أحمد كريمة: المنتحر ليس كافرًا.. ويُغسَّل ويُصلَّى عليه ويظل تحت مشيئة الله
حسم د. أحمد محمود كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف، الجدل الدائر حول الحكم الشرعي للانتحار، مؤكدًا أن المنتحر لا يُحكم بكفره، بل يُعد مرتكبًا لكبيرة من أعظم الكبائر، مع بقائه داخل دائرة الإسلام، وفق ما استقر عليه مذهب أهل السنة والجماعة.
وأوضح كريمة في تقرير فقهي أعده اليوم، وحصلت روزاليوسف، على نسخة منه أن الأصل العقدي لدى أهل السنة يقوم على عدم تكفير مرتكب الكبيرة، وعدم الحكم بخلوده في النار إذا مات على التوحيد، حتى وإن لم يتب، مستندًا إلى ما ورد في كتب التراث المعتمدة مثل شرح العقيدة الطحاوية وشرح العقائد للتفتازاني وفتح الباري.
وأشار إلى أن مرتكب الكبيرة – كالقاتل أو الزاني أو السارق – يُوصف بأنه "مؤمن ناقص الإيمان"، فإن تاب سقطت عنه العقوبة، وإن مات مصرًا على ذنبه كان أمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذّبه ثم أدخله الجنة.
وفيما يتعلق بالانتحار، شدد كريمة على أنه يُعد من أكبر الكبائر، لأنه اعتداء على النفس التي حرّم الله قتلها، مستشهدًا بقوله تعالى: "ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا"، وقوله: "ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق".
كما استدل بالأحاديث النبوية التي توعدت المنتحر بالعذاب، ومنها حديث: "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم".
ورغم شدة هذه النصوص، أكد أستاذ الشريعة أن جمهور العلماء لا يحملونها على التكفير، بل على الزجر والتغليظ، أو على من استحل هذا الفعل، موضحًا أن الاستحلال هو الذي يخرج صاحبه من الإسلام، لا مجرد الوقوع في المعصية.
وأشار كريمة إلى أن أئمة المذاهب الفقهية السنية لم يقولوا بكفر المنتحر، بل اتفقوا على أنه مسلم عاصٍ، يُغسَّل ويُكفَّن ويُصلَّى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين. ونقل عن فقهاء الحنفية، مثل الزيلعي وابن عابدين، وصفهم للمنتحر بأنه "فاسق كسائر فساق المسلمين"، وهو ما أيده فقهاء الشافعية أيضًا.
وفي سياق متصل، بيّن أن المنتحر – من حيث الجزاء الأخروي – يظل تحت مشيئة الله، وليس هناك قطع بخلوده في النار، مستشهدًا بحديث جابر رضي الله عنه، الذي رواه الإمام مسلم، وفيه أن رجلًا قتل نفسه، ومع ذلك غفر الله له بسبب عمل صالح، مع بقاء أثر الذنب عليه، وهو ما يعكس التوازن بين العدل الإلهي والرحمة.. كما استشهد بما ورد في الموسوعة الفقهية الكويتية، التي أكدت أن المنتحر لا يخرج من الإسلام، وإنما يُعد فاسقًا لارتكابه كبيرة.
وفي ختام تقريره الفقهي، رفض كريمة الآراء التي ذهبت إلى تكفير مرتكب الكبيرة أو الحكم بخلوده في النار، كما هو الحال عند بعض الفرق مثل الخوارج والمعتزلة، مؤكدًا أن هذه الأقوال مخالفة لما استقر عليه جمهور أهل السنة والجماعة، وتعتمد على استدلالات وصفها بالضعيفة.
ويأتي هذا الطرح في إطار التأكيد على المنهج الوسطي في تناول القضايا الشائكة، حيث يجمع بين التحذير الشديد من جريمة الانتحار باعتبارها من الكبائر، وبين عدم إخراج مرتكبها من دائرة الإسلام، مع ترك أمره إلى الله تعالى.





