الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

سيكولوجية التبعية.. كيف يُلغى عقل الكادر لصالح قرارات القيادة الانتهازية؟

إبراهيم ربيع
إبراهيم ربيع


في تاريخ التنظيمات الشمولية، تظل جماعة الإخوان الإرهابية النموذج الأكثر وضوحاً لعمليات "الهندسة السلوكية" وتدجين العقول. 

 

وخلف الشعارات الفضفاضة والمثالية الزائفة التي استقطبت بها الجماعة آلاف الشباب، تختبئ مقصلة نفسية وفكرية تُسلط على رأس كل كادر ينتمي إليها، إنها عقيدة "السمع والطاعة في المنشط والمكره"، الآلية التي حولت الكوادر والشباب إلى مجرد أدوات تنفيذية صماء تبرر تقلبات القيادة وانتهازيتها السياسية، حتى وإن صادمت تلك القرارات الفطرة السوية أو خالفت الثوابت الوطنية.

 

- سراديب الموت الفكري: إبراهيم ربيع يكشف هندسة صناعة "القطيع الإخواني"


وفي ذات السياق، فكّك إبراهيم ربيع الباحث والخبير في شؤون الحركات المتطرفة، البيئة الفكرية والتنظيمية لجماعة الإخوان الإرهابية، كاشفاً عن الآليات المنهجية التي اتبعها التنظيم لتحويل أعضائه إلى "قطعان ضالة" مسلوبة الإرادة، ومسخ وعي المجتمعات العربية لخدمة أجندات تخريبية.


جذور الأزمة: تجريف العقل وحصار المحرمات

 

وأوضح ربيع في تصريح لـ"بوابة روزاليوسف "، أنه في أوائل القرن العشرين الميلادي، نشأ ما يُسمى بـ"السلفية" في مصر مع ظهور "جماعة أنصار السنة المحمدية" وشقيقتها في المرجعية التراثية "الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية".

 

واعتبر أن السلفية في جوهرها ببساطة هي التزام منهجي باستدعاء نموذج تاريخي أو جغرافي معين واعتباره ديناً، والعيش وفقاً لعاداته وتقاليده ومعاييره الثقافية والاجتماعية، حتى وإن لم تتفق مع جوهر الدين نفسه.

 

وأضاف أن هذه الحالة صاحَبها انحسار لرسالة (الأزهر) الشريف، الذي يُفترض أن يكون عالم الدين فيه صاحب رسالة روحية سامية، حيث تم استبداله بدور "موظف الدعوة". هذا التحول فتح ثغرة تسللت منها تلك الجماعات للاستيلاء على المنابر والعبث بالعقول في الداخل عبر خلاياها في المعاهد، والكليات، والمساجد، وفي الخارج بزراعة خلايا في المراكز الإسلامية والمحافل الدعوية، حتى باتت جراثيم التطرف تنتشر بتحركات تنظيمية ورعاية رسمية وعمامة أزهرية.

 

وأشار ربيع إلى أن رموز هذه الجماعات صنعوا "دائرة محرمات جهنمية" حاصرت الإنسان المعاصر أينما حل، ليجد نفسه يعيش في حقل ألغام من المحرمات الوهمية.

 

وتابع: "أصاب هذا الحصار الإنسان بعقدة ذنب وخوف مرضي من الله، وكأن الله ــ جل جلاله ــ خلق الناس ليستمتع بتعذيبهم، والعياذ بالله. كما أصيب الشباب بمرض يتناقض مع طبيعة مرحلتهم العمرية المقبلة على الحياة، فتولّد لديهم خوف من الحياة، بل كراهية لها وعدوان عليها".

 


غياب الدولة وتراجع دور الأسرة

 

وأكّد الخبير في شؤون الجماعات الإرهابية أن هذا التجريف الفكري حرث أرض عقلية المسلم المعاصر وهيأها ليزرع فيها تنظيم الإخوان بذور الشر، والتي أثمرت "ثمار الحنظل" من التنظيمات الإرهابية، وأتاح هذا للظاهرة الإخوانية التوغل والتمكن من المجتمعات العربية، والتلاعب بالقيم وتدميرها، مستفيدة من "الحضانة الاجتماعية" التي صنعها هؤلاء الدجالون.

 

وأضاف ربيع، ساعد على تمكين هذا التنظيم، انسحاب الدولة من مساحات حيوية تمدد فيها التنظيم، لاسيما في مجالات التعليم، والصحة، والجمعيات الأهلية. 

