68 عاما على رحيل فاطمة اليوسف.. فنانة استفزتها الصحافة فقادت نهضتها
في مثل هذا اليوم، العاشر من أبريل عام 1958، لم ترحل مجرد امرأة، بل أُغلقت صفحة هي الأكثر ضجيجاً وتحرراً في تاريخ الصحافة العربية.
رحلت "فاطمة اليوسف"، تلك الطفلة اليتيمة التي غافلت القدر في ميناء الإسكندرية، لتصعد خشبة المسرح كفنانة، ثم تقتحم دهاليز السياسة كـ"صانعة ملوك"، تاركةً خلفها إمبراطورية ورقية لم تكن يوماً مجرد "مجلة"، بل كانت "ختم جودة" لكل قلم حر في مصر.
بصوت "إحسان".. مدرسة "ختم الجودة" التي لا تنكسر

«سيداتي سادتي، أقدم لكم السيدة فاطمة اليوسف التي عرفتموها دائماً باسم روزاليوسف، أقدمها لكم وقد ملأت أسماعكم على مدى ثلاثين عاماً»
بهذه النبرة الواثقة، وفي حوار إذاعي نادر عام 1957، لم يكن الأديب إحسان عبدالقدوس يقدم مجرد "أم"، بل كان يقدّم "ظاهرة" عبّرت مصر من خلالها إلى عصر التنوير.
لم يكن اسم "روز اليوسف" مجرد ترويسة لمجلة، بل كان يعني "المعركة" في أنقى صورها؛ المدرسة التي اختارت منذ يومها الأول أن تسبح خارج التيار، وتؤسس لفن "الاشتباك" بالكلمة، وتفتح باب الإبداع الحر أمام أجيال من أصحاب الكلمة، لتظل "روزاليوسف" حتى اليوم هي "ختم الجودة" لكل صحفي اختار أن يكافح لتعتلي كلمة الحق فوق أي منبر.
بـ 12 جنيهاً فقط ولدت فكرة روزاليوسف

لم يكن اعتزالها المسرح ضعفاً، بل كان "استشرافاً"؛ فـ "الست فاطمة" التي لقبت بـ "برنار الشرق" نالت ذروة المجد حين مثلت "غادة الكاميليا"، لكنها أدركت بذكائها الفطري أن المسرح الحقيقي هو "الشارع".
وفي جلسة عابرة بمحل "كسّاب" بوسط القاهرة عام 1925، ولدت فكرة "روز اليوسف". بـ 12 جنيهاً فقط و3000 نسخة، أطلقت صرختها الأولى التي بدأت فنية، وسرعان ما تحولت إلى "قنبلة سياسية" فجرت ركود الحياة الحزبية في مصر.
سيدة المعارك.. سجن وإفلاس وشموخ

لم تكن رحلة "روز" مفروشة بالورود، بل كانت مليئة بالأشواك والصدامات، حيث خاضت معارك كسر عظام ضد "حزب الوفد"، وحين حاصر أنصار الحزب مبنى المجلة بالحجارة، لم تختبئ، بل خرجت تجابههم بلسانها الحاد وقلمها الذي لا يلين. صودر لها 42 عدداً، وأُودعت السجن، وأفلست مؤسستها أكثر من مرة بفعل التضييق الحكومي، لكنها في كل مرة كانت تعود بمولود جديد؛ من "الصرخة" إلى "صباح الخير"، تلك المجلة التي وصفتها بأنها "للقلوب الشابة والعقول المتحررة".
المعجزة التي لم تكن تجيد الكتابة!

المفارقة المذهلة في حياة هذه السيدة، كما يرويها الكاتب مصطفى أمين، أنها لم تكن تجيد الكتابة بخط جيد، وكان خطها أشبه بخط طفل صغير، ومع ذلك كانت تملك حساً أدبياً وفنياً "مرعباً".
كانت تقرأ بعين صقر، وتختار الكلمات والمقالات التي تهز عروشاً، وتحت عباءتها، تخرج عمالقة من وزن العقاد، ونجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس "نجلها وقطعة من روحها"، وعائشة عبد الرحمن.
النهاية.. نصف ساعة استئذان من “عزرائيل”

حتى موتها كان درامياً يليق ببطلة تراجيدية، ففي سينما "ريفولي"، وأثناء مشاهدة أحد الأفلام، شعرت بأزمة قلبية حادة لكنها لم تستسلم للموت في قاعة العرض، بل قاومته بقوة مذهلة حتى تعود إلى بيتها، لترتدي ملابس نومها وتستسلم للقدر على فراشها بكرامة.
وكما قال عنها يوسف إدريس: "لقد استأذنت من ملك الموت نصف ساعة لتنهي مشهدها الأخير في بيتها".
رحلت فاطمة اليوسف بجسدها، لكنها بقيت "حية بسيرتها وتاريخها" كما تمنت دائماً، وبقيت "روز" هي المدرسة التي علمتنا أن الصحافة ليست مهنة لنقل الخبر، بل هي "اشتباك" مستمر من أجل الحرية.













