"فورين بوليسي": غاز الهيليوم.. حرب إيران تخنق أحد أهم مدخلات صناعة الرقائق والذكاء الاصطناعي
أكدت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أنه في حين قد تكون الولايات المتحدة وإيران خرجتا من مرحلة المواجهة المباشرة بعد تثبيت هدنة في حرب استمرت لأسابيع، إلا أن تداعيات هذا الصراع على الاقتصاد العالمي لا تزال تتفاقم. فإلى جانب اضطرابات أسواق النفط والغاز الطبيعي ووقود الطائرات ومعادن، مثل التنجستين والكبريت والأسمدة، يبرز حاليا عنصر صناعي حاسم غالبا ما يتم إغفاله، وهو: غاز الهيليوم.
وأوضحت المجلة أن كثيرين لا يدركون أهمية الهيليوم الكبيرة، فهذا الغاز الخفيف عديم اللون يشكل ركيزة أساسية في تقنيات متقدمة من أشباه الموصلات إلى الأجهزة الطبية الدقيقة.
ويؤكد خبراء الصناعة أن غيابه قد يخلف آثارا اقتصادية هائلة، إذ يدخل في تشغيل المغناطيسات فائقة التوصيل المستخدمة في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، وفي تصنيع الرقائق الالكترونية التي تقوم عليها معظم الصناعات الحديثة.
وأشارت المجلة إلى أن الحرب في منطقة الشرق الأوسط، وما رافقها من استهداف للبنية التحتية للطاقة، وجهت ضربة قوية لتجارة الهيليوم العالمية، حيث أن هذا الغاز يستخرج أساسا كناتج ثانوي لإنتاج الغاز الطبيعي، ما يجعل إمداداته مرتبطة مباشرة باستقرار هذا القطاع.
وبينت المجلة أن قطر، ثاني أكبر منتج عالمي للغاز الطبيعي المسال، كانت تمثل قبل اندلاع الحرب نحو ثلث إمدادات الهيليوم عالميا، غير أن استهداف منشأة رأس لفان (أكبر مجمع للغاز الطبيعي المسال في العالم) أجبر شركة "قطر للطاقة" على وقف الإنتاج وإعلان حالة "القوة القاهرة"، ما أدى إلى تقليص صادراتها السنوية من الهيليوم بنسبة ملحوظة.
ووفقا للمجلة، لم تتوقف الأزمة عند الانتاج، إذ تواجه الصادرات أيضا صعوبات في مغادرة المنطقة، فمعظم شحنات الهيليوم القطرية تمر عبر مضيق هرمز، الذي تحول إلى نقطة اختناق بحرية بفعل التوترات والقيود المتبادلة، ما دفع الأسعار الفورية للهيليوم إلى الارتفاع الحاد مع توقعات بمزيد من الضغوط نظرا لتأخر سلاسل النقل، وطبيعة السوق التي تعتمد في الغالب على عقود طويلة الأجل.
ولفتت "فورين بوليسي" إلى أن المشكلة تتفاقم بصورة كبيرة بسبب الخصائص الفيزيائية الفريدة للهيليوم، التي تجعل تخزينه مسألة معقدة.. فالغاز لا ينقل دوليا إلا في حالته السائلة عند درجات حرارة منخفضة للغاية تقارب أربع درجات كلفن، ما يجعله سلعة "قابلة للتلف" نسبيا، ويحد من قدرة الدول على تكوين مخزونات استراتيجية طويلة الأمد.
وفي هذا الصدد، نبهت المجلة إلى أن الولايات المتحدة، التي تعد أكبر منتج عالمي للهيليوم، كانت قد أدركت أهمية هذا المورد منذ قرن تقريبا، فأنشأت احتياطيات استراتيجية في ولاية تكساس الأمريكية لدعم الاستخدامات الصناعية والعسكرية.
غير أن هذا النهج تغير في تسعينيات القرن الماضي مع التوجه نحو خصخصة الاحتياطي بدافع تقليل التكاليف الحكومية وتحفيز السوق.. ومع اكتمال بيع المخزون بحلول عام 2024، لم يعد لدى الحكومة الأمريكية احتياطي استراتيجي يذكر، وهو ما يثير اليوم نقاشا متجددا حول ضرورة بناء مخزون جديد في ظل مخاطر اضطراب الإمدادات.
وبالمثل، تتصاعد حاليا الدعوات عالميا لتعزيز المخزونات الاستراتيجية من الهيليوم.. ففي آسيا، طالبت جهات صناعية في جزيرة تايوان بزيادة احتياطياتها من الهيليوم والغاز الطبيعي، في ظل اعتمادها الكبير على الإمدادات الخارجية.
وشددت المجلة الأمريكية على أن خطورة الأزمة تكمن في أن الهيليوم عنصر لا غنى عنه في صناعة أشباه الموصلات، التي أصبحت العمود الفقري للاقتصاد العالمي خلال العقد الماضي، فالرقائق الإلكترونية أساس تشغيل كل شيء تقريبا، من الهواتف الذكية إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، بل وحتى التطبيقات العسكرية المتقدمة.
ويستخدم الهيليوم في مراحل متعددة من تصنيع هذه الرقائق، سواء في تبريد المعدات الحساسة أو في الحفاظ على بيئة إنتاج خالية من الشوائب.
ومع تسارع الطلب العالمي على الرقائق، خاصة مع الطفرة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، من المتوقع أن يرتفع الطلب على الهيليوم بشكل كبير خلال السنوات المقبلة، إذ تشير تقديرات إلى أن احتياجات صناعة أشباه الموصلات من هذا الغاز قد تتضاعف عدة مرات خلال العقد القادم، ما يضع مزيدا من الضغط على سلاسل الإمداد.
ورأت "فورين بوليسي" أنه رغم استمرار الهدنة حتى الآن بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إلا أن إغلاق مضيق هرمز لا يزال قائما، ما يعيق عودة الإمدادات إلى طبيعتها.
وحتى في حال إعادة فتح المضيق، يتوقع الخبراء أن يستغرق الأمر عدة أشهر قبل استقرار السوق، نظرا لتعقيدات النقل وإعادة تشغيل سلاسل التوريد، ما من شأنه ارتفاع تكاليف الانتاج في صناعة الرقائق، وبالتالي تأثيرات متسلسلة تمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، في وقت يعتمد فيه العالم بشكل متزايد على التكنولوجيا المتقدمة.
وأخيرا، تظهر أزمة الهيليوم الحالية مدى هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، وكيف يمكن لنقطة اختناق جغرافية واحدة أن تحدث اضطرابا واسع النطاق، خاصة مع تزايد الاعتماد على التقنيات الرقمية، الأمر الذي يؤكد ضرورة تأمين الموارد الحيوية، مثل الهيليوم باعتبارها ضرورة استراتيجية لضمان استقرار الاقتصاد العالمي.



