كيف يدفع المصريون فاتورة تحريض الإخوان على العنف؟
لاشك أن دعوات التصعيد لا تتوقف عند الشعارات.. بل تتحول إلى خوف في الشارع، وتعطيل للمصالح، وخسائر اقتصادية يدفع ثمنها المواطن وحده.. ومنذ عزل الرئيس المخلوع محمد مرسي في يوليو 2013، شهدت مصر موجات متتالية من أعمال العنف والاضطرابات صاحبت دعوات إلى التصعيد والمواجهة من قبل جماعة الإخوان الإرهابية ومؤيديها مؤيديها.
وقد وثقت أحكام قضائية، وبيانات رسمية، وتقارير بحثية، وقوع هجمات استهدفت منشآت عامة وأقسام شرطة وأبراج كهرباء وخطوط سكك حديدية ودور عبادة وممتلكات عامة وخاصة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، سواء من خلال سقوط ضحايا مدنيين أو تعطيل الخدمات أو تحميل الاقتصاد أعباء إضافية.
وفي الوقت الذي انشغل فيه مطلقو دعوات التصعيد بشعارات المواجهة، كان المواطن المصري هو الطرف الذي تحمل التكلفة الحقيقية، أمنًا واقتصادًا واستقرارًا.
المواطن أول الضحايا
حين اندلعت أعمال العنف، لا تميز الرصاصة أو العبوة الناسفة أو زجاجة المولوتوف بين مؤيد ومعارض، ولا بين رجل أمن أو مواطن عابر، فالخطر يمتد إلى الجميع.
وقد شهدت البلاد عقب أغسطس 2013 عشرات الوقائع التي أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين بالتزامن مع الاشتباكات وأعمال التخريب التي قام بها المنتمين للجماعة الإرهابية ومؤيديها، حيث تعرضت مناطق كاملة لحالة من الشلل نتيجة قطع الطرق الرئيسية وإشعال الإطارات وإقامة الحواجز، الأمر الذي أدى إلى تعطيل حركة الإسعاف وتأخر المرضى عن الوصول إلى المستشفيات، وتأخر آلاف العاملين عن أماكن عملهم.
كما اضطرت مدارس وجامعات في بعض المحافظات إلى تعليق الدراسة أو إغلاق أبوابها مؤقتًا حفاظًا على سلامة الطلاب، فيما تكبد أصحاب المحال التجارية خسائر كبيرة بسبب إغلاق الأسواق أو تحطم واجهات المحال أو تراجع حركة البيع والشراء نتيجة حالة الخوف.
وتُعد أحداث كرداسة ودلجا، وما شهدته محافظات أخرى من اضطرابات خلال تلك الفترة، نماذج واضحة لكيفية تحول المواطن إلى الضحية الأولى للعنف، إذ تعطلت الخدمات، وتضررت المصالح اليومية، وعاشت الأسر حالة من القلق وعدم الاستقرار.
الإخوان لم يورثوا سوى الخسائر
يرى الباحث في شؤون التنظيمات الإسلامية السيد الحراني أن الخاسر الأكبر من موجات العنف التي شهدتها مصر عقب عام 2013 لم يكن طرفًا في الصراع السياسي، بل كان المواطن المصري البسيط الذي تحمل وحده تبعات الفوضى وما صاحبها من خسائر أمنية واقتصادية واجتماعية.
ويقول الحراني لـ"بوابة روزاليوسف" إن الفاتورة الأكبر لجرائم تنظيم الإخوان لم يدفعها السياسيون أو مطلقو الشعارات، وإنما تحملتها الأسرة المصرية التي تبحث عن حياة مستقرة، موضحًا أن كل دعوة إلى التصعيد أو التحريض على الصدام أو تعطيل مؤسسات الدولة تنعكس في المقام الأول على المواطن الذي يسعى إلى لقمة عيشه، ويطمح إلى الأمن والاستقرار، وفرصة عمل كريمة، وتعليم أفضل لأبنائه.
ويؤكد أن التجارب التي مرت بها مصر أثبتت أن دوامة العنف لا تميز بين مؤيد ومعارض، وأن أول ضحاياها هم المواطنون الموجودون في الشوارع والأسواق والمصانع والمدارس، الذين يجدون أنفسهم أمام تكلفة باهظة لا تقتصر على الخسائر الاقتصادية، بل تمتد إلى الأعباء الاجتماعية والضغوط النفسية التي تفرضها حالة عدم الاستقرار.
ويختتم الحراني بأن أي خطاب سياسي يبرر العنف أو يحرض عليه لا يفضي إلا إلى مزيد من الخسائر.
وشدد على أن المواطن البسيط يظل الحلقة الأضعف التي تتحمل وحدها فاتورة الفوضى، بينما لا يجني المجتمع من العنف سوى تعطيل التنمية واستنزاف مقدرات الدولة وإرباك حياة المواطنين.
من يحرض لا يدفع الفاتورة
وتكشف التجربة أن الفجوة الكبرى تكمن بين من يطلق دعوات التصعيد ومن يتحمل نتائجها، فمن السهل إطلاق الشعارات عبر المنصات الإعلامية أو وسائل التواصل الاجتماعي، بينما يعيش المواطن البسيط النتائج المباشرة على الأرض؛ خوفًا على أسرته، وتعطلًا في مصدر رزقه، وارتفاعًا في تكلفة حياته اليومية.
وتشير دراسات تناول خطاب جماعة الإخوان الكراهية والتعبئة الرقمية إلى أن الخطاب التحريضي عبر المنصات الإلكترونية يسهم في رفع احتمالات العنف الميداني، خصوصًا عندما يقترن بدعوات مباشرة إلى المواجهة أو تعطيل مؤسسات الدولة.
