الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

لم أكن أعلم وأنا أختار اسمها أن الاسم سيختارنا نحن الاثنتين أيضًا.. سميتها "نور"، لأنني رأيتها في حلم قبل أن تولد، طفلة يشع منها الضوء، وكل من يراها يقول لي: "دي مش نور.. دي أنوار"، وكأن الله أراد أن يطمئن قلبي من البداية أن هذه الطفلة لن تكون عادية في حياتي، بل ستكون مصدر إلهام ونور حقيقي.

 

اليوم، أتمت ابنتي عامها السادس عشر .. العمر الذي يحمل الكثير من التحولات، والأسئلة، والمشاعر الجديدة، العمر الذي تتشكل فيه الملامح النفسية والوجدانية، وتبدأ فيه البنت في اكتشاف نفسها والعالم من حولها بطريقة مختلفة تمامًا.

 

"نور" ليست فقط ابنتي .. هي صديقتي، ومستودع أسراري، وأنا أيضًا مستودع أسرارها، ربما هذه هي أكثر نقطة أفتخر بها في علاقتنا، في وقت تميل فيه كثير من الفتيات إلى إخفاء مشاعرهن عن الأهل، واللجوء فقط إلى الأصدقاء، اختارت ابنتي أن تحكي لي، تحكي عن كل شيء، حتى تلك المشاعر التي قد تخجل أي بنت في سنها من البوح بها.

 

تحكي لي عن رغبتها في أن تعيش قصة حب .. عن إعجاب قد يمر بها.. عن أسئلة تخص قلبها وعقلها، وأتعامل مع ذلك بهدوء ووعي، لأن هذه المشاعر ليست خطأ، بل هي طبيعية جدًا في هذه المرحلة العمرية، حيث يشير المتخصصون إلى أن مشاعر الإعجاب والرغبة في خوض تجربة عاطفية تعد جزءًا أساسيًا من تطور المراهقين، ما يتطلب من الأهل الفهم لا الرفض، والحوار لا القمع.

 

تعلمت مع ابنتي أن دور الأم لا يكون في المنع أو السيطرة، بل في التوجيه، أن أكون المساحة الآمنة التي تعود إليها دون خوف من الحكم أو العقاب، أن أسمع أكثر مما أتكلم، وأن أحتوي قبل أن أنصح، إذ تؤكد دراسات علم النفس، أن وجود علاقة آمنة بين الأم وابنتها يجعل الفتاة أكثر قدرة على التعبير عن مشاعرها بثقة، وأكثر توازنًا في تعاملها مع العالم من حولها.

 

من هنا جاءت فكرة البودكاست الذي أقدمه .."أنا وبنتي" .. لم يكن مجرد اسم، بل كان انعكاسًا لعلاقة حقيقية، وتجربة أعيشها يوميًا، تجربة تعلمت منها أن الحوار بين الأم وابنتها ليس رفاهية، بل ضرورة.

 

في هذا العمر أيضًا، تواجه البنات تحديًا كبيرًا مع السوشيال ميديا، المقارنات لا تتوقف .. شكل، جسم، حياة، علاقات، عالم مليء بصور مثالية قد تبدو حقيقية، لكنها في كثير من الأحيان بعيدة تمامًا عن الواقع، وتحذر الكثير من الدراسات أن التعرض المستمر لهذه المقارنات قد يؤدي إلى تراجع الثقة بالنفس والشعور بعدم الكفاية، خاصة لدى المراهقات.

 

هنا يأتي دور الأم، ليس فقط في تقديم النصيحة، بل في بناء هذا الإحساس الداخلي بالقيمة، أن تقول لابنتها: "إنتِ كفاية.. زي ما إنتِ"، أن تعلمها أن الجمال ليس في الشكل فقط، وأن الاختلاف ليس عيبًا، بل ميزة.

 

أحاول دائمًا أن أكون "البوصلة" في حياة ابنتي، ليس لأتحكم في اتجاهها، بل لأساعدها عندما تشعر بالتيه، أن أذكرها أن الكمال ليس هدفًا، وأن الأهم هو الإخلاص فيما تفعل، والإتقان في كل خطوة تخطوها، أما النتائج، فهي دائمًا بيد الله، وبين العلم والتجربة، يبقى الاحتواء هو اللغة الوحيدة التي تفهمها القلوب في هذا العمر.

 

وفي عيد ميلادك السادس عشر يا "نور" أريد أن أقول لكِ: أنتِ لم تكوني فقط ابنتي.. بل كنتِ معلمتي أيضًا، علمتني أن الحب الحقيقي هو احتواء، وأن القرب لا يفرض بل يُبنى، وأن أجمل العلاقات هي التي يكون فيها الأمان قبل أي شيء.

 

كل سنة وأنتِ نوري.. وكل سنة وأنتِ "أنوار" في حياتي.

 

تم نسخ الرابط