيق للنص الاصطناعى فى حديثه لـ روزاليوسف مستعرضًا مكامن الضعف: «الآلة تفتقد اللغة المتدفقة المشبعة بالوصف الدرامى للأحداث وحركة الشخوص، وينقصها التمثيل الحسى الدقيق لتفاصيل الأشياء واللفتات المعبرة عن نفسيات الشخوص برهافة، والجمع المقتدر بين بساطة المشهد القصصى وإحكامه الفنى ومراميه الدلالية. ستبدو هذه الكتابة أشبه بالمنتج المستنسخ الذى وإن بدا صورة من الأصل لكن يمكن للخبراء بالمنتج الأصلى أن يفرقوه عنه».
التزييف الفكرى العميق
عندما يتداخل التقنى بالقانونى، نكتشف أننا أمام تهديد غير مسبوق للوعى العام. وفى تحذير بالغ الخطورة أطلقه بقوة عبر صفحات مجلة روزاليوسف من منظور أمنى بحت، عاد مستشار الأمن السيبرانى د. محمد رمضان ليطلق جرس إنذار مرعب قائلًا: «أخطر ما قد نشهده خلال السنوات المقبلة هو ظهور ما يمكن وصفه بالتزييف الفكرى العميق؛ وهو امتداد طبيعى لفكرة التزييف العميق (Deepfake)، لكنه يستهدف الأفكار والأساليب بدلًا من الصور والأصوات. ففى هذا السيناريو، تستطيع خوارزميات الذكاء الاصطناعى إنتاج مقالات سياسية أو ثقافية أو اجتماعية تبدو وكأنها كُتبت بقلم أحمد بهاء الدين أو يوسف إدريس، بينما تحمل فى حقيقتها رسائل موجهة أو أجندات مضللة أو معلومات مغلوطة».
ونبه رمضان بقوة إلى أبعاد هذا التهديد: إلى أن خطورة هذا النوع من الهجمات لا تكمن فقط فى جودة التقليد، بل فى استغلال الثقة التاريخية التى يتمتع بها أصحاب الفكر، بما قد يؤدى إلى التأثير فى الرأى العام، وإعادة تشكيل الوعى الجمعى عبر محتوى مزيف يصعب على القارئ العادى اكتشافه. وهنا يتحول الأمر من قضية ملكية فكرية إلى قضية أمن قومى معلوماتي. إن التزييف الفكرى هو السلاح الأخطر لإعادة هندسة المجتمعات، حيث يصبح من الممكن تزييف مواقف تاريخية أو تنظير أفكار مسمومة ونسبتها إلى قادة التنوير، ليمرر من خلال أسمائهم ما عجز الخصوم عن تمريره بأسلحتهم التقليدية.
صرخة من أجل الإنسان المصري
إن اختطاف العمالقة هو جرس إنذار للجميع. ويختتم الدكتور محمد رمضان رؤيته وحواره الحصرى مع مجلة روزاليوسف بكلمات حاسمة ومؤثرة: «أؤكد أن معركة المستقبل فى الأمن السيبرانى لن تكون فقط لحماية الخوادم وقواعد البيانات، بل ستكون أيضًا لحماية الهوية الثقافية والفكرية للأمم. فالبيانات يمكن نسخها، أما الهوية الفكرية فلا يجوز أن تتحول إلى مادة خام تتغذى عليها الخوارزميات بلا ضوابط أو مساءلة».
إن حماية جيناتنا الفكرية تعنى حماية حق الأجيال القادمة فى تشكيل وعيها عبر نصوصٍ أصيلة تنضح بملامحنا وتاريخنا الإنسانى الحقيقى، لا عبر مخرجاتٍ آلية باهتة لا تملك قلبًا يرتجف ولا عقلًا حرًا يبدع ويثور.

نقلًا عن مجلة روزاليوسف



