منظومة متكاملة تضمن تفوق الدولة وقدرتها على رصد التهديدات
رسائل ردع للخارج.. وطمأنة للداخل
تستمد الدولة قوتها من حكمة قائدها، خاصة إذا كان يمتلك القدرة على التخطيط الاستباقى لمواجهة التحديات وحماية مقدرات الوطن، ففى ظل المتغيرات المتسارعة التى يشهدها العالم، لم تعد التهديدات التى تواجه الدول تقتصر على الحروب التقليدية، بل امتدت إلى الإرهاب، والهجمات السيبرانية، وحروب المعلومات، والطائرات بدون طيار، والذكاء الاصطناعى، والكوارث الطبيعية، والأزمات العابرة للحدود، لذلك أيقنت القيادة السياسية، أن امتلاك منظومة قيادة استراتيجية متطورة، يعد أحد أهم مقومات الحفاظ على الأمن القومى واستمرارية مؤسسات الدولة.
جاء افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسى، مركز قيادة الدولة الاستراتيجى «الأوكتاجون»، باعتباره أحد أكبر مشروعات التطوير المؤسسى فى منظومة الأمن القومى المصرى، ليشكل نقلة نوعية فى إدارة الدولة وقت السلم والأزمات، ويعكس رؤية تستهدف دمج أدوات القوة الشاملة للدولة داخل منظومة قيادة وسيطرة حديثة تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة وسرعة تداول المعلومات ودقة اتخاذ القرار.
ويؤكد خبراء عسكريون واستراتيجيون، أن هذا الصرح لا يمثل مجرد مقر جديد لوزارة الدفاع، وإنما مركز متكامل لإدارة الدولة استراتيجيًا، يربط بين المؤسسات المختلفة، ويرفع كفاءة التخطيط، ويعزز سرعة الاستجابة للمتغيرات والتهديدات الإقليمية والدولية.
من جانبه أكد اللواء محمد عبد المنعم، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الأسبق، أن مركز قيادة الدولة الاستراتيجى، يعد من أكبر مجمعات القيادة على مستوى العالم، حيث أُقيم على مساحة ضخمة تضم مناطق متعددة تؤدى كل منها وظائف متخصصة داخل منظومة متكاملة للقيادة والسيطرة.
ويشير إلى أن التصميم المعمارى للمركز يعكس رؤية استراتيجية، إذ يقوم على مبانٍ مترابطة تمثل الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة، وترتبط جميعها بممرات مؤمنة تحقق أعلى درجات التكامل فى إدارة العمليات واتخاذ القرار.
ويوضح أن المركز لا يقتصر على المنشآت العسكرية، بل يضم مرافق خدمية وإدارية وطبية وتعليمية وسكنية، بما يجعله مدينة متكاملة قادرة على العمل بصورة مستقلة عند الضرورة.
ويضيف أن مركز القيادة يضم ستة مراكز رئيسية تشمل مركز البيانات الاستراتيجى، ومركز الشبكة الاستراتيجية، ومركز التحكم فى الشبكات، ومركز إدارة وتشغيل المرافق الحكومية، ومركز التحكم فى الاتصالات، ومركز الطوارئ والسلامة، إلى جانب مركز للتنبؤات الجوية، فضلًا عن منظومة من المستودعات الاستراتيجية التى تؤمن احتياجات الدولة.
حماية الأمن القومى
يرى اللواء محمد عبد المنعم أن أهمية المركز الاستراتيجى تتجاوز البعد العسكرى، إذ يمثل العمود الفقرى لحماية الأمن القومى المصرى، من خلال رفع كفاءة الردع الاستراتيجى، وتأمين حدود الدولة، والتعامل الفورى مع أى تهديد خارجى أو داخلى، إلى جانب حماية المجالين البحرى والجوى والفضاء السيبرانى.
ويتابع: «المركز يسهم كذلك فى الحفاظ على استقرار مؤسسات الدولة، ودعم عملية صنع القرار، ومكافحة الإرهاب، والتصدى للتهديدات غير التقليدية، فضلًا عن إدارة الكوارث والأزمات، وتأمين الاقتصاد الوطنى، والممرات البحرية، ومصادر الطاقة، وتعزيز قدرات الدولة فى دمج عناصر القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية».
استجابة لتغير طبيعة الحروب
بينما يؤكد اللواء إبراهيم عثمان هلال، نائب أمين عام مجلس الدفاع الوطنى الأسبق، أن إنشاء القيادة الاستراتيجية جاء استجابة مباشرة للتحولات التى طرأت على طبيعة الصراعات الحديثة، والتى أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا والفضاء الإلكترونى وحروب المعلومات والذكاء الاصطناعى.
ويشير إلى أن القيادة الاستراتيجية تمثل أكبر تطوير مؤسسى فى منظومة الأمن القومى المصرى، لأنها تجمع بين القيادة العسكرية، وإدارة الأزمات، والاستخبارات، والتخطيط الاستراتيجى، وصنع القرار داخل منظومة واحدة.
ويضيف أن المركز يوفر صورة استراتيجية موحدة لصانع القرار، ويعتمد على أحدث نظم القيادة والسيطرة والاتصالات، بما يعزز قدرة الدولة على سرعة الاستجابة واتخاذ القرار فى مختلف الظروف.
