الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

لا تُقاس قيمة الخبر بعدد كلماته، أو مرات مشاركته على منصات التواصل، بل بما يصنعه من معرفة، وما يتركه من أثر في وعي المجتمع. غير أن العالم الرقمي أضاف إلى الخبر بُعدًا جديدًا؛ فلم يعد مجرد رسالة إعلامية، بل أصبح موردًا اقتصاديًا، تتولد حوله عوائد، وتُبنى عليه نماذج أعمال، وتتنافس عليه شركات تكنولوجيا تتجاوز قيمتها السوقية اقتصادات دول بأكملها.


ولعل المفارقة أن الخبر، الذي يبدأ بخطوة صحفي في الشارع، أو بمكالمة هاتفية، أو بوثيقة حصل عليها بعد عناء؛ يتحول بعد دقائق من نشره إلى مادة تجذب الجمهور، وتزيد من معدلات التفاعل، وتدعم سوق الإعلانات الرقمية، بينما يبقى من صنع هذه القيمة بعيدًا عن معادلة الاستفادة منها.

 

ولهذا، تناولنا في المقال السابق (لماذا لا تحصل الصحافة المصرية على نصيبها من أرباح جوجل وفيسبوك ويوتيوب؟) البحث عن إطار قانوني ينظم العلاقة الاقتصادية بين المنصات الرقمية والمؤسسات الصحفية، بما يحقق قدرًا من العدالة ويحافظ على استدامة صناعة الأخبار.

 

لكن الطريق يبدأ بفهم التجارب قبل إصدار القوانين.

ففي عام 2021، خطت أستراليا خطوة غير مسبوقة عندما أقرت تشريعًا يدفع المنصات الرقمية إلى التفاوض مع المؤسسات الإخبارية حول مقابل استخدام المحتوى الصحفي.

ولم يكن الهدف معاقبة شركات التكنولوجيا، أو تقييد الابتكار، وإنما تصحيح خلل اقتصادي استمر سنوات، كانت فيه المؤسسات تتحمل تكلفة إنتاج الأخبار، وفي المقابل تستفيد المنصات من انتشارها وجذبها للمستخدمين!

 

وأثبتت التجربة الأسترالية أن الإرادة التشريعية قادرة على تغيير قواعد اللعبة؛ إذ انتقل النقاش من سؤال: "هل تستحق الأخبار مقابلًا ماليًا؟" إلى سؤال أكثر تقدمًا: "كيف يُحدد هذا المقابل؟".

 

كما أُجبرت المنصات على التعامل مع المؤسسات الصحفية باعتبارها شريكًا في صناعة القيمة، لا مجرد مصدر مجاني للمحتوى.

 

ولم تبقِ النتائج حبيسة النصوص القانونية، إذ أبرمت شركات التكنولوجيا- وفي مقدمتها جوجل وميتا- عشرات الاتفاقات مع المؤسسات الإعلامية الأسترالية، وتُقدَّر القيمة الإجمالية لهذه الاتفاقات بنحو 200 مليون دولار أسترالي سنويًا، وهو ما وفر مصدر دخل جديدًا للمؤسسات الصحفية، وأسهم في تعزيز استدامتها المالية، والحفاظ على استمرار إنتاج المحتوى الإخباري.

 

غير أن التجربة، رغم أهميتها، كشفت أن سنَّ التشريع ليس نهاية الطريق، فالقانون نجح في تنظيم العلاقة بين المنصات والناشرين، لكنه لم يتدخل في الكيفية التي تُدار بها العوائد داخل المؤسسات. فلم يحدد نسبة لتحسين أجور الصحفيين، ولم يُلزم المؤسسات بتخصيص، ولو جزء من هذه الإيرادات، لتطوير العنصر البشري أو رفع كفاءة غرف الأخبار.. وهكذا، تُركت المسألة لسياسات كل مؤسسة وظروفها المالية.

 

أما كندا، فقد تبنت الفكرة نفسها من زاوية مختلفة، مؤكدة أن المحتوى الإخباري الذي يحقق قيمة اقتصادية للمنصات يجب أن يقابله عائد للمؤسسات المنتجة له.

 

غير أن التطبيق واجه تحديات أكثر تعقيدًا، بعدما دخلت بعض المنصات في خلافات مع الحكومة الكندية، وصلت إلى تقليص أو حجب المحتوى الإخباري عبر بعض خدماتها لفترة، ما كشف أن نجاح الفكرة لا يعتمد على التشريع وحده، بل يحتاج أيضًا إلى إدارة تفاوضية مرنة، توازن بين حقوق الصحافة واستمرار وصول الأخبار إلى الجمهور.

 

ورغم هذه التحديات، نجحت الحكومة الكندية في التوصل إلى اتفاق مع جوجل يقضي بدفع 100 مليون دولار كندي سنويًا، مع ربط المبلغ بمعدلات التضخم، لدعم المؤسسات الإخبارية المؤهلة.

 

أما ميتا، فقد اختارت وقف إتاحة الأخبار على منصتي فيسبوك وإنستجرام داخل كندا، بدلًا من الدخول في اتفاق مماثل، وهو ما أبرز أن نجاح التشريعات لا يتوقف على قوة القانون وحدها، بل يعتمد أيضًا على قدرة الحكومات على إدارة التفاوض مع المنصات الرقمية الكبرى.

 

ورغم اختلاف التجربتين، فإنهما تلتقيان عند حقيقة واحدة؛ وهي أن الخبر لم يعد منتجًا إعلاميًا فقط، بل أصبح أصلًا اقتصاديًا يستحق الحماية.

 

أما الحقيقة الأخرى، التي لا تقل أهمية، فهي أن كليهما لم يجعل الصحفي محور المعادلة، فالتشريعات اهتمت بحقوق المؤسسات، وهذا أمر مشروع، لأنها المنتج القانوني للمحتوى. لكنها لم تضع ضمانة واضحة تجعل تحسين أجور الصحفيين هدفًا ملزمًا. وبالتالي، فإن نجاح أي اتفاق اقتصادي لا يعني بالضرورة نجاحه اجتماعيًا أو مهنيًا.

 

ومن هنا، لا أرى أن على مصر أن تنقل التجربتين كما هما، بل أن تستفيد من دروسهما.

 

فإذا اتجهت الدولة مستقبلًا إلى وضع إطار ينظم العلاقة بين المنصات الرقمية والمؤسسات الصحفية، فمن الضروري أن يتضمن منذ البداية فلسفة مختلفة؛ تعتبر أن الإنسان هو رأس المال الحقيقي في صناعة الإعلام.

 

ومن ثم، يمكن أن ينص أي تشريع مستقبلي على إنشاء صندوق مستقل يخضع للرقابة والشفافية، تُودع فيه العوائد الناتجة عن الاتفاقات مع المنصات، على أن يُخصص ما لا يقل عن 70% من إجمالي هذه العوائد لتحسين أجور الصحفيين والإعلاميين والعاملين بتلك المؤسسات، باعتبار أن العدالة تبدأ بمن ينتج القيمة، بينما تُوجه النسبة المتبقية إلى المؤسسات وتدريب الصحفيين على أدوات الذكاء الاصطناعي، وصحافة البيانات، والتحول الرقمي، ودعم غرف الأخبار، وتمويل الصحافة الاستقصائية، بما يضمن أن تتحول هذه الموارد إلى استثمار حقيقي في مستقبل المهنة، لا مجرد إيرادات تذوب داخل الموازنات.

وقد قامت الدولة المصرية ببذل مجهودات كبيرة في زيادة الأجور والمرتبات وتحسين الحياة للعاملين بالجهاز الإداري للدولة، وشهدت المرتبات طفرة كبيرة منذ 2014 وحتى الآن.

 

كما يمكن أن يتولى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بالتنسيق مع الهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام ونقابة الصحفيين؛ وضع آليات واضحة لتوزيع هذه الموارد، وفق معايير معلنة تضمن العدالة والشفافية، وتربط بين تحسين الأجور وتطوير الأداء المهني وجودة المحتوى.

 

ولا يمكن مطالبة الصحفي بإنتاج محتوى ينافس العالم، بينما يعيش تحت ضغوط معيشية تثقل كاهله مع راتب بالكاد يلامس الحد الأدنى للأجور 

 

الاستثمار في الصحفي ليس رفاهية، بل هو استثمار في حق المجتمع في المعرفة، وفي إعلام مهني قادر على مواجهة الشائعات، وتعزيز الوعي، وحماية الأمن المعلوماتي للدولة.

 

ولذلك، فإن القضية لم تعد: كيف تحصل المؤسسات على أموال من المنصات؟

 

القضية الأهم هي: كيف نضمن أن تصل هذه الأموال إلى الغاية التي جُمعت من أجلها؟

 

فعندما يصبح الخبر ثروة،  يجب أن نضمن وصول هذا العائد إلى مستحقه الأول؛ الصحفي الذي صنع الخبر، وتحمل مسؤولية البحث عنه، والتحقق منه، وتقديمه للمجتمع بمهنية وأمانة.

 

تم نسخ الرابط