الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

"الأرشيف المحرّم".. ماذا تخفي المتاحف العالمية عن أعين الزوار؟

بوابة روز اليوسف

في اللحظة التي يغادر فيها آخر زائر قاعات العرض اللامعة في اللوفر أو المتحف البريطاني، وتُغلق الأبواب الفولاذية معلنةً نهاية يوم العمل الرسمي، يبدأ عالم آخر بالاستيقاظ خلف الجدران.. إنه ما يمكن وصفه بـ عالم غير مرئي.. هنا لا مكان للأضواء، بل يسود صمت مطبق وحراسات مشددة.

 

ملايين القطع الأثرية تعيش في هذا المنفى قسرياً.. وبينما يتفاخر مدراء المتاحف بالواجهات الزجاجية البراقة، تظل الحقيقة القابعة في الأقبية المظلمة تحكي قصة مغايرة تماماً.. ما يراه الزائر مجرد وجه زائف للحضارة، بينما الحقيقة تختبئ في الظلام.. إنها قصة عن توابيت حديثة تسجن التاريخ، وفجوات رقمية، وصراع بقاء مجهري ضد عفن لا يرحم.

 

يستكشف هذا التحقيق ما وراء الستار وما تحت الثرى للمؤسسات الثقافية العالمية، مستنداً إلى تقارير استقصائية دولية كشفت المسكوت عنه في دهاليز المتاحف.

 

92% من كنوز اللوفر في منفى قسرّي

 

تبدأ الحكاية من الفجوة المخيفة التي ترسمها لغة الأرقام.. هذه الأرقام لا تُذكر عادةً في البروشورات السياحية التي توزع على السياح.. ففي الوقت الذي يظن فيه السائح أنه استهلك تاريخ البشرية في جولة مدتها ثلاث ساعات، تشير إحصائيات ونسب موثقة نشرتها صحف دولية مثل نيويورك تايمزوالجارديان إلى واقع صادم.

 

ففي متحف اللوفر بباريس، يُعرض 8% فقط من المقتنيات، بينما تظل النسبة الكاسحة (92%) محجوزة في مخازن سرية محصنة ضد فيضانات نهر السين وتغيرات المناخ المفاجئة.

 

أما في مؤسسة "سميثسونيان" الأمريكية، فإن التقارير السنوية الرسمية تشير إلى أن النسبة تهبط لدرجة كبيرة؛ حيث يُعرض هناك أقل من 1% فقط من أصل 155 مليون قطعة تملكها المؤسسة.. هذا يعني أن 99% من التاريخ المودع هناك يعيش بعيداً عن ضوء الشمس وعيون البشر.

 

هذا التكديس يصل لذروته في المتحف البريطاني؛ تلك المؤسسة التي تضم ما يزيد عن 8 ملايين قطعة أثرية وفنية.. ويرى مراقبون دوليون أن المتحف يعاني من حالة تكديس قهري ثقافي، ولا يصل مجموع مقتنيات اللوفر ومتحف فيكتوريا ومتحف فيكتوريا وألبرت لنصف ما يمتلكه هذا العملاق اللندني وحده.

 

وفي أستراليا، لا يختلف المشهد كثيراً؛ إذ يقر متحف ملبورن في بياناته الرسمية بأنه يحتفظ بنحو 90% من كنوزه بعيداً عن الأعين، في ممرات خافتة الإضاءة ومستودعات لا يدخلها إلا المرممون والباحثون المتخصصون.

 

لماذا تُسجن الآثار؟ 

 

الإجابة تتشعب بين أسباب لوجيستية، وتقنية وفلسفية معقدة للغاية.. لوجيستيا، تعاني معظم المتاحف الكبرى مما يمكن وصفه بـ ضيق التنفس اللوجستي المزمن؛ فالقاعات التاريخية التي بنيت في القرون الماضية لم تعد تتسع للانفجار الهائل في الاكتشافات الأثرية المستمرة. 

 

تقنياً، هناك قطع هشة للغاية لا تتحمل الضوء الصناعي أو الرطوبة المتغيرة في صالات العرض المزدحمة.. المخطوطات القديمة والمنسوجات الرقيقة تتطلب غرفاً مظلمة تماماً لضمان عدم تحللها وتلاشي ألوانها.

 

لكن الجانب الأكثر إثارة للجدل يكمن في الفلسفة التنسيقية.. هنا يقرر الخبراء ما يستحق الرؤية وما يجب نسيانه بعيداً عن الأنظار، حسب صحيفة "الجارديان" البريطانية. 

 

كنوز العالم تتلاشى في صمت

 

خلف الأبواب المغلقة التي نادراً ما تُفتح، لا يسود الهدوء والسكينة دائماً؛ بل هناك حرب بيولوجية صامتة ومستعرة. 