دولة حديثة قوية
بينما يرى اللواء محمد زكى الألفى، الخبير العسكرى والاستراتيجى، أن افتتاح المقر يمثل محطة فارقة فى مسيرة بناء الدولة المصرية الحديثة، ويعكس توجهًا واضحًا نحو تحديث منظومة القيادة والسيطرة بما يتناسب مع التحديات المستقبلية.
ويؤكد أن المركز يوفر بيئة متقدمة لإدارة الموقف الاستراتيجى للدولة، ويحقق أعلى درجات التنسيق بين مؤسساتها المختلفة، ويرفع جاهزية أجهزة الدولة للتعامل مع الأزمات والتهديدات العسكرية والسيبرانية والإرهابية والكوارث الطبيعية.
يشدد على أن توقيت الافتتاح يحمل دلالات استراتيجية مهمة، فى ظل ما تشهده المنطقة من اضطرابات متزايدة، الأمر الذى يؤكد حرص الدولة على امتلاك أدوات حديثة لاستباق المخاطر وتأمين مصالحها الوطنية.
مركزية القيادة
ويشير اللواء أركان حرب أسامة محمود الخبير العسكرى والاستراتيجى، إلى أن الكيان العسكرى الجديد يحقق مفهوم مركزية القيادة والسيطرة من خلال تجميع هيئات وإدارات القيادة العامة داخل منظومة واحدة تعتمد على أحدث وسائل الاتصالات والتكنولوجيا المؤمنة ضد مختلف التهديدات السيبرانية.
ويضيف أن تصميم المنشآت جاء بعد دراسات دقيقة، مع تزويدها بأحدث وسائل الحماية والتأمين، بما يجعلها قادرة على إدارة مؤسسات الدولة المختلفة فى أوقات الأزمات والطوارئ.
ويكشف أن المركز يمثل رسالة ردع استراتيجية تؤكد امتلاك الدولة المصرية منظومة قيادة متطورة تضاهى أحدث مراكز القيادة فى العالم، وتعكس كفاءة القوات المسلحة فى إدارة عناصر القوة الشاملة للدولة.
فيما يوضح اللواء محيى نوح، الخبير العسكرى والاستراتيجى، أن هذا الصرح يعد مصدر فخر لكل المصريين، ويعكس حجم التطور الذى وصلت إليه القوات المسلحة المصرية فى مجالات التكنولوجيا والقيادة والسيطرة، ويشير إلى أن افتتاح المركز يحمل رسالتين واضحتين؛ الأولى إلى الداخل، وتؤكد جاهزية القوات المسلحة وقدرتها على حماية الأمن القومى، والثانية إلى الخارج، وتبعث برسالة ردع تؤكد أن مصر تمتلك من الإمكانات ما يمكنها من الدفاع عن حدودها ومصالحها فى مختلف الظروف.
ويضيف أن التصميم المعمارى للمركز، والإمكانات التقنية التى يضمها، يجعلان منه أحد أبرز مراكز القيادة الاستراتيجية على المستوى الدولى، ويؤكدان أن مصر تواصل تحديث قدراتها وفق أحدث النظم العالمية، وأن مركز قيادة الدولة الاستراتيجى لا يمثل مجرد مشروع إنشائى ضخم، بل يعد استثمارًا طويل الأمد فى أمن الدولة واستقرارها، ومنظومة متكاملة لصنع القرار وإدارة الأزمات، تعزز قدرة مصر على مواجهة تحديات المستقبل، وترسخ مكانتها الإقليمية، وتؤكد استمرار تطوير مؤسساتها وفق رؤية استراتيجية تستهدف حماية الأمن القومى، وصون مقدرات الدولة، وتعزيز الاستقرار والتنمية فى عالم تتسارع فيه المتغيرات.
ويشدد اللواء دكتور وائل ربيع مستشار مركز الدراسات الاستراتيجية وخبير الأمن الإقليمى، على أن افتتاح مركز القيادة الاستراتيجى للدولة نقلة مهمة فى تطوير منظومة إدارة الأزمات واتخاذ القرار فى مصر، خاصة فى ظل التحديات الأمنية المتغيرة التى لم تعد تقتصر على التهديدات العسكرية التقليدية، بل امتدت إلى الحروب السيبرانية، والإرهاب، واستهداف البنية التحتية الحيوية.
ويستطرد: «يكمن أهمية المركز فى أنه يتيح تكاملًا أكبر بين مؤسسات الدولة، ويوفر بيئة متطورة لتبادل المعلومات وتحليلها بصورة لحظية، بما يدعم سرعة اتخاذ القرار ورفع كفاءة التعامل مع الأزمات والكوارث، كما يعكس توجه الدولة نحو توظيف التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعى فى دعم منظومة القيادة والسيطرة».
ويردف: «توجيه الرئيس بتنفيذ تدريبات دورية لمحاكاة إدارة الأزمات يمثل أحد أهم عناصر نجاح هذه المنظومة، لأن كفاءة أى مركز قيادة لا تعتمد فقط على الإمكانات التكنولوجية، وإنما أيضًا على جاهزية العنصر البشرى وقدرته على التنسيق والعمل المشترك بين مختلف مؤسسات الدولة، بما يعزز من قدرة الدولة على مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية بكفاءة وفاعلية».
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



