إنهم يقتلون كرة القدم.. أليس كذلك؟
فى 1935 نشر الكاتب الأمريكى هوراس ماكوى روايته الجديدة عن الكساد الاقتصادى الكبير فى الولايات المتحدة بعنوان إنهم يقتلون الجياد أليس كذلك.. وأحالها المخرج الكبير سيدنى بولاك فى 1969 فيلما بنفس العنوان، حيث أصبح من أهم وأجمل وأشهر أفلامه.. وقامت ببطولة الفيلم جين فوندا ومايكل سارازين حيث فشلت جلوريا وروبرت فى العثور على أى فرصة فى هوليوود فقررا المشاركة فى مسابقة للماراثون الراقص.. حيث يظل الجميع يرقصون أياما كثيرة متواصلة وآخر اثنين سيبقيان فى حلبة الرقص يفوزان بالجائزة المالية الكبرى.. وبعد أن ظل جلوريا وروبرت يرقصان 879 ساعة تموت إحدى الراقصات ليتم إلغاء المسابقة.. ونتيجة للتعب والحزن والإحباط تطلب جلوريا من روبرت أن يقتلها.. وتذكر روبرت كيف قام جده بقتل حصان العائلة التى انكسرت ساقه ولم يعد باستطاعته المشاركة فى أى سباق فيقوم بالفعل بقتل جلوريا.. وحين سألوه فى التحقيق عن سبب قتله جلوريا يرد عليهم ببساطة قائلا.. إنهم يقتلون الجياد أليس كذلك؟
وفى مونديال 2026.. هناك أكثر من جلوريا وروبرت أو منتخبات لا تكتفى بالمشاركة فى بطولة عالمية كبرى لكرة القدم.. إنما ستظل ترقص أياما طويلة تقضيها على سفر أملا فى الفوز بأى جائزة.. فمنتخب البوسنة سيضطر للسفر أكثر من 5000 كيلومتر لينتقل من تورنتو فى كندا إلى لوس أنجلوس ثم سياتل.. وسيسافر المنتخب الجزائرى 4800 كيلومتر لينتقل من كانساس سيتى إلى سانتا كلارا ثم العودة إلى كانساس سيتى.. وسيسافر منتخب التشيك 4500 كيلومترا لينتقل من زابوبان فى المكسيك إلى أتلانتا الأمريكية ثم العودة للعاصمة المكسيكية.. وسيسافر منتخب الكونجو الديمقراطية 3700 كيلومتر لينتقل من هيوستن إلى زابوبان ثم أتلانتا.. ويسافر المنتخب البلجيكى 3300 كيلومتر لينتقل من سياتل إلى لوس أنجلوس ثم فانكوفر فى كندا.. ومثلها منتخبات كثيرة باستثناء خمس منتخبات فقط هى بترتيب الأقل سفرا فى هذا المونديال مصر وباراجواى وفرنسا وبنما وكوريا الجنوبية.
والمشكلة التى لا يحب أحد حتى الآن التوقف أمامها هى البحث عن مبرر وتفسير لكل ذلك وكيف سيؤثر على كرة القدم ومنتخباتها ونتائج مبارياتها.. ففى البداية اعتاد العالم أن يتابع فى كل مونديال مباريات أى مجموعة تقام فى مدينة واحدة باستثناء المباراتين الأخيريين اللتين من الإنصاف لعبهما فى نفس التوقيت فتقام إحداهما فى مدينة أخرى قريبة.. وليس صحيحا أن زيادة عدد منتخبات المونديال من 16 إلى 24 إلى 32 إلى 48 كانت السبب فى بعثرة المجموعات لتقام مبارياتها فى أكثر من مدينة.. فالدافع الحقيقى كان إحساس كل دولة تستضيف المونديال بضرورة استعراض إمكاناتها سياحيا وإعلاميا وأن تنال معظم مدنها حق وفرحة المشاركة فى استضافة المونديال.. وبسرعة أصبح ذلك هو القاعدة التى التزمت بها الدول المستضيفة لكل مونديال.. واعتبرت كل دولة أن إجبار الكثيرين على التنقل بين مدنها هو أحد مكاسبها الحقيقية من استضافة المونديال.. سواء كانت مكاسب سياحية أو اقتصادية.. فكل منتخب سيأتى ليلعب مباراة فى مدينة سيأتى خلفه جمهور يكتشف هذه المدينة ويحفظ اسمها ويسكن فى فنادقها ويأكل فى مطاعمها ومقاهيها ويشترى مستلزماته وهداياه من محلاتها.. ثم ينتقل بعد ذلك خلف المنتخب إلى مدينة أخرى.
ونتيجة هذا الولع السياحى والطمع الاقتصادى أصبحت كرة القدم هى التى تدفع الثمن.. تدفعه المنتخبات ومسئولوها ولاعبوها وتدفعه أيضا جماهيرها.. فالمنتخبات فى كل مونديال أصبحت مضطرة كل يومين لحزم حقائبها وجمع معداتها للسفر لمدينة جديدة.. وتتجاهل الدول المستضيفة أن منتخبات العالم التى جاءت إليها ليست مجموعات من الغرباء جاءوا فى رحلات سياحية لاكتشاف معالم الدولة وجمال مدنها.. لكنها منتخبات جاءت لتلعب الكرة وينافس بعضها على البطولة ويحلم بعضها الآخر بنتائج مبهجة قبل العودة إلى بلدانها.. وهذا الانتقال الدائم له أحيانا ثمن فادح فى الاستقرار الفنى والنفسى والبدنى أيضا خاصة إن طالت مسافات الانتقال وكان من مناخ بارد لمناخ حار أو العكس.. أما الجماهير فقد أصبحت مضطرة لأن تعيش معاناة أكبر واقسى من منتخباتها.. فالمنتخبات على الأقل تعرف أين ستقيم وكيف ستنتقل من مدينة إلى أخرى.. أما الجماهير فلا تملك هذه الحقوق وتضطر كل بضعة أيام للسفر لمدينة جديد وتبحث عن أنسب وسيلة للسفر وعن فندق يناسب ظروفها وإمكاناتها.. ومن المؤكد أن الجماهير التى تسافر خلف منتخباتها لكل مونديال ليست كلها من الأغنياء الذين لا يواجهون مشكلة أسعار تذاكر الطيران أو أسعار الفنادق فى مواسم المونديال.. لكن هناك كثيرين بالكاد يستطيعون توفير ثمن تذكرة السفر للدولة المستضيفة والبحث عن أرخص فندق متاح فى المدينة التى سيلعب فيها منتخبها.. مع الاقتصاد فى كل شىء لأنها جماهير عاشقة لكرة القدم ومنتخبها.. وأمام استمرار هذا النظام المونديالى بدأ يقل تدريجيا عدد الذين يسافرون خلف منتخباتهم.. والذين يسافرون لن يهتم معظمهم بالمدن المونديالية ومعالمها ومطاعمها ومحلاتها.
وكبرت هذه المشكلة فى مونديال 2026 بالتحديد لأكثر من سبب.. أولها أن جماهير لأول مرة فى مونديال واحد سيتعين عليها السفر من دولة لأخرى ومدينة بعد مدينة.. ورغم أن المونديال الحالى ليس هو الأكثر ترحالا لمختلف منتخباته إنما كان المونديال البرازيلى 2014 أكثر منه ترحالا.. وأكثر منه أيضا كان المونديال الروسى 2018 رغم أنهما كانا فى دولة واحدة.. لكن مشكلة مونديال 2026 أنه جاء بعد مونديال قطر 2022 الذى كان أول وآخر مونديال تقام كل مبارياته فى مدينة واحدة.. ثم كانت أزمة أسعار التذاكر التى كانت الأغلى فى تاريخ المونديال إلى جانب المبالغة فى أسعار الفنادق والطيران الداخلى الأمريكى أو الدولى للمكسيك وكندا.
وكانت النتيجة المتوقعة هى صدمة قطاع السياحة الأمريكى.. انخفضت نسبة الإشغال المتوقعة لفنادق مدن المونديال بقرابة 60 %.. وكانت فنادق نيويورك تتوقع مليونا ومائتى ألف زائر لكنها تأكدت الآن انها لن تستقبل إلا نصف مليون زائر فقط رغم أن تلك الفنادق قامت بتخفيض أسعارها بنسبة كبيرة جدا.. وتم اكتشاف أن أوروبيين كثيرين أدركوا بعد سفرهم للولايات المتحدة أنه الأفضل هو الإقامة فى فندق فى لاس فيجاس مثلا والفرجة على كل مباريات المونديال بتكلفة تقترب من ثلث تكلفة التنقل خلف منتخباتهم.. وطال الكساد أيضا مختلف المطاعم والمقاهى والمحلات.. لكن الأخطر كان الثمن الذى ستدفعه كرة القدم بأداء فى الملعب أقل من المتوقع ومدرجات غاب عنها العشاق الحقيقيون.. إنهم يقتلون كرة القدم.. أليس كذلك.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



