الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

مهندسو اليأس..  و تعمد إخفاء الحقيقة عن المصريين

كيف سعت منصات الإخوان لصناعة صورة سوداء لمصر؟

بوابة روز اليوسف

لم تعد المعركة التي تخوضها جماعة الإخوان الإرهابية ضد الدولة المصرية تقتصر على البيانات السياسية أو الدعوات المباشرة إلى التظاهر، وإنما انتقلت بدرجة كبيرة إلى معركة على وعي المواطن ومشاعره وتقييمه للواقع.

ففي الوقت الذي يصعب فيه إقناع المصري بأن كل شيء في بلاده سلبي، أو أن الدولة لا تحقق أي إنجاز، أو أن المجتمع يعيش على حافة الانهيار بصورة دائمة، تبدو الاستراتيجية الأكثر فاعلية أمام منصات الجماعة وحلفائها هي تقديم جرعة يومية من الأخبار السلبية، والمعلومات المجتزأة، والأرقام غير المكتملة، والتفسيرات المنحازة، وإعادة تدوير الوقائع القديمة باعتبارها أحداثًا جديدة؛ حتى يصبح الاستثناء هو القاعدة، والمشكلة الصغيرة دليلًا على الانهيار، والأزمة المؤقتة برهانًا على الفشل الكامل.

وهنا يظهر مصطلح «مهندسي اليأس»؛ لوصف منظومة إعلامية لا تكتفي بانتقاد السياسات أو كشف الأخطاء، وإنما تسعى إلى تشكيل مزاج عام قائم على الإحباط وفقدان الثقة والشعور بالعجز.

ويعتمد صناع اليأس على الشائعات بصورة كبيرة ، ولذلك تقدم دار الإفتاء المصرية توصيفًا بالغ الدلالة لآلية عمل الشائعة؛ إذ تعرفها بأنها خبر مجهول المصدر يتضمن معلومات مضللة، وقد يعتمد على المبالغة أو التهويل، ويهدف إلى التأثير النفسي في الرأي العام وتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو عسكرية. كما تؤكد أن الشائعات تعمل بصورة خاصة على تغيير اتجاه الرأي العام في أوقات الأزمات.

وفي سبتمبر 2024، حذرت دار الإفتاء من المشاركة في ترويج الشائعات دون تثبت، مؤكدة أن ذلك يسهم في نشر الكذب وبث الفزع والتأثير السلبي على المجتمع، ودعت إلى الرجوع إلى أهل الاختصاص والمصادر الموثوقة قبل إعادة نشر المعلومات.

 

الحقيقة ليست الهدف

واللافت في خطاب المنصات المعادية لمصر  ليس فقط وجود معلومات غير دقيقة، وإنما طريقة بناء الرواية نفسها، فقد تكون هناك أزمة اقتصادية حقيقية، أو ارتفاع في الأسعار، أو مشكلة في أحد القطاعات، وهي أمور يمكن مناقشتها وانتقادها، لكن آلية التناول تتحول إلى شيء مختلف تمامًا عندما يجري انتقاء الأزمة من سياقها، وتقديمها باعتبارها الدليل الوحيد على وضع الدولة بأكملها.

وفي المقابل، يتم تجاهل أي مؤشرات أو معلومات لا تتناسب مع الرسالة المراد إيصالها، وهكذا لا يصبح السؤال: «ماذا حدث؟»، وإنما: «كيف نريد للمواطن أن يشعر تجاه ما حدث؟».. وهذه نقطة جوهرية في فهم الدعاية السياسية؛ إذ يمكن للمعلومة الصحيحة نفسها أن تتحول إلى أداة تضليل إذا جرى اقتطاعها من سياقها، أو حذف نصف الحقيقة منها، أو تقديمها دون مقارنة زمنية أو اقتصادية أو اجتماعية.

وبالتالي، فإن «الإخفاء» هنا لا يعني بالضرورة إخفاء الخبر بالكامل، وإنما قد يعني إخفاء الجزء الذي يفسر الخبر.

 

«الإخوان» و8 أدوات لصناعة الرواية السوداء

الخبير في شؤون الحركات المتطرفة إسلام الكتاتني أكد أن المعركة مع جماعة الإخوان هي «معركة وعي» ممتدة، مشيرًا إلى أن الجماعة، رغم تحجيم تنظيمها، ما زالت تحاول استغلال الفضاء الإلكتروني لنشر أفكارها وتضليل الرأي العام، من خلال حرب الشائعات وتزييف الحقائق.

