«الوعى».. سد منيع فى وجه رهانات الفوضى
منذ سقوط حكم جماعة الإخوان الإرهابية بإرادة شعبية استجابت لها القوات المسلحة، لم تتوقف الجماعة يومًا عن محاولة العودة إلى المشهد، لكنها غيّرت من أدواتها أكثر من مرة.. فبعد أن أنهكتها ملاحقات الأجهزة الأمنية والقضائية وتفكك أذرعها وميليشياتها، تخلت الجماعة عن رهان الإرهاب مؤقتًا لصالح رهان أخطر وأكثر مراوغة.. «سلاح الشك»، هكذا وصفه باحثون متخصصون فى شئون الجماعات المتطرفة، مؤكدين أن التنظيم ينتقل اليوم من محاولة تفجير الشارع بالعنف المباشر إلى محاولة تفجيره من الداخل عبر الشائعة، والفيديو المفبرك، والحملة الرقمية المنظمة.
إذا كان هذا التحول قد بدأت ملامحه تتضح منذ سنوات، فإن الأشهر الثلاثة الأخيرة - مايو ويونيو ويوليو 2026 - شهدت تصعيدًا لافتًا فى وتيرة هذه المحاولات، تزامنًا مع محطات إقليمية ودبلوماسية واقتصادية حساسة مرت بها مصر.. وفى كل مرة، كان الرد المصرى واحدًا.. وعى شعبى متماسك، رفض قاطع للانجرار خلف الشائعة، وثقة راسخة فى قيادة ومؤسسات الدولة، جعلت من كل محاولة للفتنة محاولة فاشلة سلفًا.
دعونا من البداية نؤكد أننا هنا نوثق أبرز نماذج تلك المحاولات خلال الفترة الأخيرة، ونكشف الأدوات التى استُخدمت، ونحلل الأسباب التى جعلت المصريين - وفى مقدمتهم الشباب - خط الدفاع الأول فى مواجهة الجماعة الإرهابية، ودعونا أيضًا من البداية وبشكل مباشر وصريح نحذر من فخ سماسرة الأزمات الذين يتربصون بالوعى الجمعى عبر الشاشات الصغيرة.
أرقام تكشف حجم الاستهداف
قبل الدخول إلى النماذج التفصيلية، تجدر الإشارة إلى أن الأمر لم يعد انطباعًا أو تقديرًا عامًا، بل بات موثقًا بالأرقام.. فقد كشف المركز الإعلامى لمجلس الوزراء، فى تقرير رسمى صدر منتصف يوليو 2026، عن ارتفاع معدلات الشائعات المتداولة بنسبة بلغت 113 % خلال النصف الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة السابقة عليه، وهى نسبة غير مسبوقة تعكس حجم الحملة الممنهجة التى تتعرض لها الدولة المصرية، وربط التقرير هذا التصاعد بالتوترات الإقليمية المتلاحقة التى شهدتها المنطقة خلال الفترة نفسها، والتى حاولت أطراف بعينها استثمارها لضرب الثقة الداخلية فى مصر.
ولفت التقرير إلى أن قطاع الاقتصاد جاء على رأس القطاعات الأكثر استهدافًا بنسبة تجاوزت 14 % من إجمالى الشائعات المرصودة، يليه مباشرة قطاع الطاقة بنحو 13 %، ثم قطاع التموين بأكثر من 11 %، فيما جاءت قطاعات السياحة والطيران والصحة والإسكان فى مراتب متقاربة تالية، وقطاع التعليم والزراعة فى مراتب أدنى نسبيًا.
وهذا الترتيب ليس عشوائيًا.. فهو يكشف عن وعى - وإن كان خبيثًا - لدى صانعى هذه الحملات بأن أكثر الملفات حساسية لدى المواطن هى تلك التى تمس قوته اليومى ومعيشته المباشرة.. رغيف الخبز، فاتورة الكهرباء، سعر الدولار، توفر السلع.
هذه الأرقام وحدها كافية لتفنيد أى محاولة لتصوير ما يجرى على أنه «نقد سياسي» عابر أو «غضب شعبى عفوي»؛..فحين يتركز الاستهداف بهذا الشكل الممنهج على القطاعات الأكثر حساسية، ويتصاعد بالتزامن مع كل توتر إقليمى، فإننا أمام حرب نفسية مدروسة، لا أمام مجرد اختلاف فى الرأى.
