تأملات فى رجولة مترامية على مستطيل أخضر
لا تُحسَب النتائج فى كل الأوقات بالأرقام النهائية.
كثيرًا ما ترضى النتائج بأبعادها الاستثنائية.
فى المونديال حقق المنتخب الوطنى نقاطًا فوق عادية، بمعايير الرياضة والمسئولية وبكل المعايير على أية مقاييس.
لم يحطم الرجالة فقط صيغة من صيغ الثبات السلبى استمرت لعقود طويلة فقط؛ لكنهم طعنوا فى الخاصرة كل روح انهزامية، وكل توقعات سلبية.. وسحقوا كل إشارات لازمت كرة القدم فى مصر منذ عشرات السنين.
لذلك فهو إنجاز.
على مستوى الروح القتالية، وعلى مستوى المسئولية.. تمامًا كما هو إنجاز على مستويات المهارة والقدرة.
-1-
لعب الرجالة لعبًا نظيفًا.. فلا يهم حكمًا كما الشهود لم ير.. ولا مساعدين اختلقوا فرصًا للخصم، ومنعوها عنا فى ما هو أشبه بالمكيدة المتعمدة.. أو رغبات فى الكواليس لمآرب أخرى.
كلام كثير يقال فى الأمور التى يبدو من خلفها أمور.
لكن.. ليس مهمًا.
فقد تزينت الملاعب للمنتخب الوطنى، واتخذت السمعة زخرفها، ومادت بالرجالة الأرض، وكادت أن تميل من ثقل معتبر فى الوزن والقيمة.
فى الاستقبال الرئاسى للرجالة عدة رسائل تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.. وتتجاوز حدود مجرد التقدير لإنجاز كروى مشرف.
تنشد الرسالة ما وراء الجهد.. وما خلف الإنجاز.
الإشادة هنا بالمعنى لا بالحدث وحده.. وبالمفهوم لا بما شوهد على الشاشات من روح قتالية وإصرار.
الرياضة قوة ناعمة تضاف إلى قوى أخرى فى القوائم والمراتب.
والمنتخب الوطنى، زاد من أرصدة الروح الجماعية فى الالتفاف الوطنى، إضافة إلى ما نشره فى نفوس الشارع، خصوصًا الأجيال الجديدة، من تأكيد على أكثر من فضيلة ومبدأ.
أكد الرجالة روح الإصرار.
وقدر فيهم رئيس الدولة المصرية هذه الروح.. أول ما قدر.
أكدوا أيضًا روح الإصرار على الوصول للأهداف مهما كانت الصعوبات.
الإصرار تأكيد على أن النتائج من السماء، لكن الهدف والخطة والخلق الحسن من عند أنفسنا.
ضمن الرسائل الرئاسية إشارة واضحة إلى أن التقدير الرسمى والجماهيرى يتجاوز فى أحيان كثيرة مسألة الخسارة أو الربح.
لأن المعيار الأساسى فى الإيمان بالقدرة.. والحلم بالوصول.
حقق المنتخب معادلة، نحتاجها فى قطاعات أخرى.
نحن فى حاجة إلى تلك الروح فى دواوين الحكومة، وأروقة الموظفين فى الوزارات.
فى حاجة إليها بكمال الخلق، وتقدير المسئولية فى الأسواق.. وبين صفوف التجار.
فى حاجة إليها فى صفوف المعلمين.. كما فى صفوف تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات.. وبين أولياء الأمور.
فى حاجة إلى روح القتال فى قطاعات عدة.. لمزيد من الواجب.. ومزيد من الالتزام.

-2-
التكريم الرئاسى دفعة معنوية للمنتخب ولأجيال أخرى فى قطاعات مترامية على طول وعرض الدولة.
الرسالة مؤكدة بأن تقدير الدولة الكامل فى المقام الأول للاجتهاد.. ولكل أشكال الالتزام وروح القتال.
لم يعد القتال على جبهات الحرب وحدها.
للقتال فى الدول الحديثة جبهات أخرى، لذلك فإن ممارسة الواجب بالخطة والتكتيك فى كل القطاعات مسئولية.
فى صمود المنتخب عبرات استراتيجية لو صح التعبير.
يكفى أنهم أعادوا لم شمل الأسرة على اختلاف الأعمال وسنوات العمر والخبرة والاهتمامات على مائدة واحدة مع كل ماتش.
حالة من أبهى صور الاصطفاف الوطنى على هدف واحد، بلا خلافات ولا اختلافات، ولا كلام كتير ولا تنظير من بعيد لبعيد.
إن جيت للحق اجتماعنا على هدف واحد بهذا الشكل وعلى هذا المنوال بات أمرًا منشودًا بعد ندرة أو غياب.
فى السياسة نحن، كما فى الاجتماع والاقتصاد السنوات الأخيرة.
نحن مليون معلق ومليون منّظر ومليون ناصح ومليون ناقم ومليون غاضب.. بمزيد من الخلاف والاختلاف.
كثيرًا ما اختلفنا على المبادئ العامة.. وكثيرًا ما بدأنا بالنزاع على البديهيات.
بعضنا تعلل بالظروف وآخرون يتحججون بحر الصيف.
على المستطيل الأخضر فى المونديال، مارس الرجالة قدرات فوق التصور على التكيف مع الصعب ومع الظروف ومع المعوقات بالخطة المحكمة وبأداء الدور بفاعلية بلا حجج ولا تعذر ولا اعتذار.
هو درس بكل معايير الرسائل فى الدروس من هذا النوع.
هى روح ملهمة فى الاستراتيجيات حميد تعميمها على الاجتماع وفى الشارع.
غلب الرجالة العمل الجماعى والتعاون وروح الفريق على الأداء وعلى الطموحات الفردية.
اعتمدوا أسلوب القدرة الفائقة بأفضل أشكال الأداء فى مواجهة أقوى الفرق وأشد المنتخبات مراسًا وتمترسًا.
هى صلابة متعددة الأنواع.
منها نفسية ومنها ذهنية.. ومنها أيضًا صلابة فى الإرادة مع رغبات مستقرة فى الأداء حتى تحت الظرف المشدد.
نقلًا عن مجلة صباح الخير



