الإثنين 08 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

فى رحيل عاشق المسرح الذى ودع الحياة

عبدالرحمن أبو زهرة رحلة فنان ظل صوته حيًا بين اللغة والمسرح والناس

بوابة روز اليوسف

لم يكن وداع الفنان القدير «عبدالرحمن أبوزهرة» مجرد جنازة لفنان كبير، بل بدا وكأنه المشهد الأخير فى عرض مسرحى طويل، عاشه بإخلاص كامل حتى اللحظة الأخيرة. 

 

وكأن القدر أراد أن يكتب النهاية بالطريقة التى تشبه روحه تمامًا؛ فالفنان الذى بدأ رحلته من المسرح، وظل وفيًا له طوال عمره، أوصى أن تمر جنازته من أمام المسرح القومى بالعتبة، ليودّع المكان الذى منحه الحياة الفنية، قبل أن يودّعه الناس.

 وداع يليق بصاحبه

هناك، أمام المسرح القومى، بدا المشهد حزينًا ومهيبًا فى آنٍ واحد، الجثمان يمر ببطء، والوجوه الصامتة تراقب، وكأن خشبة المسرح نفسها تنحنى احترامًا لأحد أبنائها الأوفياء، لم يكن المسرح بالنسبة لـ«عبدالرحمن أبو زهرة» مجرد محطة فنية، بل بيتًا روحيًا ظل متعلقًا به حتى الرحيل، لذلك لم يكن غريبًا أن تكون محطته الأخيرة قبل التشييع، وكأن روحه أرادت أن تطمئن للمرة الأخيرة على المكان الذى صنع مجده واحتضن صوته وحضوره لعقود طويلة.

بعدها مرّ الجثمان من أمام مسجد الحسين تنفيذًا لوصيته أيضًا، فى مشهد شعبى وإنسانى مؤثر، حيث تجمع أهالى المنطقة ومحبو الفنان الراحل لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، وكأن القاهرة القديمة التى أحبها وأحبته خرجت لتقول له «وداعًا».

 لم تكن جنازة رسمية بقدر ما كانت جنازة شعبية صغيرة، اختلطت فيها دموع البسطاء بمحبة جمهور عاش معه سنوات طويلة عبر المسرح والسينما والتليفزيون.

وكان الفنان «رشوان توفيق» أول الحاضرين لتشييع الجثمان، فى مشهد جسّد معنى الوفاء الحقيقى بين رفيقى عمر جمعتهما سنوات طويلة من الفن والذكريات.

 كما حرص عدد كبير من الفنانين ومحبى الراحل على الحضور، بينما نعى الرئيس «عبد الفتاح السيسي» الفنان الكبير، مؤكدًا أنه قدّم أعمالًا فنية قيمة ومميزة فى المسرح والسينما والتليفزيون، وأن رحيله يمثل خسارة كبيرة للفن المصرى والعربي.

 

 مسيرة امتدت لعقود

لم يكن عبدالرحمن أبو زهرة مجرد ممثل موهوب، بل حالة فنية وإنسانية نادرة. فالرجل الذى امتلك أحد أهم الأصوات فى تاريخ الدراما العربية، لم يصنع حضوره بالقوة أو الصخب، وإنما بالثقافة والانضباط والإيمان الحقيقى بقيمة الفن. منذ بداياته المسرحية، كان واضحًا أنه ينتمى إلى جيل يعتبر المسرح رسالة قبل أن يكون مهنة، ولذلك ظل طوال حياته يحمل احترامًا خاصًا للكلمة ولخشبة المسرح وللغة العربية ذاتها.

ورغم تفوقه الدراسى الكبير فى شبابه، فإنه عانى لفترة طويلة من الخجل، خاصة خلال الاختبارات الشفهية، وهى الأزمة التى كادت أن تقف حائلًا بينه وبين التعبير عن نفسه. 

لكن الفن أنقذه. ووجد فى التمثيل وسيلته لاكتشاف ذاته والتغلب على خوفه، لتتحول تلك الشخصية الخجولة إلى واحد من أكثر الفنانين قدرة على التحكم فى صوته وأدائه ونبراته.

وكان لالتزامه بقراءة القرآن الكريم وتدبره أثر واضح فى تكوين شخصيته الفنية، خاصة فيما يتعلق بسلامة اللغة العربية ومخارج الحروف. 

