تخيل أنك تشارك في سباق قصير جداً، يتنافس فيه الجميع عبر أيام معدودات تمر كلمح البصر، الكل يركض فيه بشغف وسعادة، طمعاً في نيل الجائزة الكبرى التي ستغير مجرى حياة كل منهم إلى الأفضل.
هذا السباق حقيقة نعيشها كل عام وليس خيالاً أو وهماً، إنها الأيام العشرة الأوائل من شهر ذي الحجة، التي جعلها الله عز وجل أياماً خاطفة وسريعة المرور، لكنها في الوقت ذاته، أشبه بـ"موسم ذهبي" غني بالأرباح والجوائز والخيرات، فهي فرصة ذكية لكل مقصر ليعوض ما فاته طوال العام، كما أنها سباق وميدان رائع لكل طائع ليزيد درجاته وحسناته.
في هذا السباق القصير، يصبح العمل الصغير عظيماً، والخطوة البسيطة تقربك مسافات شاسعة، وتعينك على الفوز في النهاية بأجمل جائزة ينتظرها كل مشتاق، ويتمناها كل قلب يسعى صاحبه إلى رضا الله العظيم ومغفرته الشاملة.
بعد أن تم الكشف عن تفاصيل هذا السباق، واستعراض قيمته الوجدانية، الدنيوية، والدينية، أود أن أطرح هذا السؤال: هل تعلم كيف تفوز بجائزة هذه الأيام العشرة؟.. لا تفكر كثيراً في البحث عن إجابة، فسوف أستعرض لكم برنامجاً عملياً ومبسطاً سيساعد كل منا على الوصول إلى الجائزة دون عناء أو مشقة.
ما أسهل هذا البرنامج، فالأمر لا يحتاج سوى قلب نقي حاضر، ولسان رطب بذكر الله في كل وقت وحين، بجانب الحرص على صيام التسعة الأوائل من ذي الحجة، فالصيام يغسل الذنوب ويرقق القلوب، فضلاً عن جبر الخواطر بأشكاله المتنوعة وخاصة الصدقة، ولا تنسى أن تملأ بيتك ببهجة التكبير: "الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله..."، التي تطرد الشياطين وتحل البركة في الرزق والأولاد بإذن الله.
يُعد يوم عرفة خط النهاية الذي يصل إليه الفائزون من المتسابقين ليتسلموا أعظم الجوائز، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: جائزة المغفرة، حيث صيام يوم عرفة يكفر ذنوب عام كامل مضى وعام قادم، بجانب جائزة كبيرة أيضا وهي: استجابة الدعاء، فالدعاء في يوم عرفة هو أفضل دعاء، وهو يوم ترفع فيه الأيدي إلى السماء، لأن الله سبحانه وتعالى يدنو من عباده ويباهي بهم ملائكته.
وجدير بالإشارة، أن الله سبحانه وتعالى قد أقسم بهذه الأيام في القرآن الكريم، وذلك لعظمتها ومكانتها، حيث قال الله تعالى في سورة الفجر: "والفجر، وليال عشر"، صدق الله العظيم، وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن المقصود بالليالي العشر التي وردت بالآية هي العشر الأوائل من ذي الحجة، وفي هذا القسم دليل قاطع على تشريفها وعظمتها، وتأتي بركة هذه الأيام من ميزة فريدة، وهي أنها تجمع "أمهات العبادات" كلها في وقت واحد، وهي: الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، وهو أمر لا يتكرر في أي أيام أخرى من العام.
وفي هذه الأيام المباركة يأتي يوم عرفة "وقفة عيد الأضحى"، وهو من أفضل أيام السنة، وقد خصه النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر لبيان فضله العظيم، فعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن صوم يوم عرفة، فقال: "يُكفر السنة الماضية والباقية"، (رواه مسلم).
ختاماً.. إنها حقاً أيام ناجزة، فهذه الأيام المباركة ما هي إلا موسم للتجارة مع الله وجني الحسنات التي تقربنا إليه عز وجل، علماً بأن التجارة مع الله رابحة دائماً وأبداً، فالأمر لا يحتاج جهداً خارقاً أو معاناة بدنية، لكن الذكي هو من يخرج منها بالفوز الأكبر وهو العتق من النار، والدعاء المستجاب، والقلب الطاهر، فلا تترك الأيام تمر دون أن تترك في كل يوم منها بصمة وطاعة.
كل عام وأنتم وأسركم الكريمة بصحة وسعادة وسلامة، وعيد أضحى مبارك، أعاده الله علينا وعليكم باليمن والخير والبركات.



