اليتيم هو كل طفل فقد والده أو والدته أو كليهما قبل أن يبلغ سن الرشد "البلوغ"، لأنه بذلك فقد رمز الأمان ونبع الحنان في أكثر مراحل حياته احتياجًا لهما، وفي المشهد ذاته نجد الأرملة، الأرمل الذي فقد شريك العمر في نصف الطريق تاركًا له إرث وحمل ثقيل من المسئولية فيما يخص العناية والرعاية وتربية الأطفال الأيتام، وفي هذه الحالة لا يكون الألم حكرًا على اليتيم وحده، بل يمتد ليشمل قلبًا آخر أنهكه الفقد، وكتفًا أثقله حمل المسؤولية.
شهد العالم أمس الأول، يوم الجمعة ٣ إبريل، الاحتفال بيوم اليتيم، ذلك التقليد الإنساني النبيل الذي بدأ كفكرة مصرية خالصة، قبل أن ينتشر ويصبح مناسبة عربية وعالمية يُحتفى بها في أول جمعة من شهر أبريل من كل عام، ويهدف الاحتفاء بهذا اليوم إلى إدخال البهجة والسرور علي قلوب ونفوس الأطفال الأيتام، والتأكيد على أنه يحمل رسالة عظيمة مفادها: "أنهم وإن فقدوا أحد عناصر الأسرة، فهم ليسوا وحدهم، بل تحيطهم أياد وقلوب رحيمة، وأيد حانية تطبطب عليهم وتحاول أن تشعرهم بالأمان، ومجتمع كامل يساندهم ويمنحهم الحب والاحتواء والقوة.
لم تكن فكرة الاهتمام والاحتفاء باليتيم هي وليدة العصر الحديث، بل هي من الركائز الأصيلة في الرسالات السماوية، التي أولت عناية خاصة لهذه الفئة الأضعف والأكثر احتياجًا للرعاية والاهتمام، حيث إن الشريعة الإسلامية لم تنظر إلى اليتيم نظرة شفقة أو إحسان، بل جعلت حقوقه واجبا دينيا واجتماعيا، وقد كشفت السجلات التاريخية عن نماذج من الأيتام غيروا مجرى التاريخ منهم قادة وعلماء وشخصيات مؤثرة، وعلى رأسهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم خير وأشرف خلق الله الذي نشأ يتيماً.
كما ورد ذكر اليتيم في القرآن الكريم في ٢٣ موضعاً، وتنوعت دلالاتها لكي تشكل دستورا متكاملا من أجل حمايتهم ورعايتهم، فهو يقوم على أسس إنسانية رفيعة منها: "الرحمة، العدل، صون الكرامة، حفظ الحقوق.. وغيرها"، بالإضافة إلى أن الله عز وجل قد نهى عن قهرِ اليتيمِ نهيًا صريحًا في كتابه الكريم، حيث قال في سورة الضحى "فأما اليتيم فلا تقهر،" صدق الله العظيم.
كما وضع القرآن الكريم ضوابط وقيودا صارمة في التعامل مع أموال اليتيم، واعتبر التعدي عليها من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، قال تعالى في سورة النساء "إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا"، صدق الله العظيم.
كما بين الله عز وجل أن إهانة اليتيم أو عدم إكرامه وكفالته يعد سببًا في ضيق الرزق ونزول العقاب، في قوله تعالى في سورة الفجر "كلا بل لا تكرمون اليتيم"، صدق الله العظيم.
حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على مخاطبة القلوب قبل الأفعال، من خلال أحاديثه النبوية الشريفة، حيث حث على الرحمة واللين، فقال: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا"، وأشار بالسبابة والوسطى، كما قال في حديثه الشريف: "خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه"، وقوله: "إن أردت أن يلين قلبك فاطعم المسكين وامسح رأس اليتيم"، وغيرها من أقوال وأحاديث نبوية جاءت كي تكشف وتوضح الجانب العاطفي والتربوي في التعامل مع اليتيم.
بعد أن استعرضنا مفهوم اليتيم وما له وما عليه، وكيفية التعامل معه، نجد أن اليتيم ليس الشخص الذي ينقصه أب أو أم، بل هو اختبار على أرض الواقع لمروءة مجتمع بأكمله، كما يؤكد على أن يوم الاحتفال به يحمل في طياته معاني الرحمة والتكافل، ويجدد الدعوة لأن يكون الاهتمام باليتيم نهجًا مستمرًا لا يقتصر على مناسبة أو وقت معين، بل يمتد طوال العام، وذلك حتى يشعر كل يتيم أنه جزء أصيل من هذا المجتمع، له مكانته وقيمته وإنسانيته الكاملة.
ختامًا.. هناك رسائل كثيرة تؤكد على أن يوما واحدا في العام لا يكفي الأيتام.
الأيتام لا يحتاجون أيامًا نتذكرهم فيها، بل يحتاجون إلى قلوب لا تنساهم أبدًا.
الأيتام لا تكفيهم مناسبة عابرة، بل يحتاجون اهتمامًا دائمًا لا ينقطع.
الأيتام لا ينتظرون يومًا في العام للاحتفاء بهم، بل ينتظرون إنسانًا يشعر بهم فى كل يوم وكل لحظة.
الأيتام لا تحتاج أيامًا، بل تحتاج إلى أياد حانية لا تغيب وتحنو عليهم.
الأيتام.. لا تفرق معها الأيام، لكن تفرق معها القلوب والاهتمام.



