زلزال حماس فى غزة
نزع سلاح الحركة يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من إدارة القطاع
فى سابقة غير معهودة فى تاريخ الفصائل الفلسطينية المسلحة، جاء إعلان حركة حماس عن تخليها الطوعى عن السلطة فى غزة وموافقتها على نزع السلاح، ما طرح سؤالاً جوهرياً: هل هى بداية مسار نحو الاستقرار وإعادة إدماج غزة فى مشروع سياسى أوسع أم مجرد مراوغة لإعادة ترتيب الأوراق وتخفيف الضغط الدولى على الحركة؟ لكن المؤكد أنها لحظات فارقة فى تاريخ قطاع غزة تصطدم فيها الحسابات الداخلية للفصائل مع الضغوط الخارجية، لتفتح الباب أمام جدل واسع بين الخبراء والمحللين حول دلالات هذه الموافقة، فبين من يراها تنازلاً تكتيكياً يهدف إلى كسب الوقت ومن يقرأها كخطوة اضطرارية نحو مرحلة جديدة من خطة ترامب، لكن يبقى السؤال الأهم: هل يمكن أن تتحول هذه السابقة إلى نقطة انطلاق نحو سلام مستدام؟
محطة استراتيجية تاريخية
يرى البروفيسور حسين الديك أستاذ العلاقات الدولية بالقدس أن موقف حركة حماس يشكل محطة استراتيجية تاريخية فى مرحلة النضال الفلسطينى نحو التحرر الوطنى، فمنذ الانقسام الفلسطينى الفلسطينى لم يحصل هذا التحول فى موقف حركة حماس فمنذ ذلك التاريخ حماس تصر على الحكم وتصر على السلاح، بمعنى أنها صاحبة السلطة السياسية والإدارية والخدماتية فى قطاع غزة، وترفض التنازل عنها وصاحبة السلاح بمعنى القوة العسكرية والأمنية، التى تحتكر استخدام القوة، ويوم موافقتها على التخلى عن الحكم وعن السلطة هو تحول استراتيجى وليس تحولًاً تكتيكيًا، وإنقاذ لنفسها بعد التدمير الكبير الذى لحق بقطاع غزة فى ظل سلطتها، وبعد عمليات الإبادة للشعب الفلسطينى وللمدنيين، ما جعلها تخسر كل شيء.
وتابع: حماس خسرت التعاطف الشعبى والالتفاف الجماهيرى حولها، وخسرت قاعدتها الشعبية والجماهيرية، الآن حماس بهذا القرار تحاول إنقاذ نفسها أولاً لأنها عاجزة عن إدارة الحياة المدنية والخدماتية والإدارية فى غزة، بسبب التدمير وعدم توفر الموارد المالية وأصيبت بنيتها العسكرية والتنظيمية بتدمير كبير، والاغتيالات التى تعرض لها القادة فى الداخل والخارج، وربما يتبع القرار تحولات مستقبلية نحو تحول الحركة إلى حزب سياسى بعد فشل التجربة العسكرية والكفاح المسلح».
موقف الفصائل الفلسطينية
دفعت حماس الفصائل الفلسطينية نحو خيار الاستقرار عبر قبول مبدأ تسليم السلاح، لكن بشروط واضحة تتعلق بالانسحاب الإسرائيلى وتنفيذ بنود اتفاق السلام، فهذه الخطوة تحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة، حيث يؤكد «الديك» أن تسليم حماس لسلاحها لن يؤثر على التوازن الأمنى، لأن سلاح حماس والفصائل لم يستطع أن يحمى الشعب الفلسطينى من الإبادة، ولم يستطع أن يوفر الأمن والأمان والاستقرار للمواطن الفلسطينى فى قطاع غزة، مضيفا: «الضامن الأساسى هو الحلول السياسية والاتفاقيات السياسية ودخول اللجنة الإدارية وتدريب قوات شرطة فلسطينية تحفظ الأمن والأمان فى القطاع، ودخول القوات الدولية التى سيكون لها دور أساسى فى حماية الفلسطينيين من أى خروقات إسرائيلية، خاصة أن تسليم السلاح سينزع الذرائع من يد إسرائيل للقيام بأى عمل عسكرى، فلذلك السلاح ليس هو الضامن لاتفاق سياسى الضامن الحلول السياسية، والقوات الدولية هى الضامنة لتوفير الأمن والأمان والاستقرار وإعادة الإعمار فى قطاع غزة.
واستطرد: «بتقديرى نحن على أبواب مرحلة تحول استراتيجى على صعيد القضية الفلسطينية بشكل عام وعلى صعيد قطاع غزة بشكل خاص، فدخول اللجنة الإدارية هو عامل مهم وحاسم، لتوفير كل مقومات الصمود للمواطن فى قطاع غزة».
وحول الدور المصرى فى حماية الفلسطينيين قال: «كان هناك دور مصرى أساسى لحماية الفلسطينيين من التهجير، وأثمن الموقف الوطنى المشرف لمصر رئيساً وجيشاً وشعباً وإرادة سياسية، فهى من أجهضت مخططات التهجير التى كانت تنوى تنفيذها الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، ولكن الموقف المصرى الرافض لذلك دمر هذه المخططات، لكن يجب على الإدارة الأمريكية أن تتحرك بكل قوة وتفرض على بنيامين نتنياهو تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
الموقف الإسرائيلى
صدمة الداخل الإسرائيلى من موافقة حماس على نزع السلاح، كشفت عن مفارقة سياسية وأمنية عميقة، فإسرائيل كانت تبنى استراتيجيتها على افتراض أن إقناع حماس والفصائل المسلحة بالتخلى عن السلاح أمر مستحيل، وبالتالى كانت تتحرك من منطق الردع والقوة العسكرية لا منطق التسوية، لكن نجاح المفاوضين فى دفع حماس نحو هذه الخطوة قلب المعادلة، إذ يرى «الديك»، أن هذه الخطوة بالذات دعمت الموقف التفاوضى الفلسطينى وموقف الفصائل وموقف منظمة التحرير وموقف الدول العربية والأطراف الضامنة وعلى رأسها مصر وقطر وتركيا وأيضا المملكة العربية السعودية، حيث كانت إسرائيل دائماً تتذرع بأن حماس ترفض التخلى عن السلاح وترفض التخلى عن الحكم وأن سلاح حماس هو المشكلة، فهذا التنازل الكبير لم يحصل فى تاريخ الحركة ولا فى تاريخ حركات التحرر على مستوى العالم، عادة حركات التحرر تسلم سلاحها عندما تحقق الاستقلال، وجبهة التحرير الجزائرى نموذج لذلك، لكن اليوم حماس تسلم سلاحها فى ظل عدم الوصول إلى التحرير وإقامة الدولة الفلسطينية والتخلص من الاحتلال لذلك هذا القرار يضع إسرائيل ونتنياهو فى الزاوية، بمعنى أن المبررات التى كان يتذرع بها لعدم الانسحاب من قطاع غزة والتوصل إلى اتفاق قد زالت، فحماس قدمت تنازلات استراتيجية وحقوقية وجوهرية فى أهم قضيتين وهى التخلى عن الحكم تماماً والتخلى عن السلاح، بالإضافة لتقديم خرائط الأنفاق وخرائط مصانع الأسلحة.
ويوضح أن القرار الآن أصبح فى الملعب الإسرائيلى والمفتاح موجود فى البيت الأبيض، فهل يستطيع ترامب أن يوفى بوعده، وهل هناك إرادة سياسية حقيقية لدى الرئيس ترامب لاستعمال هذا المفتاح والضغط على نتنياهو وإسرائيل للوصول إلى تفهمات سياسية والانسحاب من الخط الأصفر إلى الخط الأخضر أو الخط الأزرق؟.
مستقبل القطاع
مستقبل القطاع اليوم يقف عند استطاعة اللجنة الوطنية لإدارة غزة فى النجاح فى مهمتها بعد أن سلمت حماس السلطة، حيث يقول الخبير السياسى والباحث فى الشأن الإسرائيلى عمرو زكريا، إن حماس لن تتخلى بسهولة عن أى دور أو تأثير فى إدارة القطاع حتى فى حال إسناد المهام التنفيذية إلى لجنة ذات طابع تكنوقراطى، إذ ستسعى إلى الحفاظ على حضورها السياسى والمجتمعى والتأثير فى مسار اتخاذ القرار بما يضمن عدم تهميشها، ومن ثم قد تواجه اللجنة تحديات تتعلق بحدود الصلاحيات وآليات التنسيق مع القوى الفاعلة على الأرض بما يتطلب بناء تفاهمات عملية تضمن استمرار عملها وتحول دون تحولها إلى ساحة للتجاذبات السياسية.
ويتوقع أن تنظر الفصائل الفلسطينية الأخرى إلى بعض قرارات اللجنة من زاوية تأثيرها على موازين القوى أو الشرعية السياسية، الأمر الذى يفرض على اللجنة الحفاظ على قدر كبير من الحياد والشفافية لضمان استمرار التوافق الوطنى حول دورها، موضحا أنه يجب عدم إغفال طبيعة العلاقة مع السلطة الوطنية الفلسطينية، إذ قد تبرز إشكاليات تتعلق بالمرجعية القانونية وإدارة الموارد المالية والسجلات المدنية والهيكل الوظيفى بما يجعل التنسيق المؤسسى مع السلطة أحد الشروط الأساسية لتجنب ازدواجية الإدارة أو تضارب الاختصاصات.
ولفت إلى أن مستقبل القطاع يمكن أن يكون أفضل بفضل اللجنة الوطنية لإدارة غزة لأنها من الناحية الفنية تمتلك اللجنة عناصر قوة مهمة تتمثل فى اعتمادها على نخبة من الكفاءات التكنوقراطية والخبرات المحلية فى مجالات الإدارة والهندسة والصحة والخدمات العامة، إضافة إلى الاستفادة من الكوادر المدنية التى حافظت على استمرارية تقديم الخدمات فى قطاع غزة رغم سنوات الانقسام والحروب المتكررة.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



