رسائل هيلاري كلينتون كشفت تلقي معلومات من القيادات
التنظيم الإرهابي يتخلى عن شعار "الإسلام هو الحل" لمظلة أجهزة المخابرات الأجنبية
على مدار عقود، قدمت جماعة الإخوان الإرهابية نفسها باعتبارها حركة تملك مشروعا إسلاميا متكاملا، ورفعت شعار «الإسلام هو الحل» باعتباره عنوانًا لمشروعها السياسي والاجتماعي.
بدأ الخطاب الإخواني على أساس فكرة أن المجتمعات الإسلامية لا تحتاج إلى استيراد نماذج سياسية أو فكرية من الخارج، وأن الحل لمشكلاتها يكمن في العودة إلى المرجعية الإسلامية.. لكن مسار الجماعة خارج العالم العربي يكشف مفارقة سياسية لافتة؛ فبينما كانت ترفع في الداخل شعار الاعتماد على الإسلام باعتباره الحل، لجأت قياداتها وشبكاتها في أوقات الأزمات إلى عواصم غربية، واستفادت من بيئات سياسية وقانونية أجنبية، وأقامت مؤسسات وشبكات دولية، وسعت إلى بناء علاقات مع حكومات وأجهزة مخابراتية أجنبية، وقوى سياسية خارجية.
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد إقامة أفراد في دول أجنبية، ولكن بتحول الجماعة تدريجيا من تنظيم محلي إلى شبكة دولية، جعلت من بعض العواصم الغربية مراكز أساسية لنشاطها السياسي والإعلامي والتنظيمي.
بريطانيا.. حين يتحول الملاذ إلى مركز دولي
تقدم بريطانيا النموذج الأبرز لهذه المفارقة.. فقد تحولت لندن، على مدى عقود، إلى واحدة من أهم المظلات لقيادات وشخصيات وشبكات مرتبطة بجماعة الإخوان خارج العالم العربي.
ولم تكن بريطانيا مجرد محطة مؤقتة لعدد من القيادات التي غادرت دولها فقط، بل وفرت البيئة القانونية والسياسية التي سمحت لشخصيات وشبكات مرتبطة بالإخوان بالإقامة والعمل وتأسيس المؤسسات وممارسة النشاط السياسي والإعلامي والفكري.
ومع مرور الوقت، تحول الوجود الإخواني في بريطانيا من مجرد وجود أفراد إلى شبكة من المؤسسات والشخصيات والتنظيمات التي تعمل في مجالات متعددة، بينها العمل الإسلامي والسياسي والإعلامي والمجتمعي.
وتشير المراجعة الرسمية البريطانية التي أعلنت الحكومة نتائجها الرئيسية عام 2015، إلى أن “الإرهابية” تمتلك طبيعة عابرة للحدود، وأن فهم بنيتها وعلاقاتها يمثل مسألة معقدة، بسبب طبيعة الشبكات والروابط التي تتجاوز التنظيمات الوطنية.
وهكذا، لم تعد لندن مجرد ملجئا يقيم فيه بعض أعضاء الجماعة، ولكن أصبحت إحدى أهم الساحات التي جرى من خلالها بناء الحضور الدولي للإخوان.
من «الإسلام هو الحل» إلى «الاعتراف الغربي»
المفارقة هنا أن الجماعة التي كانت ترفض في خطابها السياسي فكرة الارتهان للخارج، وتقدم نفسها باعتبارها صاحبة مشروع مستقل، كانت تدرك في الوقت نفسه أهمية الحصول على الاعتراف الدولي.
ففي الدول العربية، كانت الجماعة تخوض معاركها تحت شعار الاستقلال عن القوى الأجنبية.
أما خارج العالم العربي، فقد سعت إلى بناء علاقات مع مراكز القوة الدولية، واستثمرت وجودها في العواصم الغربية لإدارة نشاطها والتعريف بمواقفها، وممارسة الضغوط السياسية والإعلامية.
وهنا يبرز التناقض السياسي عندما يتحول الخارج، الذي يجري انتقاده في الخطاب الداخلي، إلى ملاذ سياسي وتنظيمي عند الأزمات، وإلى مساحة لبناء النفوذ عندما تضيق المساحات داخل الوطن.
