الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

إمبراطورية المال.. كيف أدارت جماعة الإخوان شبكاتها المؤسسية في الخارج؟

بوابة روز اليوسف

لم يعد الحديث عن جماعة الإخوان في الخارج يقتصر على النشاط السياسي أو الحضور الإعلامي، بل امتد خلال السنوات الأخيرة إلى شبكة واسعة من المؤسسات والجمعيات والشركات التي نشأت في عدد من الدول الأوروبية وتركيا، وأصبحت تمثل أحد أهم الملفات المرتبطة بمستقبل التنظيم.

 

وأعاد الانقسام الحاد بين جبهتي إبراهيم منير ومحمود حسين هذا الملف إلى الواجهة، بعدما انتقل الخلاف من التنافس على القيادة والشرعية إلى صراع على إدارة المؤسسات والموارد والنفوذ.

 

وتشير دراسات وتقارير بحثية إلى أن الجماعة، منذ خروج أعداد كبيرة من قياداتها من مصر بعد عام 2013، أعادت ترتيب وجودها الخارجي عبر كيانات تعمل وفق الأطر القانونية للدول المضيفة. وبينما يرى باحثون أن هذه الشبكات وفرت للتنظيم قدرة على الاستمرار وإدارة أنشطته، تؤكد جهات مرتبطة بالجماعة أن هذه المؤسسات مستقلة وتعمل وفق القوانين المحلية، وهو ما يجعل طبيعة العلاقة بينها وبين التنظيم محل نقاش مستمر بين الباحثين.


أوروبا وتركيا.. مراكز الثقل الجديدة

 

أحدثت التطورات التي أعقبت عام 2013 تحولًا في خريطة انتشار قيادات الإخوان، إذ أصبحت تركيا وبريطانيا وعدد من الدول الأوروبية مراكز رئيسية لاستقرار شخصيات قيادية وإطلاق كيانات إعلامية ومجتمعية وتعليمية.

 

 وتشير دراسات المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية إلى أن الجماعة اتجهت إلى بناء حضور مؤسسي يعتمد على جمعيات أهلية وشركات خاصة ومراكز بحثية ومنصات إعلامية تعمل في إطار القوانين المنظمة في تلك الدول.

 

وتلفت هذه الدراسات إلى أن طبيعة هذه الكيانات تختلف من دولة إلى أخرى، فمنها ما يقدم خدمات تعليمية أو اجتماعية أو إعلامية، ومنها ما يمارس أنشطة تجارية أو استثمارية بصورة قانونية.

 

ويرى باحثون أن هذا التنوع منح الجماعة مرونة في إدارة حضورها الخارجي، فيما يرفض آخرون التعميم بشأن ارتباط جميع هذه المؤسسات بالتنظيم، مؤكدين ضرورة تقييم كل كيان على حدة وفق وضعه القانوني وطبيعة نشاطه.

 

 من التنظيم الهرمي إلى الشبكات المؤسسية

 

يعد الباحث الإيطالي لورينزو فيدينو، مدير برنامج التطرف بجامعة جورج واشنطن، من أبرز المتخصصين في دراسة شبكات الإخوان في أوروبا.

 

وفي عدد من أبحاثه، يرى أن وجود الجماعة في الغرب تطور من تنظيم ذي هيكل هرمي إلى شبكة واسعة من المؤسسات التي تعمل بصورة قانونية داخل كل دولة، مع وجود روابط فكرية وتنسيقية بينها.


ويشير فيدينو إلى أن هذه الشبكات تضم جمعيات دينية، ومراكز ثقافية، ومؤسسات تعليمية، ومنظمات مجتمع مدني، إضافة إلى أنشطة اقتصادية وعقارية، وهو ما وفر لها مصادر استقرار مؤسسي وقدرة على الاستمرار رغم التغيرات السياسية.

 

 ويرى أن هذا النموذج يجعل تتبع البنية التنظيمية والمالية أكثر تعقيدًا، لأن المؤسسات تعمل وفق قوانين محلية مستقلة، بينما تظل العلاقات الفكرية أو الشخصية قائمة بين عدد من القائمين عليها.

 

وتتناول الدراسات البحثية عددًا من الكيانات التي ارتبط اسمها في الأدبيات الأكاديمية والإعلامية بشبكات الإخوان في أوروبا، من بينها مجلس مسلمي أوروبا (الاسم السابق: اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا) ومقره بروكسل، ومنتدى المنظمات الشبابية والطلابية الإسلامية الأوروبية (FEMYSO) في بلجيكا، والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في أيرلندا، والرابطة الإسلامية في بريطانيا (MAB)، إلى جانب وقف أوروبا (Europe Trust) في المملكة المتحدة، فضلًا عن عدد من المراكز الإسلامية والمؤسسات التعليمية والمنصات الإعلامية التي اتخذت من تركيا وبريطانيا مقارًا لها خلال السنوات الماضية.

 

 وتشير الدراسات إلى أن هذه الكيانات تختلف من حيث طبيعة نشاطها وأوضاعها القانونية، كما تتباين تقديرات الباحثين بشأن مستوى ارتباطها التنظيمي بالإخوان، بينما تؤكد بعض هذه المؤسسات أنها تعمل بصورة مستقلة ووفق القوانين المنظمة لعمل الجمعيات والمنظمات في الدول التي تنشط فيها.

 


ويشير الباحث الإيطالي لورينزو فيدينو إلى أن قوة هذه الشبكات لا تكمن في وجود قيادة تنظيمية مركزية واحدة، وإنما في تعدد المؤسسات التي تعمل بصورة قانونية في مجالات الدعوة والتعليم والعمل المجتمعي والإعلام، مع وجود روابط فكرية وشخصية بين عدد من القائمين عليها.

 

ويرى أن هذا النموذج منح الجماعة قدرة على الحفاظ على حضورها في أوروبا رغم الضغوط السياسية والقانونية التي تعرضت لها خلال السنوات الأخيرة.


كما تذهب دراسات المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية إلى أن هذا التنوع في الكيانات منح الجماعة مرونة في إعادة توزيع أدوارها بين المؤسسات المختلفة، بحيث لا يعتمد نشاطها الخارجي على كيان واحد، وإنما على شبكة متداخلة من الجمعيات والشركات والمؤسسات الإعلامية والتعليمية، وهو ما جعل خريطة النفوذ أكثر تعقيدًا، وأصعب في التتبع بالنسبة للباحثين.

 

الإعلام.. ذراع التأثير والتمويل

 

لم يكن الإعلام مجرد وسيلة لنقل خطاب جماعة الإخوان، بل تحول، وفق دراسات تريندز للبحوث والاستشارات، إلى أحد أبرز أدوات النفوذ داخل التنظيم، لما يمثله من قدرة على التأثير في القواعد، وإدارة الخطاب السياسي والإعلامي، وجذب الموارد عبر الإعلانات والتبرعات، إلى جانب دعم الحملات الإعلامية الموجهة إلى الداخل والخارج.

 

وتشير دراسات الباحث الإيطالي لورينزو فيدينو، إلى جانب دراسات المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، إلى أن الحضور المؤسسي للإخوان في أوروبا لا يعتمد على كيان واحد، بل على شبكة من الجمعيات والمراكز الإسلامية والمؤسسات التعليمية والإعلامية وهيئات الإفتاء والأوقاف، المنتشرة في دول مثل بريطانيا وبلجيكا وألمانيا وفرنسا والنمسا.

 

وتوضح هذه الدراسات أن هذه الكيانات تختلف في طبيعة أنشطتها وأوضاعها القانونية، كما تتباين تقديرات الباحثين بشأن مستوى ارتباط كل منها بالتنظيم، بينما تؤكد بعض هذه المؤسسات أنها تعمل بصورة مستقلة ووفق القوانين المنظمة في الدول التي تنشط فيها.

 

ومع اندلاع الخلاف بين جبهتي لندن وإسطنبول، انعكس الانقسام على المشهد الإعلامي بصورة واضحة.

 

 فقد رصدت تقارير سكاي نيوز عربية والشرق الأوسط انتقال حالة الاستقطاب إلى عدد من المنصات الإعلامية والشخصيات المحسوبة على الجماعة، حيث تبنى كل طرف خطابًا يدعم موقفه في صراع الشرعية والإدارة، لتتحول وسائل الإعلام من أداة للترويج لخطاب التنظيم إلى ساحة مفتوحة لتبادل البيانات والردود، وهو ما عمّق الانقسام الداخلي وأبرز حجم التنافس على أدوات التأثير داخل الجماعة.

 

الانقسام يعيد رسم خريطة النفوذ

 

لم يكن الانقسام بين جبهتي لندن وإسطنبول مجرد خلاف على المناصب، بل امتد إلى المؤسسات التي تمثل أدوات النفوذ داخل التنظيم.

 

 وتشير تقارير إعلامية إلى أن الأزمة انعكست على إدارة عدد من الكيانات الإعلامية والإدارية، حيث حاول كل طرف الحفاظ على نفوذه داخل المؤسسات التي يتمتع فيها بحضور أكبر.

 

ويرى الباحث في شؤون الحركات الإسلامية عمرو فاروق أن الأزمة كشفت عن انتقال الصراع من الخلاف التنظيمي إلى التنافس على أدوات التأثير والموارد، موضحًا في تصريحات إعلامية أن السيطرة على المؤسسات أصبحت جزءًا من معركة الشرعية داخل الجماعة.

 

ويتفق معه الباحث منير أديب، الذي يرى أن الانقسام أفرز مراكز قوة متعددة، وأن الصراع تجاوز المواقع القيادية ليشمل المؤسسات التي تمثل أدوات الحضور الخارجي، سواء كانت إعلامية أو تنظيمية أو إدارية.

 

ورغم تداول اتهامات متبادلة بين الجبهتين بشأن إدارة بعض الموارد والمؤسسات، فإن هذه الاتهامات ظلت جزءًا من السجال الداخلي، ولم تُحسم بأحكام قضائية نهائية، وهو ما يقتضي التعامل معها بوصفها روايات متبادلة بين أطراف النزاع.

 

خريطة مرنة تواجه تحديات متزايدة

 

تكشف الدراسات الصادرة عن المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية وتريندز، إلى جانب أبحاث لورينزو فيدينو، أن نموذج عمل الإخوان في الخارج يعتمد على شبكة مرنة من المؤسسات تختلف طبيعتها من دولة إلى أخرى، وهو ما منح الجماعة قدرة على التكيف مع المتغيرات السياسية والقانونية.

 

هذه المرونة نفسها أصبحت محل اختبار بعد الانقسام الداخلي، إذ انعكس الصراع على عدد من المؤسسات والمنصات، وأعاد طرح تساؤلات حول مستقبل هذه الشبكات، ومدى قدرتها على الحفاظ على تماسكها في ظل تعدد مراكز القرار وتباين الرؤى بين القيادات.

 

يكشف تتبع مسار الجماعة في الخارج أن الحضور المؤسسي أصبح أحد أهم عناصر بقائها خلال العقد الأخير، وأن المؤسسات الإعلامية والجمعيات والكيانات الاقتصادية لعبت أدوارًا مختلفة في هذا الحضور، وإن ظل تقييم طبيعة ارتباط بعضها بالتنظيم محل نقاش بين الباحثين.

 

ومع تفجر الخلافات الداخلية، انتقلت المنافسة من الشرعية التنظيمية إلى إدارة هذه الشبكات، لتتحول إلى أحد أبرز عناوين الأزمة التي يعيشها التنظيم اليوم، وفق ما تناولته الدراسات الأكاديمية والتقارير البحثية والتغطيات الإعلامية.

تم نسخ الرابط