 

تم اكتشاف فئة من الأعفان الفتاكة تُدعى الألياف المتطرفة أو الفطريات المحبة للجفاف.. هذا العدو الميكروبي كسر القواعد العلمية المعروفة؛ فهو لا يحتاج للرطوبة العالية كالأعفان العادية، بل يعيد تشكيل بيئته بنفسه عبر إفرازات كيميائية معينة، محولاً المخازن الجافة إلى بؤر للتحلل والضرر البيولوجي.

 

في متحف روسكيلد بالدنمارك، تحولت المنشآت التي كلف تحديثها ملايين الدولارات إلى بيئة موبوءة تماماً. تسببت في إصابة الموظفين بأعراض تنفسية حادة، كما أدت إلى تآكل المنسوجات الأثرية النادرة.

 

وتشير دراسات علمية بمؤسسة سميثسونيان الأمريكية، إلى وجود مؤشرات قوية تربط بين هذا النوع من العفن والبقع الصدئية التي تشوه لوحة بورتريه ليوناردو دا فينشي.

 

فالاعتراف بوجود العفن بالنسبة للمتحف هو اعتراف بالفشل الإداري والتقني الذي يؤدي فوراً لسحب التمويل. لذلك، تترك الآثار تواجه مصيرها وحيدة في مواجهة ميكروبات نهمة تلتهم التاريخ بعيداً عن أي رقابة شعبية أو إعلامية.

 

ففي كل لحظة، يمكن أن يلتهم الفطر تاريخاً لا يقدر بثمن في صمت القبو.

 

سموم الزرنيخ تقتحم أروقة لندن 

 

هناك مخاطر أخرى كيميائية مدمرة. في مخازن متحف ملبورن، يواجه المرممون ما يُعرف بـ الكنوز السامة؛ بسبب اعتماد تقنيات التحنيط والحفظ قبل قرن ونصف على مواد قاتلة مثل الزرنيخ والزئبق والأسبيستوس.

 

العاملون هناك يرتدون بدلات واقية وأجهزة تنفس متطورة، ويتعاملون مع عينات مميتة بمجرد اللمس أو استنشاق الغبار المتطاير منها.. ما يجعل المخازن أماكن خطرة تتطلب بروتوكولات أمنية تشبه التعامل مع النفايات النووية.

 

والأخطر من السموم الكيميائية هو الخيانة من الداخل، حيث فجرت قضية المتحف البريطاني في عام 2023 فضيحة هزت الثقة العالمية؛ حيث تبين أن خبيراً رفيع المستوى في قسم اليونان وروما قام بسلسلة سرقات ممنهجة، وأتلف وسرق نحو 2000 قطعة من المجوهرات والأحجار الكريمة على مدار ثلاثة عقود، ليبيعها بأسعار زهيدة على مواقع التجارة الإلكترونية.

 

يطرح هذا الاختراق الأمني تساؤلات جدية حول السرقات الصامتة التي قد تمر دون أن يُلاحظها أحد لسنوات طويلة بسبب غياب الجرد الدوري الشفاف للمخازن، حسب "سميثسونيان".

 

بروتوكولات الأمان وخبايا ما وراء الطبيعة

 

كشفت دراسات موثقة في مجلة (Pesquisa FAPESP) البرازيلية أن المخاطر تمتد لتشمل الحشرات الدقيقة؛ فالنمل الأبيض يُعد من أخطر أعداء التراث الخشبي والمنسوجات الأثرية في المخازن. وتشير التقارير إلى أن حماية الآثار تتطلب التحكم في مستويات الإضاءة والرطوبة عبر أنظمة ذكية، مع تركيب أجهزة إنذار متطورة متصلة بغرف المراقبة.

 

في المتاحف الكبرى، يتم تصنيف القطع وفق قوائم أولوية محددة لإنقاذها أولاً في حالات الطوارئ القصوى. على سبيل المثال، يحظى تمثال نفرتيتي الشهير في برلين ببروتوكول حماية خاص جداً.

 

ومع ذلك، فأن ضعف التمويل في المتاحف يحول هذه الأنظمة إلى نقاط ضعف خطيرة؛ حيث يمكن لتقلبات التيار الكهربائي أو حتى تسلل الحشرات إلى الدوائر الإلكترونية الحساسة أن يعطل المنظومة بالكامل.

 

وقد تأتي الكارثة الحقيقية من إهمال بسيط في الفحص الدوري للجان الأمان، مما يحول كنوزاً تاريخية لا تقدر بثمن إلى رماد في لحظات معدودة. 

 

الكنوز السياسية.. 

