ضمن فعاليات مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير في دورته الثانية عشرة عرض الفيلم المصري “احتراق الصورة” كأحد المشاريع السينمائية لدفعة التخرج من مدرسة سينما جيزويت الإسكندرية.
الفيلم من بطولة كل من: ناجي شحاتة، أنجيلا فادي، إسراء أسامة، عمرو محمد سعد، محمد فؤاد، ومن إخراج أحمد فايز الذي اشترك في كتابة السيناريو مع حسام رستم، وتدور أحداثه في ليلة رأس السنة، حيث يعيش مدرس متقاعد حالة من العزلة والوحدة داخل شقته، لكن تتغير أجواء ليلته عندما ينظر من العين السحرية للباب، ويلاحظ محاولة دخول فتاة ليل إلى إحدى الشقق المجاورة لشقته، يتابعها
المدرس الذي قدم دوره "ناجي شحاتة" ويحاول أن يقترب منها، وأن يثنيها عما تفعل، ليس بدافع الفضول، بل رغبة منه في منعها من استباحة جسدها، فيحدث بينهما حوار يكشف رؤيتين متناقضتين للعالم، حيث يرى المدرس أن الجسد لا يجب أن يكون سلعة، وأن العلاقات الإنسانية لا ينبغي أن تُختزل في مقابل مادي، بينما تواجهه الفتاة برؤية أكثر قسوة وواقعية، معتبرة أن ما يسميه حبًا له ثمن، وأن الحياة نفسها تفرض هذا المنطق.
ومع تصاعد المواجهة، لا تبدو الفتاة وحدها موضع التساؤل، بل يظهر المدرس نفسه كشخصية هشة، متصدعة نفسيا، وكأن محاولته لإنقاذها ليست إلا محاولة لإنقاذ ذاته من فراغه الداخلي.
في “احتراق الصورة”، لا تبدو المواجهة بين رجل وفتاة، بقدر ما هي صدام بين عالمين: عالم يحاول التمسك بصورة مثالية عن الإنسان، وآخر يعترف بأن كل شيء -حتى المشاعر- له ثمن، لذلك فإن
ما يطرحه الفيلم يتجاوز حدود الحكاية الفردية، وربما لا يقدم إجابة واضحة، لكنه يتركنا أمام حقيقة مفادها أن محاولتنا تغيير الآخرين أحيانا تكون بالأساس محاولة لإنقاذ ما تبقى فينا.
ويأتي ختام الفيلم ليكثّف هذه الفكرة في لحظة شديدة الصدق، حين تنسحب الفتاة إلى سيارتها، في انكسار، وفي الخلفية صوت "سعاد ماسي" تغني أغنية (نبكي) والتي تقول كلماتها
“نبكي بدموع ما تبان في عينيا… ليل مع نهار
غير ربي اللي داري بيا… في قلبي شاعلة نار”
في تلك اللحظة، تتجرد بائعة الهوى من صلابتها المصطنعة، لتواجه نفسها بالضعف الذي تخفيه بداخلها طوال الوقت.
واللافت في أداء ناجي شحاتة لا يرتبط فقط بموهبته التي بدأت تتشكل في السنوات الأخيرة، أو حضوره الذي يفرض نفسه بهدوء، بل بالخلفية التي يحملها بعيدا عن التمثيل، كونه في الأساس مدرسًا، وهو ما يمنحه صدقًا خاصًا في هذا الدور بالتحديد، ولا سيما في مشهد المواجهة مع بائعة الهوى، وهو ما منح الشخصية قدرًا كبيرًا من الطبيعية والصدق.
وجاء الفيلم تحت إشراف فريق عمل ضم مجموعة من صناع السينما الشباب، من خريجي مدرسة سينما جيزويت الإسكندرية الذين استطاعوا من خلال فيلمهم خلق مساحة للتجريب بعيد عن حسابات السوق، والمفارقة أن هذه التجارب، رغم صدقها، لا تجد طريقها بسهولة إلى الجمهور، وكأنها محكوم عليها أن تعيش داخل دوائر المهرجانات فقط.



