الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

هل يتآكل تحالف الأطلسى تحت ضغط الأزمات

تصدع العلاقات الأمريكية الأوروبية

بوابة روز اليوسف

أسبوع شديد الحساسية مر على العلاقات عبر الأطلسى، حيث اتسم بتصاعد غير مسبوق فى حدة الخطاب الأمريكى تجاه «أوروبا»، وذلك مع تبنى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب؛ لهجة أكثر صرامة تجاه الحلفاء التقليديين، سواء على المستوى الأمنى أو الاقتصادى.  وفى المقابل، بدت أوروبا فى حالة ارتباك استراتيجى شديد، لكنها سعت إلى التوحد فى مواجهة ضغوط واشنطن المتزايدة، رغم ما تكشفه الوقائع عن عمق الانقسامات داخل القارة العجوز؛ بشأن كيفية التعامل مع قرارات الإدارة الأمريكية.

حرب «إيران» الكاشفة

لم تكن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على «إيران» مجرد تصعيد إقليمى محدود، بل تحولت إلى نقطة انعطاف كبرى، أعادت طرح أسئلة جوهرية حول تماسك التحالف الغربى «أمريكا-أوروبا»، كشفت هذه الحرب -منذ لحظاتها الأولى- عن فجوة عميقة ومتجذرة بين الرؤية الأوروبية القائمة على الحلول الدبلوماسية، وبين النزعة الأمريكية المتزايدة نحو التحرك الأحادى وفرض الوقائع بالقوة.

ومع تصاعد العمليات العسكرية، وجدت العواصم الأوروبية نفسها فى موقع المتلقى لقرارات لم تُستشر فيها، ما دفع العلاقات عبر الأطلسى إلى مرحلة غير مسبوقة من التوتر، خاصة مع عقد إدارة «ترامب» ترتيبات منفردة لإدارة الصراع والتفاوض، حتى وإن جاءت على حساب المصالح الأوروبية، سواء فى ملفات الطاقة أو الاستقرار الإقليمى. 

الأكثر إثارة للريبة، هو عدم تبنى «أوروبا» موقفًا موحدًا للتعامل مع الولايات المتحدة، إذ أظهرت ردود الفعل الأوروبية على الحرب تباينًا واضحًا فى المواقف. 

بريطانيا

تبنت الحكومة البريطانية موقفًا براجماتيًا؛ يجمع بين الدعم الدفاعى للولايات المتحدة والدعوة إلى خفض التصعيد، مع التأكيد على عدم المشاركة المباشرة فى الضربات.

 فرنسا

تبنت باريس خطابًا قانونيًا أكثر صرامة، محذرة من تقويض الشرعية الدولية، مع الدفع نحو تحرك دبلوماسى داخل مجلس الأمن.

 

 ألمانيا

موقف «برلين» هو الأكثر تعقيدًا؛ إذ أبدت فى البداية تفهمًا نسبيًا للعملية باعتبار «إيران» تهديدًا أمنيًا، قبل أن يتصاعد التوتر السياسى بينها وبين «واشنطن»؛ وذلك على خلفية انتقادات ألمانية للنهج الأمريكى الأحادى.

وتطور هذا الخلاف إلى مؤشرات على توجه ألمانى متزايد نحو تقليل الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية؛ وتعزيز الاستقلال الدفاعى الأوروبى.

 جنوب أوروبا

اتجهت مواقف دول جنوب أوروبا نحو مزيد من الانتقاد، حيث رفضت «إسبانيا» استخدام قواعدها العسكرية فى العمليات، وأبدت «إيطاليا» تحفظات قانونية على الضربات. 

وعلى النقيض، دعمت «بولندا» وعدد من دول «أوروبا الشرقية» التحرك من منظور أمنى مرتبط بتحالفها الوثيق مع «الولايات المتحدة».

وتعكس هذه المواقف مشهدًا أوروبيًا منقسمًا، وتكشف -فى الوقت ذاته- محدودية التأثير الأوروبى المباشر فى مجريات الصراع، مقابل تصاعد التوتر مع الحليف الأمريكى.

 الرد الأمريكى 

لم يتأخر ترامب فى الرد على أوروبا، حيث لوح بإعادة النظر فى الوجود العسكرى الأمريكى داخل أوروبا، بما فى ذلك التلويح بسحب جزء من القوات الأمريكية المتمركزة فى ألمانيا، فى خطوة اعتبرتها دوائر أوروبية مساسًا مباشرًا بمنظومة الردع الجماعى داخل حلف (الناتو). 

ولم تتوقف الضغوط عند البعد العسكرى، إذ شملت -أيضًا- توجيه انتقادات حادة لإسبانيا؛ وتهديدها بإجراءات عقابية على خلفية رفضها استخدام قواعدها العسكرية فى العمليات المرتبطة بالحرب ضد إيران.

كما امتدت أدوات الضغط إلى الجانب الاقتصادى، عبر التلويح بفرض رسوم جمركية على عدد من الدول الأوروبية، فى إطار سياسة أكثر تشددًا تجاه الشركاء التقليديين للولايات المتحدة.

بعيدًا عن أزمة إيران

لا يمكن النظر إلى التباينات «الأوروبية-الأمريكية» بشأن الحرب فى إيران باعتبارها حالة استثنائية، بل تأتى ضمن سياق أوسع من التوترات المتراكمة بين الجانبين، والتى تعكس تحوّلاً تدريجيًا فى طبيعة العلاقة عبر الأطلسى.

ففى المـلف الفلسطينـى، بـــرزت فجـوة لا تقل عمقًا فى موقف الجانبين من العدوان الإسرائيلى على غزة والتصعيد فى الضفة الغربية. 

فبينما واصلت واشنطن تقديم دعم سياسى وعسكرى شبه غير مشروط لإسرائيل، اتجهت عدة عواصم أوروبية إلى تبنى خطاب أكثر انتقادًا، ركز على ضرورة الالتزام بالقانون الدولى الإنسانى؛ ووقف العمليات العسكرية التى تستهدف المدنيين، بل ونادى بعضهم بإقامة دولة فلسطينية.

وفى المجال الجيوسياسى، برزت أزمة السيادة على جزيرة «جرينلاند» كأحد أبرز مظاهر هذا التوتر، بعد إشارات وضغوط أمريكية اعتُبرت فى «أوروبا» مساسًا مباشرًا بسيادة «الدنمارك»، ما دفع «الاتحاد الأوروبى» إلى تبنى موقف موحد نسبيًا دفاعًا عن أحد أعضائه، فى سابقة عكست استعدادًا أوروبيًا أكبر لمواجهة الضغوط الأمريكية.

واقتصاديًا، عادت الخلافات التجارية إلى الواجهة، خاصة مع تهديدات واشنطن بفرض رسوم جمركية على عدد من الدول الأوروبية؛ الأخيرة ردت بإشارات واضحة إلى استعدادها لاتخاذ إجراءات مضادة.

هذا التباين فى المواقف، خلق فجوة فى الرؤى الاستراتيجية، وأضعف صورة الحلف دوليًا، خاصة فى ظل تصاعد نفوذ قوى، مثل: «روسيا-والصين»، اللتين تراقبان هذا التصدع لاستثماره فى إعادة تشكيل التوازن الدولي.

 استقلال دون قطيعة

فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»، قال دكتور فادى حيلانى الباحث فى المجلس الوطنى للعلاقات العربية الأمريكية من واشنطن، إن ما نشهده اليوم لا يمكن اختزاله بخلاف عابر، لكنه أيضًا لا يرقى بعد إلى قطيعة استراتيجية بين ضفتى الأطلسى. 

وأضاف أن الحرب مع إيران، والتصعيد الإسرائيلى، والخلافات التجارية، وملفات الطاقة والدفاع، كلها كشفت حجم التباين فى تعريف المصالح بين واشنطن والعواصم الأوروبية، خاصة «باريس-برلين»؛ موضحًا أن أوروبا باتت تدرك أن الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية يضعها -أحيانًا- أمام كلفة أمنية، واقتصادية، وسياسية لا تتحكم بها. 

وعليه، أكد أن ذلك أدى لإعادة خطاب «الاستقلال الاستراتيجى الأوروبى، الذى يدعو لبناء قدرة دفاعية وصناعية ومالية أكثر استقلالاً عن الولايات المتحدة». 

ولكن فى المقابل، رأى أن البنية العميقة للتحالف الغربى لا تزال قائمة على تشابك هائل فى مجالات الأمن، والاستخبارات، والتكنولوجيا، وحلف الناتو. 

وفى هذا الصدد، اعتبر أن الأقرب إلى الواقع هو أن العلاقات أمام مرحلة «إعادة توازن داخل التحالف» وليس انهيارًا له؛ أى أن أوروبا تسعى إلى هامش قرار أوسع، دون أن تمتلك -حتى الآن- القدرة أو الإرادة السياسية الكاملة لفك الارتباط الاستراتيجى مع الولايات المتحدة.

وأكد «حيلانى» أن «موسكو-بكين» تنظران -بلا شك- إلى التصدعات الأطلسية باعتبارها فرصة استراتيجية ثمينة لإعادة تشكيل ميزان القوى الدولى؛ موضحًا أن روسيا تراهن على إنهاك الغرب عبر تعدد الجبهات، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، وعلى تعميق الانقسامات الأوروبية حول العقوبات، والطاقة، والحروب الإقليمية، بما يضعف وحدة القرار داخل «الناتو» والاتحاد الأوروبى. 

أما الصين فرأى أنها تتعامل ببراجماتية أكبر، إذ تسعى إلى استثمار التوتر «الأمريكى-الأوروبى» اقتصاديًا وتكنولوجيًا، عبر تقديم نفسها كشريك تجارى واستثمارى أكثر استقرارًا، مقارنة بالسياسات الأمريكية الحمائية والتعريفات الجمركية. 

أما فيما يخص السيناريو الأكثر ترجيحًا للعلاقات بين الجانبين خلال الفترة المقبلة، فرجح حيلانى 3 سيناريوهات، أولها: استمرار «التحالف المتوتر»، أى بقاء الشراكة الأطلسية قائمة مع تصاعد الخلافات التكتيكية حول ملفات «الشرق الأوسط، الصين، التجارة، الإنفاق الدفاعى»؛ موضحًا أن فى هذا السيناريو ستواصل أوروبا محاولة بناء أدوات استقلال نسبى، خاصة فى الصناعات الدفاعية والطاقة والتكنولوجيا، لكنها ستبقى ضمن الإطار الأمنى الغربى بقيادة أمريكية.

أما السيناريو الثانى، فيتمثل فى تعمق الفجوة؛ إذا توسعت الحرب مع إيران أو تصاعدت السياسات الأمريكية الأحادية والحمائية، ما قد يدفع بعض القوى الأوروبية الكبرى إلى تبنى سياسات أكثر استقلالًا؛ وربما أكثر انفتاحًا على الصين.

وبالنسبة للسيناريو الثالث -الأقل احتمالاً- يتمثل فى إعادة ترميم قوية للتحالف، إذا شعرت «أوروبا والولايات المتحدة» بوجود تهديد استراتيجى مشترك أكبر، سواء من «روسيا أو الصين» أو من انهيار أمنى واسع فى الشرق الأوسط؛ إذ إن التاريخ الأطلسى يظهر أن الأزمات الكبرى -غالبًا- ما تعيد إنتاج التماسك الغربى حتى بعد فترات من التوتر الحاد.

إعادة تعريف حدود العلاقات

اتفق إبراهيم كابان مدير مؤسسة الجيوستراتيجى للدراسات من ألمانيا؛ مع سابقه فى عدد من النقاط، حيث أوضح -فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»؛ أن ما نشهده اليوم لا يمكن اعتباره تحولاً جذريًا نحو استقلال استراتيجى أوروبى كامل، بقدر ما هو تعبير عن تباينات متزايدة داخل التحالف الغربى نفسه؛ موضحًا أن أوروبا - بالفعل- تسعى منذ سنوات إلى تعزيز مفهوم (الاستقلال الاستراتيجي)، لكن هذه الرغبة تصطدم بواقع معقد، أبرز عناصره الاعتماد الأمنى العميق على «الولايات المتحدة»، سواء ضمن إطار حلف (الناتو)، أو فى قضايا الردع الاستراتيجى.

ثم اعتبر أن الخلافات الحالية، سواء حول إدارة التصعيد فى الشرق الأوسط أو السياسات التجارية، تعكس اختلافًا فى الأولويات وليس فى البنية الأساسية للتحالف؛ قائلاً: «نحن أمام إعادة توازن داخل العلاقة عبر الأطلسى، وليس أمام فك ارتباط حقيقى؛ أوروبا تحاول توسيع هامش قرارها، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة القدرة على الاستقلال الكامل، خاصة فى الملفات الأمنية والعسكرية الحساسة».

وفى هذا السياق، أكد أن أى تراجع فى مستوى التنسيق بين ضفتى الأطلسى يخلق فرصًا موضوعية للقوى المنافسة؛ مضيفًا أن «روسيا» -على سبيل المثال- تسعى تقليديًا إلى استثمار أى تصدع فى الموقف الغربى، سواء عبر الأدوات السياسية أو الأمنية؛ بينما تعمل الصين على توظيف هذه الفجوات بشكل أكثر هدوءًا عبر الاقتصاد والتكنولوجيا والشراكات طويلة الأمد. وفيما يخص مستقبل العلاقات «الأمريكية-الأوروبية»، أشار «كابان» لوجود 3 سيناريوهات رئيسية يمكن تصورها، وهى.. السيناريو الأول -الأكثر ترجيحًا على المدى القريب- هو استمرار الخلافات ضمن إطار مضبوط، أى بقاء التباينات الحالية دون أن تتحول إلى أزمة هيكلية، مع الحفاظ على التنسيق فى القضايا الكبرى؛ 

أما السيناريو الثانى، فيتمثل فى تعميق الفجوة، خاصة إذا استمرت الضغوط الاقتصادية والتباينات السياسية، ما قد يدفع أوروبا إلى خطوات أكثر جرأة نحو الاستقلال، ولو بشكل تدريجي.

وبالنسبة للسيناريو الثالث -الأقل احتمالاً- فيتمثل فى حدوث صدمة دولية كبرى تعيد توحيد المواقف الغربية بشكل سريع، كما حدث فى محطات سابقة من التاريخ، حيث تؤدى الأزمات الكبرى إلى إعادة إنتاج التحالفات بشكل أكثر تماسكًا.

وأنهى «كابان» حديثه مؤكدًا أن العلاقة عبر الأطلسى تمر بمرحلة إعادة تعريف، لكنها لم تصل إلى نقطة الانفصال، وما زالت المصالح المشتركة أقوى من عوامل الخلاف، على الأقل فى المدى المنظور.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط