الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

ترصدها «روزاليوسف» من حى روض الفرج

حكايات وروايات المصريين مع «زلزال الفجر»

بوابة روز اليوسف

«من شوارع حى روض الفرج العتيق، وتحديدًا من منطقة درب «على الجناينى»، كانت تداعيات «زلزال الفَجر»، الذى شهدته  مصر الأسبوع الماضى؛ واضحة  فى معالم الشوارع هناك».
 


منذ الهزة الأرضية التى استيقظت عليها مصر فى تمام الساعة الثالثة فجر الاثنين الماضى، فكثير من سكان القاهرة والمحافظات المجاورة، استيقظوا على اهتزاز أرضى واضح، إلا أن المفاجأة الحقيقية لم تكن الزلزال نفسه؛ بل إن هواتف عدد كبير من المواطنين «استبقت» الحدث بثوانٍ معدودة، وأصدرت تنبيهًا صريحًا يحذّر من اقتراب هزة أرضية، قبل أن تبدأ الأرض فعليًا فى الاهتزاز.

 

 

 زلزال السويس
 


بحسب البيانات الأولية الصادرة عن جهات الرصد، وقع مركز الزلزال على بُعد نحو 29 كيلومترًا شمال مدينة السويس، وتراوحت التقديرات الأولية لقوته بين 5.3 و5.9 درجة على مقياس ريختر بحسب المصادر المختلفة، فيما أشارت مصادر دولية إلى أن بُعده عن القاهرة يقترب من 100 كيلومتر تقريبًا.
 


وامتدت الهزة لتشعر بها مناطق واسعة تشمل القاهرة الكبرى ومحافظات القناة، وسط حالة من الخوف والترقب لدى المواطنين نظرًا لاستمرارها لثوانٍ عديدة، دون ورود أنباء فورية عن إصابات أو خسائر مادية جسيمة.
 


ورغم أن مصر لا تقع ضمن الأحزمة الزلزالية الرئيسية السبعة المعروفة عالميًا؛ فإن قربها من مناطق نشطة زلزاليًا مثل خليج العقبة وخليج السويس والبحر الأحمر يجعلها عرضة من حين لآخر لهزات متوسطة القوة، وهو ما تؤكده الشبكة القومية المصرية لرصد الزلازل التى يمتد تاريخها لأكثر من 150 عامًا.
 


عقار روض الفرج المنهار
 


محافظة القاهرة، كانت قد أصدرت بيانًا، أكدت خلاله أن مركز سيطرة الشبكة الوطنية للطوارئ والسلامة العامة بمحافظة القاهرة تلقى بلاغًا بسقوط جزئى بالعقار المكون من أرضى و3 طوابق بالمنزل رقم ١٥ شارع الجناينى من مزلقان النجيلى روض الفرج، مضيفة إن الحادث لم يسفر عن أى إصابات أو وفيات. 
 


وأشارت إلى أنه تم إخلاء الأسَر الثلاث القاطنين بالعقار لدى ذويهم وتم التنبيه على رئيس الحى بعمل الصلبات والتحفظات اللازمة لحماية المارة والعقارات المجاورة.
 


فى السياق ذاته؛ قال محمد عبدالنعيم، رئيس حى روض الفرج، إن عقارًا مكونًا من 4 طوابق، بالإضافة إلى الطابق الأرضى انهار فى نطاق الحى، نتيجة الزلزال الذى تعرضت له المنطقة.
 


وبعد ثلاثة أيام من الزلزال، وإخلاء الأهالى من منازلهم، ذهبت «روزاليوسف» تبحث عما حدث لهم، وما مصير السكان المتضررين، بعدما شاهدنا تصريحات المسئولين هنا وهناك على القنوات الفضائية والمواقع الصحفية، وتوجيهاتهم بحل أزمة السكان.
 


«بعد ما نزلنا... البيت بدأ ينهار»
 


«بعد ما نزلنا... البيت بدأ ينهار».. هكذا بدأ رمضان أحمد، العامل البالغ من العمر 52 عامًا، حديثه لـ«روزاليوسف» عن لحظة وقوع الزلزل وما تبعها من خروجه مسرعًا من المنزل مع أفراد عائلته، لتبدأ أجزاء من العقار فى الانهيار بعد دقائق.
 