اللجوء السياسي.. وبناء الشبكات
استفادت شخصيات إرهابية وأخرى قريبة من التنظيم من نظام اللجوء والإقامة في بريطانيا، ومن البيئة القانونية التي تسمح بالنشاط السياسي والتنظيمي ما لم يخالف القانون البريطاني.
ومع مرور الوقت، لم يعد الأمر مقتصرًا على حماية أفراد، بل ساعد وجود عدد من القيادات والشخصيات ذات الخبرة التنظيمية والسياسية في بناء شبكات ومؤسسات داخل المجتمع البريطاني.
وهنا تحولت بريطانيا إلى مساحة تجمع بين الإقامة الآمنة لقيادات الإرهابية ومناصريهم، مع إمكانية تأسيس المؤسسات والجمعيات، وتوفير العمل الإعلامي والسياسي.
وتشير نتائج المراجعة الحكومية البريطانية، إلى أن جماعات مرتبطة أو متأثرة بالإرهابية، كان لها تأثير على منظمات ادعت تمثيل الجاليات المسلمة، وعلى بعض الجمعيات والمساجد، وذلك خلال مراحل معينة.
وبذلك أصبح السؤال البريطاني يتجاوز مجرد: «هل يعيش أعضاء من الإخوان في بريطانيا؟» إلى سؤال أكبر وهو ما مدى تأثير الشبكات والأفكار المرتبطة بالجماعة في مؤسسات المجتمع المدني؟.
بريطانيا تفتح ملف الإخوان
بعد عقود من وجود شخصيات وشبكات مرتبطة بالإخوان داخل بريطانيا، قررت حكومة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون عام 2014 إجراء مراجعة رسمية شاملة للجماعة.
وكانت المراجعة تهدف إلى دراسة فلسفة الجماعة وأنشطتها وتأثيرها داخل بريطانيا وخارجها، وتقييم مدى تأثير نشاطها على المصالح الوطنية البريطانية، فضلا عن بحث السياسة التي ينبغي للحكومة اتباعها تجاه الجماعة.
وفي ديسمبر 2015، نشرت الحكومة البريطانية النتائج الرئيسية للمراجعة، وقالت الحكومة إن بعض جوانب أيديولوجية الجماعة وأنشطتها تتعارض مع قيم بريطانية، من بينها الديمقراطية وسيادة القانون والحريات الفردية والمساواة والتسامح بين الأديان والمعتقدات.
كما أشارت إلى أن بعض أنصار الجماعة في مصر شاركوا في أعمال عنف، وأن بعض كبار قادتها لم يتبرؤوا من دعوات للانتقام.
لكن بريطانيا لم تصدر قرارا شاملا بحظر الإخوان باعتبارها تنظيمًا إرهابيًا، وهو ما عكس تعقيد الموقف الرسمي؛ فالمراجعة رصدت إشكالات تتعلق بالأيديولوجيا والنفوذ والعلاقات، لكنها لم تتحول إلى قرار بحظر الجماعة.
هل كانت بريطانيا حليفًا للإخوان؟
ولا تثبت الوثائق المتاحة بصورة قاطعة أن الحكومة البريطانية أو أجهزتها الأمنية كانت تدير جماعة الإخوان أو تمولها، لكن المؤكد أن بريطانيا وفرت بيئة قانونية سمحت لشخصيات وشبكات مرتبطة بالجماعة بالإقامة والنشاط، وأصبحت مركزًا مهمًا للحضور الإخواني خارج العالم العربي.
فيما وفرت بريطانيا بيئة سياسية وقانونية سمحت لشخصيات وشبكات مرتبطة بالإخوان ببناء حضور دولي واسع، قبل أن تتحول الجماعة نفسها إلى موضوع مراجعة رسمية داخل الحكومة البريطانية.
هنا يطرح مسار الجماعة سؤالًا سياسيًا لا يمكن تجاهله، وهو كيف يمكن لجماعة ترفع شعارًا سياسيًا يقوم على أن «الإسلام هو الحل»، وتنتقد النماذج الغربية وتقدم نفسها باعتبارها مشروعا مستقلا، أن تجعل من عواصم غربية مثل لندن مراكز رئيسية لنشاطها السياسي والإعلامي والتنظيمي؟.
الإجابة أن الجماعة، عندما خرجت من حدود العمل المحلي، أصبحت جزءا من شبكة دولية معقدة، تتقاطع فيها مصالحها مع مصالح دول وحكومات ومؤسسات وشخصيات خارجية، وبذلك ظهر وجهان مختلفان للجماعة، الأول يخاطب الداخل بشعار «الإسلام هو الحل»، والثاني يخاطب الخارج بحثا عن الاعتراف والمساحة والملاذ والتأثير.
التواصل بالخارج
وفي سياق متصل كشفت وقائع عام 2011 أن جماعة الإخوان، مع انتقالها من المعارضة إلى المنافسة على السلطة، تحركت داخل بيئة دولية واسعة.
ففي واشنطن، فُتحت قناة اتصال رسمية، وفي غزة، ظهر الاتصال العلني مع حركة حماس، وفي تركيا، تفاعلت الإرهابية مع نموذج سياسي إسلامي صاعد وقوة إقليمية مؤثرة.
في الوقت نفسه، كانت دوائر أمريكية تتابع بدقة مواقف الجماعة وخططها، وتتلقى معلومات أكدت مصادرها إنها قادمة من داخل مستوياتها العليا.
وهكذا، لم يعد الإخوان بعد الثورة مجرد فاعل مصري ينتظر الانتخابات، بل أصبحوا جزءًا من شبكة إقليمية ودولية واسعة، تتقاطع فيها السياسة المصرية مع الحسابات الأمريكية والتركية والفلسطينية.
واشنطن.. اعتراف رسمي بقناة الاتصال
في يونيو 2011، أعلنت الولايات المتحدة استئناف الاتصالات مع الجماعة الإرهابية، في تحول لافت للسياسة الأمريكية تجاه التنظيم.
وجاء الإعلان في أعقاب نهاية عصر مبارك، وفي وقت كانت فيه الجماعة تتحول إلى واحدة من أقوى القوى السياسية المنظمة في مصر.
وبررت واشنطن خطوتها بالحاجة إلى التواصل مع مختلف القوى السياسية المصرية، بما فيها الجماعة التي باتت لاعبا رئيسيا في المرحلة الانتقالية.
وفي المقابل، رحبت الإرهابية بالاتصالات الأمريكية، واعتبرتها فرصة لشرح رؤيتها السياسية ومواقفها من القضايا الداخلية والإقليمية.
رسائل هيلاري كلينتون.. معلومات من «أعلى مستويات الجماعة»
كشفت رسائل وزارة الخارجية الأمريكية التي أُفرج عنها لاحقا ضمن أرشيف رسائل هيلاري كلينتون، عن حجم الاهتمام الأمريكي بما كان يجري داخل الإخوان خلال عام 2011.
وطبقا لرسالة مؤرخة في ديسمبر من ذلك العام، نقل الصحفي سيدني بلومنتال، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي الأسبق، إلى هيلاري كلينتون، معلومات قال إنها جاءت من مصادر لديها إمكانية الوصول إلى «أعلى مستويات الإخوان»، إلى جانب مصادر داخل المجلس الأعلى للقوات المسلحة وأجهزة استخبارات وأمن غربية.
وتناولت المعلومات رؤية المرشد العام محمد بديع ومستشاريه لمستقبل الدولة المصرية، وتصورات الجماعة بشأن العلاقة بين الحكومة والجيش والاقتصاد والعالم الغربي.
وكشفت هذه الرسائل أن واشنطن لم تكن تتابع صعود الإخوان من خلال التصريحات العلنية فقط، بل كانت تتلقى أيضًا معلومات تفصيلية عن مواقف داخلية وخطط وتصورات منسوبة إلى دوائر قريبة من المستويات القيادية في الجماعة.
وهنا يظل السؤال مفتوحًا: هل كانت المعلومات تصل إلى واشنطن عبر اتصالات سياسية مباشرة، أم عبر مصادر داخلية، أم من خلال عمليات جمع معلومات استخباراتية؟.