 

وتزامن ذلك في الثلاثين سنة الأخيرة مع تكاسل "الأسرة" عن القيام بواجبها في رعاية أبنائها وتوجيههم، وتربيتهم على قيم الهوية الدينية والوطنية، وتركهم نهباً لهؤلاء اللصوص من تجار الدين ومحترفي الحناجر، مما خلّف أجيالاً هشة نفسياً، سطحية ثقافياً، وخاوية من القيم الأصيلة للمجتمع المصري، فكانوا صيداً سهلاً للتجنيد وتنفيذ المخططات الإرهابية.


ركن الطاعة: صناعة "القطيع" الإخواني
وعن الهيكل التنظيمي، أوضح ربيع، أن الإرهابي الأول حسن البنا، مؤسس التنظيم، حدد محددات صارمة لضم الأعضاء عُرفت باسم "أركان البيعة"، مشيراً إلى أن أخطر هذه الأركان هو "ركن الطاعة".

 

 وتشكل البيعة شرطاً أساسياً للعضوية؛ إذ تنص المادة (4) من القانون الأساسي للجماعة (تعديل 1978) على التزام العضو بالخط الدعوي والمالي والسياسي والحركي، وترديد نص البيعة: "أبايع على طاعة المرشد ومن ينوب عنه والثبات على دعوة الإخوان المسلمين.. والسمع والطاعة لقيادتها في المنشط والمكره".

 

وعلّق ربيع على ذلك قائلاً: "هذا الفهم ينشئ حالة اجتماعية وتنظيمية تؤسس لطائفة مستقلة تنطوي على نفسها، وتحمل أفكاراً ورموزاً خاصة بها، حيث يتضامن الأعضاء فيما بينهم دون اعتبار للقوانين السائدة أو الأحكام الشرعية العامة، إلا بما يخدم الجماعة وأهدافها".

 

واستشهد ربيع بما قاله البنا في "رسالة التعاليم" حول مراحل الدعوة:


١- التكوين: ويقوم على استخلاص العناصر الصالحة لحمل أعباء الجهاد، وشعار هذه المرحلة هو (أمر وطاعة) من غير تردد ولا مراجعة ولا شك ولا حرج، وتمثل "الكتائب" هذه المرحلة.

٢- التنفيذ: وهي مرحلة جهاد لا هوادة فيه وعمل متواصل للوصول إلى الغاية، ولا يكفل النجاح فيها إلا كمال الطاعة.


خطوات الشيطان والغاية الغامضة


ووصف ربيع مراحل الدعوة عند التنظيم بأنها تشبه "خطوات الشيطان"؛ حيث يبدأ التنظيم في المرحلة الأولى (التعريف) بالتوغل الناعم والاتصال الأفقي بكافة شرائح المجتمع عبر المؤسسات التعليمية والصحية والرياضية، كغطاء اجتماعي وأمني يصعب رصده.

 

ثم ينتقل إلى المرحلة الثانية وهي (الاستخلاص)، وهو تجنيد قائم على الانتقاء والاصطفاء؛ حيث يتم "تصفية" العضو من الشوائب التي تعطل التنظيم مثل: القدرة على التفكير، والاستنتاج، وإبداء الرأي. فيتحول النظام إلى نموذج صوفي بحت (مريد وشيخ) وعسكري بحت (جندي وقائد)، بشعار "أمر وطاعة" دون مجال للاعتراض، والتعامل مع تكليفات القيادة كأمر إلهي معصوم.

 

وتساءل ربيع استنكاراً عن المرحلة الثالثة (التنفيذ والجهاد):


"ما هي هذه الغاية الغامضة والمبهمة التي يعرفها البنا وحواريه فقط؟ يبدو أن هذه الغاية هي ما رأيناه منذ عام 2011 وحتى الآن في سوريا، وليبيا، والعراق، واليمن، من تفكيك للمجتمعات، ونشر الفوضى، وإسقاط الأنظمة، وتدمير الجيوش الوطنية، وتفتيت الدول عبر حروب أهلية بالوكالة عن (مجلس إدارة الشر في العالم)، بزعم إقامة دولة الوهم الإخوانية (الخلافة) على أنقاض الدول وجثث الشعوب".

 

واختتم إبراهيم ربيع تصريحه مؤكداً أن ركن الطاعة في تنظيم الإخوان هو الأداة الرئيسية لصناعة "القطيع"، وبرمجة الوعي الجمعي للتنظيم ليتلاشى الفرد تماماً أمام جبروت الجماعة، ويساق طواعية وباستمتاع إلى الجحيم.
 

تم نسخ الرابط