 

ليست كل الآثار مخفية لأسباب فنية أو أمنية بحتة؛ فهناك أسرار سياسية تُسجن خلف الأبواب المغلقة عمداً.  في الطوابق السرية للمتحف البريطاني، تقبع الألواح المقدسة الإثيوبية المنهوبة؛ يقر المتحف رسمياً بعدم عرضها احتراماً لقدسيتها الدينية، لكنه في الوقت ذاته يرفض إعادتها لموطنها الأصلي . هذا الوضع ينطبق أيضاً على برونزيات بنينومنحوتات البارثينون اليونانية.

 

تتبع متاحف كبرى استراتيجية المماطلة القانونية الممنهجة في ملفات الاسترداد الدولية. وأحياناً، تُستخدم العوامل الجغرافية القاسية لإبعاد التاريخ عن الأعين عمداً، كما نرى في متاحف المتسلق "راينهولد ميسنر" في جبال الدولوميت؛ حيث تختبئ المقتنيات في قمم الجبال ومحطات التلفريك القديمة.

 

 

المعمل المائي وعالم السلال..

 

توجد في المكتبة المائية الضخمة بمتحف ملبورن قرابة 4 ملايين عينة بيولوجية نادرة، محفوظة في سائل الإيثانول داخل جرار زجاجية مرصوصة بعناية.

 

تتطلب إجراءات السلامة الصارمة أن يكون المكان بالكامل مضاداً للشرر الكهربائي، لمنع حدوث أي انفجارات كيميائية مروعة قد تدمر المبنى.. ويدرس العلماء عينات من الحمض النووي المستخرجة من المحيط، محاولين توثيق كائنات قد تنقرض قريباً قبل أن يتمكن البشر من رؤيتها حية.

 

والمفارقة المدهشة التي كشفها تحقيق لشبكة بي بي سي هي طريقة نقل هذه الكنوز؛ حيث يتم نقل بعض أغلى القطع، مثل مجوهرات التيجان أو الآثار الذهبية، أحياناً داخل أروقة المتاحف باستخدام سلال تسوق بيضاوية يدوية الصنع.

 

"الرقمنة" طوق النجاة..

 

برزت تقنيات الرقمنة كحل سحري مقترح لمواجهة أزمات ضيق المساحة والتحلل البيولوجي؛ حيث أتاح المسح الضوئي ثلاثي الأبعاد لمتحف البرازيل الوطني استعادة جمجمة لوزيا الشهيرة والمومياوات المصرية بشكل افتراضي مبهر بعد الحريق المدمر الذي التهم المتحف في عام 2018. 

 

تسمح الرقمنة للجمهور برؤية القطع وهي داخل المخازن المظلمة، كما توفر وصولاً عالمياً فورياً للباحثين دون الحاجة للسفر المكلف وعبور القارات. لكن المحاذير التقنية لا تزال قائمة؛ فالتخزين الرقمي يعاني من مشكلة التقادم التكنولوجي السريع والمستمر. كما تحذر البروفيسورة جيزيل بيجلمان، فإن حفظ النسخ الرقمية للأمد الطويل يتطلب مساحات ضخمة من السيرفرات ومراكز البيانات التي قد تفوق في حجمها واستهلاكها للطاقة مساحة القطع الأثرية المادية نفسها.

 

ويظل التساؤل الفلسفي الذي تطرحه الأوساط الفنية: هل يمكن لشاشة كمبيوتر باردة أن تعوض الهيبة والرهبة التي يشعر بها الإنسان حين يقف وجهاً لوجه أمام تمثال حقيقي؟ لا شيء يضاهي شعور التواجد أمام قطعة أصلية، تنبض بتاريخها الذي لا يُرى أبداً عبر برودة الشاشات.

 

عبر سراديب المتاحف العالمية وكواليسها، نكتشف يقيناً أن ما نراه في صالات العرض هو مجرد قمة جبل الجليد، بينما يُحجب باقي الجبل في الظلام ويُترك فريسة للعفن المجهري أو السرقات الممنهجة أو الإهمال السياسي، ما يحوله إلى تاريخ ميت وظيفياً وفاقد لقيمته المعرفية.

 

لذا، ينطلق اليوم نداء عالمي يتبناه مؤرخون وسياسيون مهتمون بقضايا استرداد التراث، يؤكدون فيه أن الغرض ليس مجرد المحافظة الفيزيائية على القطع، بل استعادتها من المنفى الذي أُودعت فيه قسراً. وهي معركة مهنية وأخلاقية لاستعادة الهوية من عتمة المخازن، قبل أن يأكل الصمتُ ما تبقى من ذاكرة التاريخ.

 

تم نسخ الرابط