كما رصدت دراسات صادرة عن مراكز بحثية مصرية استخدام المنصات الرقمية الإخوانية في تعبئة الأنصار ونشر رسائل تستهدف إرباك المشهد الداخلي وإطالة أمد الاضطرابات.
وبينما يبقى مطلقو هذه الدعوات بعيدين عن ساحات المواجهة، يتحمل المواطن وحده فاتورة الخوف وتعطل الحياة.
التخريب يدفع المواطن ثمنه مرتين
أعمال العنف التي تبنتها جماعة الإخوان امتدت إلى استهداف البنية التحتية التي يعتمد عليها المواطن في حياته اليومي، فخلال عامي 2014 و2015 أعلنت وزارة الكهرباء تعرض عدد من أبراج الكهرباء لعمليات تفجير وتخريب، ما أدى إلى انقطاع التيار عن مناطق مختلفة، واضطرت الدولة إلى تخصيص مبالغ كبيرة لإعادة الإصلاح وتأمين الشبكات.
كما شهدت خطوط السكك الحديدية وقائع تخريب وقطع للقضبان، وهو ما تسبب في تعطيل حركة القطارات وتأخير آلاف الركاب، فضلًا عن تعريض سلامة المسافرين للخطر.
وامتدت الاعتداءات إلى حرق سيارات نقل عام وسيارات خدمات وإتلاف ممتلكات عامة، وهو ما انعكس على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وهنا يدفع المواطن الثمن مرتين؛ الأولى عندما تتعطل الخدمة التي يحتاج إليها يوميًا، والثانية عندما تتحمل الموازنة العامة تكلفة إعادة الإعمار والإصلاح، وهي أموال كان يمكن توجيهها إلى التعليم أو الصحة أو تطوير الخدمات.
بالأرقام.. فاتورة العنف الإخواني (2013 – 2016)
فاتورة العنف الإخواني شملت مئات الضحايا من رجال الشرطة والقوات المسلحة والمدنيين سقطوا في أعمال عنف وهجمات إرهابية خلال تلك الفترة، بحسب البيانات الرسمية والأحكام القضائية.
كما تعرضت عشرات الكنائس والمنشآت التابعة لها للحرق أو التخريب عقب أحداث أغسطس 2013، إلى جانب الاعتداء على عدد من المدارس والجمعيات القبطية، وفق تقارير حقوقية ودولية.
أبراج الكهرباء
شهد عاما 2014 و2015 عشرات وقائع استهداف أبراج الكهرباء وخطوط نقل الطاقة، ما أدى إلى انقطاعات في التيار الكهربائي وتكبد الدولة تكاليف إضافية لإصلاح وتأمين الشبكات، وفق بيانات وزارة الكهرباء.
السكك الحديدية
سجلت هيئة السكك الحديدية وقائع متكررة لقطع القضبان والتعدي على خطوط القطارات، ما تسبب في تعطيل حركة النقل وتأخير آلاف الركاب ورفع تكلفة الصيانة والتأمين.
الممتلكات العامة
تعرضت سيارات نقل عام، وسيارات إطفاء وإسعاف، وعدد من المباني الحكومية والمنشآت الخدمية للحرق أو التخريب في عدة محافظات، ما استدعى إعادة إحلالها وصيانتها من الموازنة العامة.
الخسائر الاقتصادية
تحملت الدولة أعباء مالية كبيرة لإعادة تأهيل المنشآت المتضررة، وتعزيز إجراءات التأمين، وإصلاح شبكات الكهرباء والطرق والمرافق، فضلًا عن الخسائر غير المباشرة الناتجة عن تعطيل الإنتاج، وتراجع النشاط السياحي والاستثماري خلال فترات الاضطراب.
أبرز الوقائع
14 أغسطس 2013: موجة اعتداءات على كنائس ومنشآت عامة وخاصة بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة.
سبتمبر 2013: الهجوم على قسم شرطة كرداسة، وانتهت القضية لاحقًا بأحكام قضائية بحق عدد من المتهمين.
2014–2015: تصاعد استهداف أبراج الكهرباء وخطوط السكك الحديدية في عدد من المحافظات.
2014–2016: استمرار وقائع استهداف بعض المنشآت العامة ووسائل النقل والخدمات، مع تكثيف جهود الدولة لإعادة الإعمار والتأمين.
الاقتصاد يدفع الثمن
ولا يقتصر أثر العنف الذي قامت به الجماعة الإرهابية على الخسائر المباشرة، بل امتد إلى الاقتصاد الوطني، حيث أدت الاضطرابات إلى رفع تكلفة الاستثمار، وتراجع النشاط الاقتصادي، وزيادة الإنفاق على إعادة الإعمار والتأمين.
وبالتالي فإن أي اعتداء على منشأة عامة أو تعطيل لمرفق حيوي لم ينعكس فقط على ميزانية الدولة، بل يؤثر في فرص العمل، ومستوى الخدمات، وقدرة الاقتصاد على النمو، وهو ما يشعر به المواطن في حياته اليومية.
المواطن لا يجني شيئًا من الفوضى
وتكشف التجربة المصرية خلال سنوات العنف الإخواني عقب عزل مرسي أن المواطن كان الخاسر الأكبر من كل موجات العنف والتصعيد، فالأسرة التي تعطلت مصالحها، والتاجر الذي أغلق متجره، والطالب الذي توقفت دراسته، والمريض الذي تأخر عن الوصول إلى المستشفى، جميعهم دفعوا ثمنًا لم يكونوا طرفًا في أسبابه.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح وهي أن المواطن هو صانع التنمية والمستفيد الأول من الاستقرار، وهو أيضًا أول من يدفع ثمن الفوضى عندما تتحول الدعوات إلى عنف، وتتحول الشعارات إلى خسائر تمس حياته اليومية ومستقبل وطنه.