وفي تصريحات أخرى، وصف الكتاتني حرب التشهير والإعلام الكاذب بأنها جزء أساسي من استراتيجية الجماعة الجديدة، مشيرًا إلى استخدام قنوات إعلامية خارجية وكتائب إلكترونية لنشر الأكاذيب والمعلومات المغلوطة وتزييف الحقائق وتشويه صورة الدولة.

المهم هنا أن الحديث لا يدور عن «منشور كاذب» منفرد، وإنما عن بيئة كاملة لإعادة إنتاج الرسالة، حيث تبدأ القصة بمنشور أو مقطع أو ادعاء، ثم تعاد صياغته عبر حسابات متعددة، وبعدها يظهر في صورة «خبر متداول»، ثم يبدأ بعض المستخدمين في التعامل معه باعتباره حقيقة لمجرد أنه ظهر أمامهم عشرات المرات.

ومع تكرار الرسالة، تتراجع أهمية المصدر، ويصبح السؤال لدى المتلقي: «هل يعقل أن يكون كل هذا خطأ؟»، وهنا تحقق الدعاية أحد أهم أهدافها وهو تحويل التكرار إلى بديل عن الدليل.

 

ثلاثة نماذج تكشف «هندسة اليأس» لدى الإخوان 

النموذج الأول: فيديو قديم من 2018.. يعود باعتباره «واقعة جديدة»

ففي سبتمبر 2024، كشفت وزارة الداخلية عن أحد النماذج المباشرة لإعادة تدوير الوقائع القديمة.. حيث تداولت إحدى الصفحات التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو زعمت أنه يوثق اعتداء رجال الشرطة على أحد المواطنين.

لكن الفحص الذي أعلنته وزارة الداخلية كشف أن الفيديو قديم، وسبق تداوله عام 2018، وأن الإجراءات القانونية كانت قد اتُّخذت بشأن الواقعة في حينها، كما صدر بيان رسمي عنها وقت وقوعها.

المفارقة أن المادة لم تقدم باعتبارها «أرشيفًا» أو واقعة قديمة، وإنما أعيد طرحها ضمن سياق جديد بما يوحي للمشاهد بأنها حدثت في الوقت الراهن.

وهنا تكمن إحدى أخطر أدوات صناعة اليأس وهي أنه لا حاجة إلى اختلاق حادث جديد إذا كان بالإمكان استخراج حادث قديم من الأرشيف وإعادته إلى الشاشة باعتباره دليلًا على أن الأزمة ما زالت تتكرر.

وأكدت وزارة الداخلية وقتها أن إعادة بث الفيديوهات القديمة واجتزائها من مضمونها يمثل محاولة لتزييف الحقائق، بينما نقلت «المصري اليوم» تفاصيل بيان الوزارة بشأن الواقعة وتاريخ الفيديو.

وهذا النموذج يكشف أن التضليل قد لا يكون في «الصورة» نفسها؛ فالصورة حقيقية بالفعل، لكن الكذب موجود في التاريخ والسياق، وهذه نقطة بالغة الأهمية؛ لأن المشاهد عندما يرى واقعة حقيقية يصعب عليه أن يشك في أصل الفيديو، بينما قد يكون التضليل كله قائمًا على السؤال: متى وقع هذا؟

 

النموذج الثاني: فيديو حقيقي.. لكن الصوت «مفبرك»

يعد النموذج الأكثر تعقيدًا ظهر في يونيو 2024، عندما تداولت صفحات تابعة لجماعة الإخوان مقطع فيديو زعمت من خلاله وجود تجمعات لمواطنين في الإسكندرية مؤيدة لدعوات تحريضية.

لكن وزارة الداخلية كشفت عن أن الفيديو الأصلي كان وقفة تضامنية مع غزة في الإسكندرية خلال أكتوبر من العام السابق، وقد نظمها أحد الأحزاب السياسية بعد الحصول على التصاريح اللازمة.

ولم يتوقف الأمر عند إعادة استخدام فيديو قديم؛ إذ أوضحت الوزارة أن أحد العناصر الإخوانية الهاربة بالخارج قام بفبركة مقطع صوتي وإضافته إلى الفيديو، في محاولة لإيهام المشاهد بأن المشاركين في الوقفة كانوا يرددون هتافات مؤيدة للجماعة ودعواتها.

وهنا ننتقل إلى مستوى آخر من التضليل، ففي النموذج الأول جرى تغيير الزمن.. أما هنا فجرى تغيير المضمون نفسه، فالصورة حقيقية، والمكان حقيقي، والمشاركون حقيقيون، لكن الصوت المضاف خلق رواية مختلفة تمامًا عن الواقعة الأصلية.

وبذلك يمكن للمشاهد أن يقع في الفخ دون أن يشك في الصورة، لأن الصورة بالفعل صحيحة، بينما التلاعب حدث في عنصر آخر من عناصر القصة.

وقد نشرت وسائل الإعلام تفاصيل الواقعة نقلًا عن بيان وزارة الداخلية، الذي أكد أن الفيديو يعود إلى وقفة تضامنية مع غزة، وأن الصوت أضيف إليه بصورة مفبركة للإيحاء بغير حقيقته.

وهذا النموذج يشرح كيف تعمل «هندسة اليأس» في العصر الرقمي:صورة حقيقية مع  صوت مزيف للوصول إلى واقعة كاذبة تبدو حقيقية، وهو أسلوب شديد الخطورة؛ لأنه يستفيد من ثقة الإنسان في الصورة باعتبارها «دليلًا لا يكذب».

 

النموذج الثالث: 2026.. واقعة قديمة تعود من جديد

في فبراير 2026، ظهر نموذج ثالث أكثر حداثة، فقد أعلنت وزارة الداخلية أن إحدى الصفحات التابعة لجماعة الإخوان تداولت مقطع فيديو تضمن تضرر أحد الأشخاص من مقتل سائق سيارة على يد أحد ضباط الشرطة في الجيزة، بما يوحي بأن الواقعة حديثة.

لكن الفحص كشف عن أن الفيديو قديم، وأن الواقعة تعود إلى 12 يونيو 2025، وأوضحت الوزارة أن الواقعة الأصلية كانت تتعلق بوفاة قائد سيارة إثر إصابته بطلق ناري عقب خلاف مع أحد ضباط الشرطة على أولوية المرور بعد تصادم بين سيارتيهما، وأن الإجراءات القانونية اتُّخذت في حينها بحق الضابط، وتم إيقافه عن العمل، كما كان قيد الحبس على ذمة القضية وقت بيان الوزارة.

إذن، مرة أخرى، لم تكن القضية اختراع حادثة من الأساس، بل كانت إعادة تدوير واقعة حقيقية، بعد مرور أشهر على حدوثها، وتقديمها للجمهور وكأنها حدثت للتو.

فيما وصفت وزارة الداخلية  ما حدث بأنه يأتي في إطار إعادة نشر فيديوهات قديمة والزعم بأنها حديثة بهدف تزييف الحقائق ونشر الشائعات.

واللافت أن النموذج الثالث جاء بعد النموذجين السابقين بسنوات وشهور، بما يكشف أن إعادة تدوير المحتوى القديم ليست حادثة استثنائية، وإنما نمط متكرر في استخدام الفيديوهات ضمن حملات التأثير الرقمي.

 

ماذا تقول النماذج الثلاثة؟

وعند وضع النماذج الثلاثة إلى جوار بعضها، تظهر ثلاث تقنيات مختلفة: الأولى: التلاعب بالزمن.. واقعة قديمة تُقدم باعتبارها جديدة، الثانية: التلاعب بالمضمون تشمل صورة حقيقية يجري تركيب صوت مختلف عليها، والثالثة: التلاعب بالسياق.

والتقنية الثالثة واقعة حقيقية يجري فصلها عن ظروفها وإعادة تقديمها باعتبارها دليلًا على أزمة مستمرة، والنتيجة واحدة وهي أن المواطن لا يحصل على الواقعة كما حدثت، و إنما على نسخة مصممة للتأثير في مشاعره تجاه الواقع.

 

«المعلومة القديمة».. سلاح لإنتاج أزمة 

تكرار هذه النماذج يكشف لماذا تمثل الفيديوهات القديمة سلاحًا  عند منصات الجماعات المتطرفة مناسبًا للدعاية القائمة على صناعة الإحباط، فالفيديو القديم يمتلك ميزة أساسية: أنه حقيقي من حيث الصورة، وبالتالي لا يحتاج مروجوه إلى إنتاج مادة جديدة، ويكفي أن يتم تغيير التاريخ أو العنوان أو التعليق المصاحب.