نماذج من ميدان المعركة
شائعة «بيع أصول الدولة لسداد الديون»
من أبرز الشائعات التى جرى رصدها والتصدى لها خلال هذه الفترة، فيديو متداول زعم أن الحكومة المصرية بصدد بيع أصول استراتيجية للدولة سدادًا لالتزامات الديون الخارجية.. الفيديو، الذى انتشر بشكل واسع عبر منصات التواصل الاجتماعى المدعومة من الجماعة «كلجان إلكترونية»، اعتمد على أسلوب تحريضى مباشر يخاطب مخاوف المواطنين من «بيع الوطن»، وهو خطاب مألوف فى أدبيات الجماعات المتطرفة التى طالما وظّفت لغة «الخيانة» و»التفريط» لشيطنة أى قرار اقتصادى إصلاحى، بصرف النظر عن حقيقته أو سياقه الفعلى.. وقد بادر المركز الإعلامى لمجلس الوزراء إلى دحض هذه الشائعة بالوثائق والأرقام، وكان لافتا ومبشرا جدا سرعة تفاعل المواطنين أنفسهم مع التوضيح الرسمى، ورفض قطاعات واسعة منهم لإعادة تدوير الفيديو بعدما تبين تضليله.
فيديو «أزمة الطاقة» المفبرك
فى سياق مواز، تم تداول فيديو آخر يزعم وجود أزمة طاقة خانقة تضرب مصر بسبب التوترات الإقليمية المتصاعدة، فى محاولة واضحة لاستثمار حالة القلق العام الناتجة عن الأحداث المحيطة بالمنطقة - من توترات مضيق هرمز إلى تداعيات الحرب فى الإقليم - لخلق حالة من الذعر الداخلى غير المبرر.
وقد جاء الرد الرسمى سريعًا وحاسمًا بالأرقام الفعلية لإنتاج الكهرباء والغاز، فيما عكست ردود الفعل الشعبية العفوية على هذا الفيديو إدراكًا لافتًا لدى كثير من المستخدمين بأن الفارق شاسع بين «التوتر الإقليمي» الذى لا ينكره أحد، وبين محاولة توظيفه كذريعة لإثارة الهلع الداخلى.
شائعات «قطع الإنترنت والكهرباء» و«حقن البطيخ»
من النماذج التى كشفت المدى الذى يمكن أن تصل إليه حملات التضليل، تلك الموجة التى جمعت بين شائعات متفرقة الظاهر لكنها متطابقة الهدف.. ادعاءات حول اعتزام الدولة قطع الإنترنت أو تطبيق تخفيف أحمال كهربائى مكثف، بالتوازى مع شائعات صحية مغرضة من قبيل التحذير من حقن الفاكهة والبطيخ بمواد ضارة، إضافة إلى شائعات حول اضطرابات وهمية فى سوق البورصة.
وقد بادر مجلس الوزراء إلى الرد التفصيلى على كل شائعة على حدة، موضحًا حقيقة الأمر بالمستندات.. والمهم هنا ليس فقط الرد الرسمى، بل أن هذا النمط من «التشويش المتعدد» - حين تُطلق عدة شائعات متنوعة فى وقت متقارب - هو بالضبط ما يكشف الطابع الممنهج للحملة، إذ يهدف إلى إرهاق قدرة المواطن على التحقق، وخلق شعور عام بأن «كل شيء مهدد» دفعة واحدة.
محاولات إثارة الفتنة الطائفية
لم تقتصر محاولات الفتنة على الملف الاقتصادى، بل امتدت - كما جرت العادة - إلى محاولة إعادة فتح الملف الطائفى.. فقد كشفت تقارير صحفية صدرت خلال مايو 2026 عن استمرار محاولات جماعة الإخوان استهداف الكنائس ودور العبادة فى محاولة متكررة لإثارة فتنة طائفية وزعزعة الاستقرار الداخلى.. غير أن ما لفت الانتباه هذه المرة هو السرعة التى التفّ بها المصريون، مسلمين ومسيحيين، حول فكرة الوحدة الوطنية، إذ أسهم وعى المواطنين وتماسكهم، إلى جانب جهود الدولة والأجهزة الأمنية، فى إفشال هذه المخططات مبكرًا قبل أن تتحول إلى أزمة حقيقية على الأرض.
استهداف العلاقات المصرية - الخليجية
من أخطر المحاور التى تصاعدت خلال الفترة من أبريل حتى يونيو 2026، محاولات ممنهجة لإثارة الفتنة بين الشعب المصرى والشعوب العربية الشقيقة، وخاصة دول الخليج... وقد رصد باحثون سياسيون أن وتيرة هذه الحملات ترتفع تحديدًا كلما حققت الدولة المصرية نجاحات دبلوماسية أو اقتصادية بارزة، مستشهدين بتصاعدها المتزامن مع زيارات دبلوماسية رفيعة المستوى وتعزيز الشراكات الاستراتيجية مع دولة الإمارات العربية المتحدة.
الهدف من هذه الحملات لم يكن خافيًا..ضرب وحدة الصف العربى، وإثارة حالة من التشكيك والتوتر بين مصر وأشقائها، عبر توظيف شائعات وحملات إعلامية موجهة تخدم أجندات ضيقة لا تستهدف سوى إضعاف مؤسسات الدولة الوطنية.
وقد جاء الرد الشعبى - عبر منصات التواصل نفسها - حاسمًا، إذ رفضت أصوات مصرية وخليجية واسعة الانجرار خلف هذا الخطاب، مؤكدة أن متانة العلاقات التاريخية والمصالح المشتركة بين القاهرة ودول الخليج أكبر من أن تهزها حملة مفبركة.
الدين لتمرير أجندة سياسية
فى تطور لافت رصدته تقارير صحفية حديثة، استمرت الجماعة فى اعتماد أسلوبها التاريخى القائم على المتاجرة بالدين والتلاعب بعواطف البسطاء، عبر محاولة تحويل أى منافسة أو استحقاق سياسى إلى «صراع ديني»، فى محاولة لإيهام الرأى العام بأن دعم التنظيم أو خطابه يعادل الدفاع عن العقيدة ذاتها.. وهو أسلوب دأبت عليه الجماعة منذ عقود، لكن تكراره فى سياق الأشهر الأخيرة يعكس إفلاسًا واضحًا فى الأدوات، واستمرارًا للرهان الفاشل على استغلال المشاعر الدينية للبسطاء بدلًا من طرح مشروع سياسى حقيقى أو برنامج عملى بديل.
السؤال الأهم هنا.. لماذا فشلت كل هذه المحاولات مجتمعة؟
من أبرز العوامل التى أفشلت هذه الموجة من محاولات الفتنة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، تطور آليات الاستجابة الرسمية ذاتها... فلم يعد الرد الحكومى يأتى متأخرًا كما كان يحدث فى سنوات سابقة، بل أصبح المركز الإعلامى لمجلس الوزراء يرصد الشائعة ويكشف زيفها بالوثائق والأرقام فى غضون ساعات من انتشارها، وهو ما قلّص إلى حد كبير «نافذة الفرصة» التى كان يعوّل عليها صناع التضليل لتحقيق أكبر انتشار ممكن قبل أن يتم كشفهم وتفنيد ادعاءاتهم.
وفى مفارقة تستحق التوقف، جاءت محاولات إثارة الذعر الاقتصادى فى وقت أشادت فيه بعثة صندوق النقد الدولى، خلال زيارتها الأخيرة لمصر أواخر يونيو ومطلع يوليو 2026، بمرونة الاقتصاد المصرى وقوة أدائه، مؤكدة أن البلاد تواجه التوترات الإقليمية وهى فى وضع اقتصادى أكثر متانة بفضل حزمة من السياسات المنسقة والقرارات الحاسمة المتخذة فى التوقيت المناسب.
هذا التقييم الدولى المستقل شكّل بحد ذاته ردًا عمليًا على كل شائعة حاولت الإيحاء بأن الاقتصاد المصرى على شفا الانهيار، وأسهم فى تعزيز ثقة المواطن بأن ما يُتداول لا يعكس واقع الأرقام الحقيقى، خاصة مع تزامنه مع حزمة قرارات اقتصادية فعلية شملت زيادة الأجور والمعاشات وإقرار العلاوة الدورية خلال يوليو 2026.
لكن العامل الأهم يبقى، كما كان دائمًا، هو وعى المصريين أنفسهم.. فبعد أكثر من عقد من التجربة المباشرة مع محاولات الفتنة بمختلف أشكالها، بات قطاع واسع من المواطنين أكثر قدرة على تمييز نمط الشائعة من طبيعتها، وأكثر ميلًا للتحقق قبل المشاركة، وأكثر تشككًا فى أى محتوى يحاول دفعهم نحو الذعر أو الغضب دون تقديم دليل واضح.. هذا الوعى لم يعد حكرًا على النخبة أو المتابعين المتخصصين، بل تحول إلى ثقافة عامة يعبّر عنها كثيرون بعفوية فى تعليقاتهم ومشاركاتهم اليومية.
الخلاصة.. إذا كانت الأشهر الثلاثة الماضية قد أثبتت صلابة الوعى الجمعى المصرى، فإن المعركة لم تنتهِ، وساحتها الأخطر تبقى الفضاء الرقمى الذى يقضى فيه الشباب ساعات طويلة يوميًا.. وهنا لا بد من كلام صريح لا مواربة فيه.
سماسرة الأزمات لا يريدون مصلحتك. كل حساب يدفعك بإلحاح نحو الغضب أو الذعر، دون أن يقدّم مصدرًا موثقًا أو دليلًا قابلًا للتحقق، إنما يتاجر بمشاعرك لخدمة أجندة لا تعرف حقيقتها.
اسأل دائمًا.. من المستفيد؟ حين تجد حسابًا مجهول الهوية، لا تاريخ له، يتصدر نشر «الفضيحة» أو «الشائعات الصادمة» فى كل أزمة، فاعلم أن الاحتمال الأكبر هو أنك أمام أداة فى شبكة تحريضية منظمة، لا أمام «مواطن صحفي» كما يدّعى.
تحقق قبل أن تنقل... المصدر الرسمى - سواء المركز الإعلامى لمجلس الوزراء أو الجهات الحكومية المختصة - بات اليوم أسرع من أى وقت مضى فى الرد على الشائعات بالوثائق.. عادة التأكد من مصدرين على الأقل قبل إعادة النشر ليست ترفًا، بل مسئولية وطنية بسيطة فى متناول أى مستخدم، ولا تستغرق أكثر من دقائق معدودة.
احذر من «التشويش المتعدد»، حين تجد نفسك أمام أكثر من شائعة تنتشر فى وقت واحد - اقتصادية وصحية وأمنية معًا - فاعلم أن هذا بحد ذاته مؤشر على حملة منظمة لا على «مصادفة» إخبارية، والهدف منها إرهاقك نفسيًا حتى تفقد القدرة على التمييز بين الحقيقى والمفبرك.
النقد البنّاء غير التحريض.. من حقك أن تنتقد أى قصور فى الأداء، وأن تطالب بالإصلاح، وهذا فعل مواطنة أصيل لا ينبغى التنازل عنه.. لكن ثمة فارقًا جوهريًا بين هذا النقد المشروع، وبين الانسياق خلف محتوى مصمم خصيصًا لزرع اليأس والغضب الأعمى دون أى أفق للحل أو البديل.
ومن العوامل التى لا ينبغى إغفالها عند تحليل فشل موجة الشائعات الأخيرة، الدور المتنامى الذى لعبه إعلاميون وصناع محتوى شباب فى تفنيد كل شائعة فور ظهورها، بأسلوب مبسط وسريع يخاطب أقرانهم بلغتهم اليومية بعيدًا عن الخطاب الرسمى الجاف.. فحين تنتشر شائعة كفيديو «أزمة الطاقة» أو ادعاءات «بيع الأصول»، لم يعد الانتظار للرد الحكومى وحده هو السبيل الوحيد للتصحيح... إذ بادر كثير من الصحفيين والمؤثرين إلى مقارنة الادعاء بالأرقام الرسمية المعلنة، وتفكيك أسلوب الفيديو المضلل نفسه، وكشف الحسابات التى بدأت نشره لأول مرة، فى نوع من «المناعة الجماعية الرقمية» التى تشكلت تراكميًا عبر سنوات من التعرض لهذا النمط من المحتوى.
هذا التحول يعكس نضجًا مهمًا فى المشهد الإعلامى المصرى.. فالمعركة لم تعد فقط بين جهة رسمية وجهة معادية، بل باتت معركة مجتمعية تشارك فيها قطاعات واسعة من صناع الرأى والمحتوى، بمن فيهم شباب لا ينتمون لأى مؤسسة إعلامية تقليدية، لكنهم اكتسبوا مصداقية لدى جمهورهم عبر الالتزام بالدقة والتحقق بدلًا من مجاراة موجة الإثارة والتسرع فى النشر.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



