الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

تلعب مصر الأدوار الكبرى بحكم التاريخ وبدوافع الجغرافيا. 
 


المسئولية ليست فقط قرارًا، لكن هى كثيرًا ما تكون قدرًا يفرض نفسه، لتقنع به الدول الكبرى فلا ترفع الصوت هنا، ولا تطلب اللقطة هناك. 
 


 فى القاهرة إدارة رشيدة وجيش هو الآخر كذلك. 
 


على مر التاريخ، عندما بدأ التاريخ المصرى قبل التاريخ، لم تخضع القاهرة لكل ما واجهها من ضغوط، تمامًا كما لم تتحرك إلا بخطى محسوبة، وخطوات مدروسة، لتطفئ نارًا هنا، أو تمنع حريقًا هناك. 
قدر الكبير أن يكون كبيرًا. 


-1-
 


لم يحدث أن اعتدت مصر، ولم يسبق أن أضمرت فى نواياها سوءًا، أو فى قرائرها ضغينة. 
 


احسب التاريخ، منذ أن بدأ التاريخ، لم يحدث أن كانت مصر سببًا فى أزمة، ولم يحدث أن تخلت مصر عن قضية عادلة خصوصًا قضايا العرب.
 

 
لمصر بحكم الجغرافيا أبعاد على اتجاهات أربعة. وهى بحكم الجغرافيا عربية أفريقية، بروح قادمة من أمد سحيق، فى الطريق لمستقبل ترسمه الخطى الثابتة، والقرار السديد. 
 


حملت مصر قضايا العرب على العين وعلى الرأس، تمامًا كما حملت قضايا القارة السمراء، فوق الأرض وتحتها، ومدت الأيادى، رغم الظروف، بالتنمية، وإقرار المبادئ، والفصل بين الغرماء. 
 


فى المسألة الأفريقية كانت لمصر يد عليا، وفى المسألة العربية كانت لمصر يد ودودة حافظت وحفظت.. ورعت وراعت.. وهى باقية على العهد. 
 


فى المسألة الفلسطينية كانت مصر الضامن.. وكانت القاهرة الأساس فى التمسك بحقوق مشروعة، رافضة لكل ما أحيك من المؤامرات، ومجهضة لكل ما حاول بعضهم غزله من محاولات التفاف. 
 


مرت على الأمن العربى القومى خطوب كثيرة. 
 


 لم تكن التهديدات الإيرانية الوحيدة فى إقليم يسكنه العرب، كان مسرحًا عالميًا للأطماع مرة من الشرق ومرات من الغرب. 
 


فى حربى الخليج الأولى والثانية، نبع الموقف المصرى الحاكم وقتها من مشاعر مسئولية تاريخية.. معتادة ومعروفة ومقبولة ومقدرة. 
 


ربما كانت أمور كثيرة قد تتعثر وقتها، لو لم تمسك القاهرة بأوراق القضية، ولو لم تركب الزمن سباقًا مع الريح لحلول سريعة ناجعة.. أعادت الحق لأصحاب الحق. 
 


طوال تاريخها، ومصر تخوض حروبًا دفاعًا عن العرب، وتبدر رجالها على الأرض مضرجين فى دماء زكية دفاعًا عن قضايا العرب.
 


ليست شوفينية ولا كلامًا والسلام. 
 


راجع ما هو مكتوب فى مناهج التاريخ فى مدارس العرب من المحيط للخليج. راجع ما تعلمه أبناء العرب فى مدارس الدقى والمنيل وجامعات الجيزة وعين شمس. 
 


لا يمكن أن ينكر من فى رأسه عقل وفى قلبه دماء أن مصر كانت الضامن، وأن القاهرة كانت حائط الصد الأول.. وحائط الصد الأخير فى كل ما أحاط بمنطقة العرب ودول العرب وبلدان العرب من ملمات.. وملمات العرب كبيرة.
ربما على مواقع التواصل بعضهم لا يعرف.
 


وربما هنا أو هناك بعضهم لا يفطن. 
 


لكن على كل، لا يكتب التاريخ بعض أهواء على مواقع التواصل، ولا تُرسم المقادير ببعض من تعاريج السوشيال ميديا.
 


تبقى المسئولية قرارًا.. وتبقى الحكمة عادة مصرية. 
 


-2-
 


إضافة سلام جديدة لمصر بإنجاح إقرار الهدنة فى الحرب الأمريكية الإيرانية. 
 


بحكم الدور وبمنطق الرشد، فإن القاهرة كما هو مشهود لها إقليميًا ودوليًا وسيط شريف رشيد محب للسلام، وداع فى كل الأحوال لإسكات الحروب، وحل النزاعات، ووأد الفتن. 
 


رغم القدرة، يبقى الرشد حاكمًا ضامنًا، فى إقليم شديد التعقيد، ترى القاهرة فيه أن الطريق الأولى والأول فيه إطفاء الحرائق ودفن محاولات استنزاف الدم مرة بالسلاح ومرة بالوقيعة.. ومرات بالكلام المرسل وحروب «بوستات» مواقع التواصل. 
 


لا يخفى ما لعبته القاهرة من أدوار فى الأزمة الأخيرة، بحكم قدراتها وعلاقات مؤسساتها مع أطراف الأزمة، والأطراف المحيطين بأطراف الأزمة. 
 


لا يخفى أيضًا ما استطاعت القاهرة دفع واشنطن إليه من تأجيل قرارات كانت قد اتُخذت فى الولايات المتحدة، لم تكن فقط ليست محمودة العواقب، إنما كانت كما رأت القاهرة فيها مزيدًا من صب براميل الزيت على نار تشتعل، بمزيد من تهديدات وجودية للإقليم، ومزيد من مستنزفات لا طاقة لأحد بها، فى حرب تغذى نيرانها نبرة معادلات صفرية تتصاعد من طرف هنا وطرف هناك. 
 


فى الصحافة الأمريكية تكلموا عن الدور المصرى فى تأجيل منتويات الرئيس ترامب، على أمل إيجاد مزيد من السبل لحلول نهائية وقفًا للتصعيد. 
 


فى الهدنة الأخيرة، لعبت القاهرة دورًا آخر، بجهود جبارة أخرى، استمرت على قدم وساق، إلى أن استطاعت فى الساعات الأخيرة إنجاز اتفاق على إيقاف إطلاق النار. 
 


فى الصحافة الأمريكية تكلموا أيضًا بإسهاب عن مواقف القاهرة، وعن ثقلها بين باقى الوسطاء، وعن قدرة مؤسساتها على الانتقال من نقطة إلى نقطة، ومن بند إلى بند، بدبلوماسية من طراز خاص آلت إلى ما انتهت إليه الأمور. 
 


-3-
 


تعرف مصر بالشواهد وبالممارسة وبالتاريخ.. مآلات الحروب، وأوجاعها، وآلامها.. وتعرف آثامها أيضًا. 
 


فى حروبها، لم تدخر مصر جهدًا ولا دمًا.. ولا رغيفًا. 
 


ومصر تعرف أنه فى أوقات الحرائق، فإن الأجدى البحث عن تراب الإطفاء، لا مزيد من زيت ومشاعل.
 


ليست الحروب لعبة، وأن الأنواء ليست كمزادات التجارة يكسب فيها من يرفع الأسعار. 
 


فى عالم تغيرت فيه الخرائط، لا بد لصاحب القرار مزيد من دراسة الخرائط قبل خطوات التحرك واتجاهات الفعل. 
هى ليست شوفينية مرة أخرى، لأن فى الجوانب المقابلة من خيارات التهدئة، هناك دائمًا من يسعى لمزيد من إضرام النار بمزيد من المشهيات، وكثير من الكلمات الرنانة على الهواء على شاشات التليفزيون، أو فى مؤتمرات الساسة.. أو فى أحاديث رجال الأعمال. 
 


لا ترضى القاهرة بأن تدار السياسة بأفكار لا يعرفها إلا رجال الأعمال فى المدن الأمريكية.
 


ولم يحدث أن رضيت ولا ارتضت.. أوضاعًا مائلة.. وظروفًا مقلوبة. 
 


يقول العرب: لم يبق فى قوس السهم منزع.
 


وعلى خريطة المنطقة، لم يبق فى الأجواء رفاهية المغامرة، ولا مساحات للتخاذل فى المضى فورًا وحالاً وآنيًا إلى تهدئة أى نزق وإحباط أية حسابات خاطئة. 
 


تعرف القاهرة جيدًا كيف تستوعب الخطوب، الوقتية منها، والمستقبلية، كما يعرف قادة الطائرات المهرة.. كيف يدخلون مطبات الهواء.. ويخرجون بسلام.
 


لا يعلم من لم يتعلم من دروس التاريخ. 
 


دروس التاريخ على المشاع، لا يحتكر التاريخ فرد.. ولا يحبس التاريخ حابس.  
 


رشد القاهرة علامات، نصفها من الجغرافيا.. ونصفها الآخر من التاريخ. 
 


لذلك فإنها للجميع.. مصر للجميع.. لأبنائها.. وللعرب. 
 

نقلًا عن مجلة صباح الخير

تم نسخ الرابط