وهنا يستطيع مقطع عمره عام أو عامان أن يتحول خلال ساعات إلى «خبر عاجل»، وتزداد خطورة هذا الأسلوب مع انتشار الفيديوهات القصيرة، لأن الصورة تصل إلى المواطن قبل أن يصل إليها سياقها.

والمواطن الذي يشاهد عشرين ثانية من واقعة قديمة قد لا يعرف أن الدقيقة التالية من الفيديو كانت تحتوي على معلومة تغير فهم القصة بالكامل.

وهنا يبرز سؤال لماذا «اليأس» تحديدًا؟ لأن الغضب وحده لا يكفي، فقد يغضب المواطن من قرار، ثم يهدأ بعد تغييره أو توضيحه... أما عندما يتحول الغضب إلى قناعة بأن «لا شيء سيتغير»، وأن «كل المؤسسات فاشلة»، وأن «المستقبل أسوأ»، وأن «الدولة لا أمل فيها»، فإن الدعاية تكون قد انتقلت من التأثير في موقف سياسي محدد إلى إعادة تشكيل نظرة الإنسان إلى مستقبله.

وهنا تظهر معادلة خطيرة: إثارة القلق، ثم تضخيم المشكلة، ثم تعميمها و تكرارها، ثم تحويلها إلى قناعة تصل إلى صناعة اليأس.

الكاتب الصحفي وجدي زين الدين سبق أن تناول هذا الأسلوب، مشيرًا إلى أن جماعة الإخوان تستغل الظروف المعيشية وتروج لصورة تقوم على أن حياة الناس لم تتحسن وأن الأسعار ترتفع بصورة مستمرة، معتبرًا أن الهدف هو إصابة الناس باليأس والإحباط، مع الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي في نشر هذه الرسائل.

 

من «الخبر» إلى «الترند»

وتشير الأدبيات البحثية حول استخدام الجماعات المتطرفة للمنصات الرقمية إلى أن التنظيمات المتطرفة أدركت مبكرًا قدرة الشبكات الاجتماعية على الوصول إلى جمهور واسع وبناء روايات مؤثرة والتفاعل مع الأحداث بما يخدم أهدافها الدعائية.

لكن الأهم في الحالة المصرية أن النماذج الثلاثة التي وثقتها وزارة الداخلية تكشف أن المحتوى المضلل لا يحتاج دائمًا إلى اختلاق مشهد كامل؛ أحيانًا يكفي تغيير التاريخ، أو الصوت، أو السياق.

 

من خسارة الأرض إلى محاولة استعادة التأثير

 و يتأكد من طرح تلك النماذج أن الجماعة الإرهابية بعد فقدان حضورها السياسي المباشر في مصر، أصبح الفضاء الإلكتروني أحد المجالات التي تستطيع من خلالها المحافظة على حضورها في المجال العام.

ومن هنا يمكن فهم التركيز على منصات إعلامية خارجية، وحسابات اجتماعية، ومقاطع فيديو قصيرة، وإعادة تدوير الأخبار القديمة، والتعليق المستمر على الأزمات، فالهدف ليس بالضرورة إقناع المواطن بأن الإخوان هم البديل الأفضل في كل مرة، في بعض الحالات يكفي أن يقتنع المواطن بأن «لا أحد يستحق الثقة، وهذه نقطة شديدة الخطورة؛ لأن الدعاية لا تحتاج إلى تقديم بديل حتى تنجح في هدم الثقة في البديل الموجود.

 

الحرب على الوعي لا على الخبر

اللواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، تحدث أكثر من مرة عن التحول من الحروب التقليدية إلى أنماط تستهدف الوعي والثقة، وأشار في تصريحات سابقة إلى أن حروب الجيلين الرابع والخامس تستهدف وعي الشعوب وزعزعة ثقتها في الدولة، خاصة مع الاعتماد المتزايد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر للمعلومات.

كما وصف حروب الجيلين الرابع والخامس بأنها حروب تعتمد على الشائعات وخفض الروح المعنوية وإفقاد المواطن الثقة في قيادته ودولته.

ودعا إلى تعزيز المواجهة المؤسسية للشائعات، محذرًا من تأثير الكتائب الإلكترونية ومن الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي في نشر المعلومات المضللة.

وبغض النظر عن اختلاف الباحثين في تعريف «حروب الجيل الرابع والخامس» من الناحية الأكاديمية، فإن النقطة التي يلتقي حولها هذا الخطاب واضحة: المعلومة أصبحت جزءًا من الصراع، والثقة أصبحت هدفًا أساسيًا للتأثير.