لذلك ظل «عبدالرحمن أبو زهرة» واحدًا من القلائل الذين امتلكوا قدرة استثنائية على نطق العربية الفصحى بإتقان شديد، فى زمن بدأت فيه هذه المهارة تتراجع داخل الدراما العربية، كان يتعامل مع اللغة باعتبارها جزءًا من هيبة الممثل، وليس مجرد وسيلة للحوار، لذلك بقى صوته يحمل فخامة خاصة، جعلته حاضرًا بقوة فى الأعمال التاريخية والدينية وأعمال الدوبلاج كذلك.

وفى السينما والدراما، استطاع أن يترك بصمة لا تشبه أحدًا، لم يكن نجمًا تقليديًا يعتمد على البطولة المطلقة، لكنه كان ممثلًا قادرًا على سرقة الانتباه من أول مشهد، يكفى ظهوره حتى يشعر المشاهد أن هناك ممثلًا حقيقيًا أمامه، يعرف جيدًا كيف يبنى الشخصية من الداخل، لذلك بقيت شخصياته عالقة فى ذاكرة الجمهور، سواء فى أدوار الشر أو الشخصيات المركبة أو حتى الأدوار الإنسانية البسيطة.

ومن بين الشخصيات التى صنعت جماهيريته الواسعة، جاءت شخصية «المعلم سردينة» فى مسلسل (لن أعيش فى جلباب أبي) أمام الراحل «نور الشريف»، التى تحولت إلى واحدة من العلامات الفارقة فى الدراما المصرية، بفضل الأداء المختلف والطريقة الخاصة التى مزج بها بين الهيبة وخفة الظل والإنسانية، وكان يملك قدرة نادرة على جعل الشخصية تبدو حقيقية تمامًا، مهما بلغت غرابتها أو قسوتها.

ولم تتوقف موهبته عند التمثيل فقط، بل امتدت إلى عالم الأداء الصوتى والدوبلاج، حيث صنع لنفسه مكانة استثنائية فى ذاكرة أجيال كاملة، صوته فى شخصية «سكار» فى ( The Lion King)، وصوت «جعفر» في (Aladdin)، لم يكونا مجرد أداء صوتى، بل تجربة فنية كاملة، جعلت الأطفال والكبار يتذكرون هذه الشخصيات بصوته تحديدًا. حتى إن شركة «والت ديزني» أشادت بأدائه واعتبرته من أفضل نسخ الدوبلاج التى قُدمت لشخصية «سكار»، فى تقدير نادر لفنان عربى استطاع أن يمنح الشخصية روحًا جديدة بلغته وصوته.

وخلال مسيرته الطويلة، حصد «عبدالرحمن أبو زهرة» العديد من الجوائز وشهادات التكريم، تقديرًا لموهبته الكبيرة ومسيرته الثرية، لكنه ظل بعيدًا عن الضجيج، محافظًا على صورته كفنان مثقف وهادئ، يؤمن أن القيمة الحقيقية للفنان تبقى فى أثره لا فى حضوره الإعلامي.

 

 

عائلة مستقرة وجد محب

ورغم انشغاله الدائم بالفن، ظل شديد الارتباط بأسرته، التى كانت تمثل له مساحة الأمان الحقيقية، تحدث دائمًا بفخر عن أبنائه وأحفاده، وكان سعيدًا بما حققوه فى مجالاتهم المختلفة، ومع مرور السنوات، أصبح يرى امتداد روحه فى الجيل الجديد من العائلة، خاصة حفيدتيه العازفتين العالميتين «أميرة ومريم أبوزهرة»، اللتين شاركتا فى حفل افتتاح المتحف المصرى الكبير، وهو الحدث الذى تابعه بشغف شديد وشعر خلاله بفخر كبير بما قدمتاه.

حتى فى سنواته الأخيرة، ظل محتفظًا بحضوره الإنسانى والفنى، وواصل الظهور فى أعمال درامية تركت أثرًا لدى الجمهور، مثل (جمع سالم) و(موضوع عائلي)، إلى جانب مشاركاته الصوتية التى أكدت أن صوته سيظل حيًا حتى مع الغياب.

 

رحل «عبدالرحمن أبو زهرة»، لكن الفنان الحقيقى لا يغيب تمامًا، يبقى صوته عالقًا فى الذاكرة، وتبقى ملامحه داخل الشخصيات التى قدّمها، ويبقى أثره فى كل ممثل تعلّم أن الفن احترام، وأن اللغة قيمة، وأن المسرح بيت لا يُغادر أبدًا.

 وربما لهذا السبب تحديدًا، عاد فى رحلته الأخيرة إلى المسرح القومي.. كأن الروح كانت تعرف الطريق جيدًا.

نقلا عن مجلة روز اليوسف

 

تم نسخ الرابط