من التحدى إلى التكريم الرئاسي.. "نجاة" تعبر ملحمة نجاح الأم المثالية
في أحد شوارع دمنهور الهادئة، بدأت حكاية سيدة لم تر الدنيا بعينيها يوما، لكنها رأت الحياة بقلب لا يعرف الاستسلام.. نجاة أحمد محمد.
روت نجاة قصتها ل" بوابة روزاليوسف"، حيث ولدت كفيفة، وكأن الحياة قررت منذ اللحظة الأولى أن تختبر صبرها، ولم تمض سنوات طفولتها بهدوء، حتى فقدت والدها وهي في العاشرة من عمرها، تاركا خلفه أما و 4 بنات بلا سند، لم يكن هناك أخ، فحملت نجاة، وهي الابنة الكبرى، مسؤولية تفوق عمرها، ووقفت بجانب والدتها لتربية شقيقاتها، حتى كبرن وحصلن على شهادات في التمريض والتجارة.
ورغم إعاقتها، لم تتوقف نجاة عن التعلم، بل أصرت أن تشق طريقها، فحصلت على دبلوم تجارة، متحدية نظرات الشفقة قبل أي شيء آخر، كانت ترفض فكرة الزواج، مقتنعة أن إعاقتها قد تكون عبئا على أي شخص، حتى جاء من غير هذه الفكرة تماما.
تقول نجاة لروزاليوسف: حين تقدم لي زوجي، واجهته بالحقيقة دون تردد "أنا مش ضعيفة النظر.. أنا اتولدت كفيفة"، لكنني فوجئت بتمسكه بي أكثر، لم يكن مجرد زوج، بل كان سندا حقيقيا؛ الأب والأخ قبل أن يكون شريك الحياة، كان يقف معي في المطبخ بعد يوم عمله، يساعدني في إعداد الطعام، ويتابع مع الأولاد دراستهم، بل ويتعلم معهم رغم أنه لم يكمل تعليمه.
وتضيف نجاة، رزقني الله بولدين، إسلام تخرج من كلية الهندسة، وعبدالرحمن مازال يدرس بكلية الطب البشري بجامعة عين شمس، وحلمي الكبير أن أراه قد تخرج بامتياز، وأفرح به كما فرحت بأخيه.
وتكمل حديثها بثقة: "رحلتي ماوقفتش عند بيتي وأولادي، أنا اشتغلت كمان، وربنا كرمني واتعينت في الطب البيطري بمحافظة البحيرة ضمن نسبة الـ5% لذوي الإعاقة، القرار ده كان صعب جدًا، ناس كتير كانت بتقوللي مستحيل تشتغلي، لكن أنا أصريت أجرب".
وتؤكد نجاة: "اشتغلت بكل جد واجتهاد، والحمد لله حبيت شغلي جدا، وكسبت حب واحترام كل اللي حواليا، الشغل كان بالنسبة لي كرامة، وكان يشعرني إني أستطيع مساعدة بيتي وليا دور".
ثم تتنهد قليلًا وقالت: “طبعا الطريق لم يكن سهلا، وقعت كذا مرة، سواء في الشارع أو حتى في الشغل، لكن كل مرة كنت أجد من يساعدني، مع الوقت حفظت الطرق، وبقيت أعرف البائعين، وبقيت أشتري طلبات بيتي اثناء عودتي من العمل. الناس حولي يحبونني ودايما واقفين جنبي”.
وتضيف نجاة: "من أسعد لحظات حياتي إني قابلت الرئيس وكرمني.. حسيت وقتها إن تعبي ما راحش هدر، وإن الدولة شايفانا وبتدعمنا، ده إداني ثقة كبيرة في نفسي، وحسسني إني أقدر أكمل ومااستسلمش".
وتؤكد نجاة بإصرار: "أنا مؤمنة إن النجاح مش حظ، النجاح إرادة.. فاكرة وأنا صغيرة، سمعت واحدة بتقول لبنتها: جارتك اللي ما بتشوفش نجحت وانتي لأ.. الكلام كان صعب، بس كان دافع كبير ليا إني أنجح وأثبت نفسي".
ثم تقول بصوت يحمل مشاعر عميقة: "أسعد يوم في حياتي كان لما ابني اتخرج من هندسة.. ومستنية اليوم اللي أشوف فيه ابني التاني دكتور ناجح، أنا بعرفهم من صوتهم، وكنت اتابع معهم دراستهم مع المدرسين، وكنت دايما عايزاهم يكونوا أحسن ناس".
وتختم رسالتها بهدوء: أقول لكل أم: "ربوا ولادكم على الاحترام والمبادئ، وعلموهم على قد ما تقدروا" وأؤكد على الأولاد أن يسمعوا كلام والديهم، لأنهم أكتر ناس تخاف عليهم وتتمنى لهم الخير.