 

استهداف العقل قبل الواقع

ولا يقتصر الأمر على تجربة الإخوان وحدها، فمرصد الأزهر لمكافحة التطرف نشر في يونيو 2026 تحليلًا حول «الهندسة النفسية» التي تستخدمها الجماعات المتطرفة لاستقطاب الشباب، موضحًا أن هذه الأدوات تقوم على فهم طريقة تفكير الإنسان والتأثير في مشاعره وسلوكه، من خلال اللغة والإقناع والتكرار واستثارة المشاعر.

وأكد المرصد أن أخطر معارك العصر ليست فقط معركة السلاح، وإنما معركة الوعي؛ لأن الجماعات المتطرفة تسعى إلى إعادة تشكيل إدراك الإنسان ومشاعره قبل دفعه إلى تبني مواقفها.

 

كسر «هندسة اليأس»

ان المواجهة لا تبدأ بتكذيب كل منشور، لأن كثرة البيانات وحدها لا تكفي، المطلوب هو بناء ثقافة عامة تقوم على عدة قواعد وهي: 

أولًا: لا تصدق الخبر الذي يعتمد على مصدر مجهول وحده.

ثانيًا: لا تحكم على رقم دون معرفة مصدره وتاريخ قياسه.

ثالثًا: لا تتعامل مع الفيديو باعتباره دليلًا قبل معرفة مكانه وزمانه.

رابعًا: لا تقبل المقارنة دون معرفة معايير المقارنة.

خامسًا: لا تسمح لتراكم الأخبار السلبية بأن يتحول إلى حكم شامل على المستقبل.

وهذه النقطة الأخيرة هي الأهم، فحتى لو كانت كل الأخبار التي تصل إلى المواطن صحيحة، فإن انتقاء الأخبار السلبية وحدها يمكن أن ينتج صورة مشوهة عن الواقع، وهنا لا يعود التضليل في «المعلومة»، وإنما في اختيار المعلومة التي يُسمح لها بأن تمثل الواقع كله.

وتؤكد دار الإفتاء المصرية أن مواجهة الشائعات تقوم على التثبت، ومطالبة مروجيها بالدليل، وعدم تناقل ما لا يقوم عليه دليل صحيح، والرجوع إلى أهل الاختصاص.

كما أشارت دار الإفتاء في تناول آخر إلى أن الشائعة تتميز عادة بالغموض والمبالغة والتضخيم، وأن من أهدافها التأثير على الروح المعنوية وإثارة البلبلة وزرع الشك.

 

من يملك تفسير الواقع؟

في النهاية، تبدو المعركة بين الدولة المصرية والمنصات التابعة أو المحسوبة على جماعة الإخوان لم تعد فقط حول «من يملك المنبر الإعلامي؟»، وإنما حول سؤال أعمق: من يملك حق تفسير ما يحدث للمواطن؟، فالواقع أكثر تعقيدًا من المنشور، وأكثر اتساعًا من الفيديو، وأكثر صدقًا من «الترند».

ولهذا فإن أخطر ما تفعله «هندسة اليأس» ليس أن تجعل المواطن يصدق كذبة واحدة، وإنما أن تدفعه تدريجيًا إلى عدم تصديق أي حقيقة إيجابية، وعند هذه النقطة تكون الدعاية قد حققت أخطر أهدافها: أن يصبح المواطن أسيرًا لصورة ذهنية مسبقة، يرى من خلالها كل حدث باعتباره دليلًا جديدًا على الانهيار، حتى لو كانت الوقائع نفسها أكثر تعقيدًا.

ومن هنا فإن أفضل رد على «مهندسي اليأس» ليس المزيد من الشعارات، وإنما المعلومة الدقيقة، والشفافية، وسرعة التصحيح، وإتاحة الأرقام، والاعتراف بالأخطاء، ووضع الإنجاز والفشل معًا في سياقهما الحقيقي.

إن المواطن الذي يمتلك الحقيقة كاملة يصعب أن تسيطر عليه نصف الحقيقة، وفي عالم أصبحت فيه المعلومة أسرع من أي وقت مضى، فإن حماية المجتمع لا تبدأ بمنع الناس من السؤال، و إنما بمنحهم القدرة على تمييز السؤال المشروع من الشائعة، والنقد من التحريض، والمعلومة من الدعاية، والواقع من الصورة التي يريد «مهندسو اليأس» أن يروها لهم.

تم نسخ الرابط