وأضاف رمضان: «عشنا كارثة زلزال 1992، ولكن ماحدث فى الزلزال الجديد كان مرعبًا وغير متوقع؛ لأنه بمثابة القشة التى دمرت حياة هذه الأسرة وطردتها فى العراء دون حماية».
 


يوحكى رمضان: «منذ نحو 30 عامًا، وفى شقتى تقيم أسرة كاملة تضم زوجتى، وثلاثة أبناء تتراوح أعمارهم بين 10 و19 عامًا، ووالدتى، وشقيقى.. وستر ربنا إن إحنا نزلنا وطلعنا من البيت، وبعد كده البيت كله بدأ فى الانهيار».
 


 «مش عايزين وجبات عايزين شقة»
 


وأكد أن أفراد أسرته لم يصابوا بضرر، لكن الخروج من المنزل كان بداية أزمة جديدة، متابعًا: «منذ إخلاء العقار بعد حضور مسئولى حى روض الفرج والشرطة، فأفراد أسرتى يقضون لياليهم فى الشارع بعد اعتبار المنزل غير صالح للسكن».
 


ويروى ما حدث بعد البلاغات التى قدمها السكان للشرطة والنجدة والحى، قائلًا إن الجهات المختصة حضرت إلى المكان وأثبتت الحالة، إلا أنه عبّر عن استيائه لأنه لم يتبع هذه البلاغات والتحركات حل عملى للأسر المتضررة. مضيفًا: «إحنا بقالنا ثلاثة أيام على الوضع ده... كل اللى جه عبارة عن وجبات وكلام بس».
 


وأكد «رمضان» أن الأسر المتضررة لا تحتاج لوجبات، مضيفًا: «لسنا متسولين، نحن متضررون بكارثة طبيعية دمرت بيتنا»، مستدركًا: «الأهالى تحتاج لحلول عملية وتوفير مكان بديل ينتقل فيه السكان فى أمان، نحن نعيش أسفل العقارات المتضررة الآن والتى أدرجتها الحكومة فى الحصر وقامت بتعليق ورق بأنها تخضع لقرار إزالة، ماذا لو انهارت هذه العقارات ونحن ننام أسفلها.. هتبقى كارثة وأرواح كتير هتموت».
 


 «الحريم هرميها فى الشارع؟!»
 


وبحسب روايته، منح الحى السكان مهلة لنقل متعلقاتهم الشخصية، بينما عُرض عليهم استخدام قاعة مناسبات لحفظ الأثاث، وهو ما اعتبره غير مناسب لإقامة الأسر.
 


«أنا مش باصص لأى حاجة مادية، أنا باصص لمكان ألمّ فيه الناس دى».. حسبما قال رمضان.
 


لا تقتصر الأزمة على أسرة رمضان وحدها. فالعقار يضم عدة أسر، كما امتد تأثير قرار الإخلاء إلى منازل مجاورة، بعد تعليق قرارات على عدد من العقارات فى الحارة.
 


ويقدر «رمضان» عدد المتضررين بنحو 70 شخصًا، بينهم أطفال، بينما ينتظر الجميع معرفة مصير مساكنهم.
 


ورغم أن «رمضان» عايش زلزال عام 1992؛ فإنه يرى أن ما حدث هذه المرة كان مختلفًا.
 


 ويقول: إن سكان المنطقة اعتادوا الاهتزازات الناتجة عن مرور القطارات لقربهم من السكة الحديد، لكن الهزة الأخيرة كانت أشد أثرًا على المبنى.. مضيفًا: «إحنا متعودين على هزة معينة.. لكن المرة دى نزل تراب من السقف، وبعد ما خرجنا بدأ البيت ينهار».
 


ولا يطلب «رمضان» تعويضًا ماليًا بقدر ما يطالب بمأوى مؤقت يحمى أسرته. 
 


ويختتم حديثه قائلًا: «الحريم هرميها فى الشارع؟!... أهم حاجة ألاقى مكان آمن لعيالى وأمى».
 


 «أربع أيام نايمين فى الشارع»
 


فى الثمانين من عمرها، تجلس الحاجة عطيات محمد متكئة على أحد الكراسى فى الزقاق، وبجوارها زجاجة مياه، بوجه حزين تنظر للكاميرا أثناء جولتنا فى درب «على الجناينى»، قائلة: «هتنقلونا خلاص لشقة بدل الشارع»، لم تتخيل السيدة العحوز أن تقضى لياليها على الرصيف بعد أكثر من 22 عامًا أمضتها فى شقتها بمنطقة روض الفرج بحسب حديثها لـ«روزاليوسف».
 


واستعادت الحاجة عطيات لحظات الهزة الأرضية قائلة: «هزّ السرير جامد، وقومنا نجرى وإحنا نايمين، الحمد لله ربنا ستر، لكن بعد ماخرجنا من المنزل، الأثاث والأجهزة المنزلة اتكسرت، البوتاجاز والتلاجة، كل حاجتنا اتبهدلت».
 


تُقيم الحاجة عطيات فى الشقة منذ نحو 22 عامًا، وتقول إنها عاصرت زلزال عام 1992، لكنها ترى أن الهزة الأخيرة كانت مختلفة: «بتاع 92 ماكانش تقيل زى المرة دى.. المرة دى جه علينا تقيل وبهدلنا».
 


بحسب روايتها، منذ إخلاء العقار أصبحت حياة الحاجة عطيات اليومية أكثر صعوبة، فأصبحت تعتمد على الجيران فى أبسط الاحتياجات، قائلة: «بقالنا أربع أيام نايمين فى الشارع.. وبنخش عند الجيران عشان الحمّام».
 


ولا تطلب السيدة المسنة سوى مأوى آمن يؤويها وأسرتها، مؤكدة أن العودة إلى العقار المتضرر أصبح مستحيلًا.
 


 وتختتم حديثها بقولها: «أنا عايزة شقة أقعد فيها أنا وعيالى.. إحنا تعبنا».
 


 «هنجيب إيجار منين؟!»
 


أمّا هبة إسماعيل (44 عامًا)، وهى أم لأربعة أبناء، فتقول إن الهزة الأخيرة كانت أشد وقعًا عليها من زلزال 1992 الذى ما زالت تتذكره منذ كانت طالبة فى المدرسة.
 


وتحكى لـ«روزاليوسف»: «زلزال 92 فاكراه وإحنا راجعين من المدرسة، لكن اللى حصل المرة دى أصعب بمليون مرة.. البيت راح يهتز بينا، وصوت السقف والحمّام وهم بيقعوا كأن فيه قنابل بتفرقع.. كانت لحظات مرعبة».
 


منذ إخلاء العقار، تقول «هبة» إن أسرتها، مثل غيرها من الأسر المتضررة، تقضى أيامها ولياليها فى الشارع، معتمدة على الجيران فى استخدام دورات المياه والحصول على المياه، بينما تتناول الطعام فى العراء.
 


وأضافت: «إحنا مش عايزين نتصور؛ لأننا مش متسولين. إحنا ناس محترمين كنا عايشين فى بيوتنا، وفجأة بقينا فى الشارع».
 


وترى أن ما تحتاجه الأسر ليس المساعدات الغذائية المؤقتة؛ وإنما توفير سكن بديل يضمن لها الاستقرار، لافتة: «إحنا مش عايزين وجبة أو إعانة؛ إحنا عايزين حقنا.. شقة نعيش فيها».
 


وأشارت «هبة» إلى أن زوجها على المعاش، وأن استئجار شقة أصبح فوق قدرة الأسرة، مضيفة: «هنجيب إيجار منين؟! أى شقة دلوقتى مش هتقل عن أربعة آلاف جنيه».
 


وأوضحت أن الحى خصّص مكانًا صغيرًا لحفظ بعض المنقولات، لكنه لا يستوعب أثاث الشقق، قائلة: «الأوضة اللى وفّرها الحى ما تكفيش حتى حاجات المطبخ، فإزّاى هنحط فيها عفش شقة كاملة؟!».
 


وتختتم حديثها بتساؤل عن مصير الأسر بعد إزالة العقارات المتضررة: «دلوقتى بيعملوا حصر للبيوت اللى محتاجة إزالة، طيّب بعد الإزالة هنروح فين؟! مش المفروض يوفروا لنا مكان قبل ما يزيلوا البيوت؟».

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط