رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

فى ذكرى تحرير سيناء لـ44

حين تحوّل العلم إلى سلاح.. العميد درويش.. قصة عقل هندسي في قلب معركة النصر

بوابة روز اليوسف

من تحت الأرض إلى سماء النصر.. حكاية ضابط دفاع جوي في قلب معركة أكتوبر

 

لم يكن يدرك وهو الشاب القادم من مقاعد الكلية الفنية العسكرية عام 1970 أن القدر يخبئ له دورًا استثنائيًا في واحدة من أعظم لحظات التاريخ المصري.. بعد أكثر من نصف قرن يجلس العميد درويش أحمد درويش بهدوء يستعيد تفاصيل لم تغب عن ذاكرته يومًا .

يقول بصوت ثابت: بعد 53 سنة… ما زالت الأحداث أمامي وكأنها تحدث الآن. ثم يبتسم : التحقت بالكلية الفنية العسكرية عام 1965، وتخرجت مهندسًا متخصصًا في توجيه صواريخ الدفاع الجوي كانت البلاد آنذاك تعيش واحدة من أصعب مراحلها… حرب الاستنزاف حيث لم يكن هناك بعد ما يُعرف بحائط الصواريخ.

 

ويستطرد البطل: أول تكليف لي كان في كتيبة صواريخ سام-2، متنقلًا بين مرسى مطروح وطنطا، قبل أن أصل إلى الجبهة ضمن تشكيلات الجيش الثالث الميداني. لم يكن أحد يتحدث عن حرب قادمة، فقط تدريب شاق وانتقالات مستمرة واستعداد دائم لمواجهة مجهولة.

6 أكتوبر… لحظة لم تكن متوقعة

يحكي بطل أكتوبر عن أيام المجد انه في ظهيرة السادس من أكتوبر 1973 وبينما كان يؤدي واجب العمليات جاءت الأوامر المفاجئة:

“النيران مقيدة… لا إطلاق على أي هدف جوي”ثم في تمام الثانية ظهرًا حدث ما لم يكن في الحسبان… عشرات الطائرات المصرية تعبر القناة على ارتفاع منخفض.

يصف اللحظة قائلًا:

“كنا نرى الطائرات فوقنا… ولم نكن نصدق. لم نكن نعرف أن الحرب بدأت” وبعد عودة آخر طائرة مصرية جاءت التعليمات الجديدة:

“النيران حرة” هنا فقط أدركنا أن المعركة قد انطلقت ومع بداية الرد الإسرائيلي.. بدأ الاشتباك الحقيقي. لكن اللافت لم يكن فقط القتال بل طريقة التفكير داخل المعركة.

يشرح اللواء كيف طور أداءه: بدلًا من إطلاق ثلاثة صواريخ لكل هدف كما تقضي التعليمات قررت الانتظار حتى تدخل الطائرة “منطقة التدمير المؤكد” مستفيدًا من لحظة مناورة الطيار الإسرائيلي ثم نقوم بإطلاق صاروخ واحد أو اثنين. والحمد لله حصلنا على موافقة القيادة على هذا الأسلوب.

والنتيجة كانت مذهلة: 33 صاروخًا فقط مقابل 18 طائرة إسرائيلية تم إسقاطها.

يقول بابتسامة خفيفة:

“ده كان اقتصاد في الصواريخ… وفكر قتالي اتولد جوه المعركة”وتم تعميمه فى العمليات بعد ذلك

 

حائط الصواريخ… الحصن الذي حمى العبور

 

من 6 إلى 14 أكتوبر  لم تستطع الطائرات الإسرائيلية اختراق حائط الصواريخحتى صدرت تعليمات من القيادة الإسرائيلية بعدم الاقتراب لمسافة 15 كم من القناة.

في تلك الأيام كان دورحائط الصواريخ  حاسمًا.. حماية قوات العبور والدبابات والمشاة وكل من عبر إلى سيناء.

ويستطرد بطل أكتوبر: في 14 أكتوبر تغيرت المعركة. في هذا اليوم تعرضت القاعدة لهجوم جوي عنيف أدى إلى تدمير أجزاء منها خاصة منظومة الهوائيات. لكن الأخطر جاء لاحقًا مع ثغرة الدفرسوار.

لم تستطع إسرائيل كسر حائط الصواريخ جوًا، فحاولت تدميره برًا بالدبابات.

واستكملنا حتى تحقق النصر واستعدنا الأرض بفضل القيادة الحكيمة والرجال الشجعان

 

حياة مؤجلة… وأسرة بعيدة

 

وعن حياته الشخصية يشير بطل أكتوبر أن الهم الأكبر كان تحرير الأرض…لا وقت للحب ولا للحياة الشخصية. وكانت أسرته قد تم تهجيرها بعد 1967، ولم تكن تعلم عنه شيئًا..لا رسائل ولا اتصالات… فقط انتظار.

كان من الممكن أن يظنوا أنه استشهد… ولم تكن هناك وسيلة لمعرفة الحقيقة.

بعد النصر عاد لاسرته وتزوج عام 1974، وأنشأ أسرة، وأنجب ثلاثة أبناء وأحفادًا.

وواصل مسيرته العلمية والعسكرية حتى أصبح من أوائل خريجي دورات أركان الحرب في تخصص الدفاع الجوي.

وبعد سنوات تم استدعاؤه لإلقاء محاضرة عن تجربته، لنقل خبراته إلى الأجيال الجديدة.

لكن إصابة في العمود الفقري جعلته قعيد كرسي متحرك، وحالت دون ذلك.

يقول بأسف هادئ:“كنت أتمنى أن أنقل لهم كل التفاصيل… لأنها خبرة اتعملت في المعركة مش في الكتب. فالنصر مش بس سلاح ده عقل وتفكير وقدرة على التطوير حتى في أصعب الظروف.”

العميد درويش… مسيرته ليست مجرد حكاية ضابط، بل قصة جيل كامل قاتل بعلمه قبل سلاحه وصنع النصر بإرادته فاستحق التكريم من كل مصرى.

تم نسخ الرابط