في كل عام، لا تنتهي امتحانات الثانوية العامة بانتهاء آخر ورقة أسئلة، لكنها تتحول إلى مهرجان احتفالي يزداد صخبًا عامًا بعد عام.. فيديوهات على مواقع التواصل، زغاريد، رقص في الشوارع، هدايا بمبالغ كبيرة، وهواتف حديثة، ومشغولات ذهبية، وكأن الطالب عاد لتوه من إنجاز عالمي غير مسبوق.
هذا العام رأينا أمًا تهدي ابنتها هاتف "آيفون" بمجرد انتهاء الامتحانات، وأخرى تمنحها عشرة آلاف جنيه وخاتمًا من الذهب، وأبًا يحمل ابنته على كتفيه ويرقص بها في الشارع احتفالًا بانتهاء الامتحانات، رغم أنها أصبحت أطول منه تقريبًا.. مشاهد انتشرت بسرعة، وحصدت مشاهدات، لكنها تطرح سؤالًا مهمًا: هل أصبح إنهاء الثانوية العامة حدثًا استثنائيًا إلى هذه الدرجة؟
المبالغة لا تبدأ عند آخر يوم، بل تبدأ قبل الامتحانات بأسابيع، عندما تتحول صفحات أولياء الأمور إلى دفاتر يوميات عن "طالب الثانوية العامة"، ويصبح للطالب معاملة خاصة داخل البيت؛ ممنوع الإزعاج، ممنوع الزيارات، ممنوع أي مسؤوليات، وكأنه يعيش عامًا خارج الحياة، ومع كل منشور يتكرر التعبير نفسه: "سنة تحديد المصير" .. لكن هل هي فعلًا سنة تحديد المصير؟
الحقيقة أن الثانوية العامة مجرد مرحلة دراسية مثل غيرها، تختلف في صعوبتها وضغطها، لكنها ليست نهاية الطريق ولا بدايته.. نعم، مجموعها يحدد الكلية، لكنه لا يحدد قيمة الإنسان، ولا يضمن نجاحه، ولا يرسم مستقبله بالكامل.
كل عام نقرأ أسماء أوائل الثانوية العامة، وتتصدر صورهم الصحف ونشرات الأخبار، ثم بعد سنوات.. أين هم؟ لا أحد يعرف أغلبهم.. يصبحون طلابًا عاديين داخل جامعاتهم، وسط آلاف الطلاب الآخرين.. وفي المقابل، نجد أشخاصًا لم يكونوا من الأوائل، لكنهم أصبحوا علماء، وأطباء، وإعلاميين، ورجال أعمال، وفنانين ناجحين، لأن النجاح الحقيقي لا يتوقف عند رقم في شهادة.
كم من طالب دخل كلية يطلق عليها "كلية قمة"، ثم اكتشف أنه لا يحبها، أو لم يستطع الاستمرار فيها، وكم من آخر التحق بكلية لم تكن حلمه، لكنه صنع فيها قصة نجاح حقيقية، فالإنسان ينجح عندما يجد نفسه، لا عندما يجمع أكبر عدد من الدرجات.
الأخطر أن هذه المبالغة لا تمر مرور الكرام، بل تترك آثارًا نفسية على الطلاب، فعندما نضع الثانوية العامة في صورة "معركة العمر"، نزيد مستويات القلق والخوف، ونربط قيمة الطالب بنتيجته، وإذا جاءت النتيجة أقل من التوقعات، يشعر البعض وكأن حياته انتهت، بينما الحقيقة أنها لم تبدأ بعد.
وتشير دراسات في علم النفس التربوي إلى أن الضغوط الأسرية والتوقعات المرتفعة ترتبط بزيادة معدلات القلق والاكتئاب والاحتراق النفسي لدى طلاب المرحلة الثانوية، كما أن ربط تقدير الأسرة للطالب بدرجاته فقط قد يؤثر في ثقته بنفسه حتى بعد انتهاء الامتحانات، في المقابل، فإن الدعم العاطفي غير المشروط من الأسرة يحقق نتائج أفضل على المدى الطويل من ربط الحب أو التقدير بالدرجات فقط.
الفرحة مطلوبة، فالطالب اجتهد وتعب ويستحق أن يشعر بأن أسرته تقدر مجهوده، لكن الفارق كبير بين الاحتفال بالتعب، والاحتفال وكأنه حقق جائزة نوبل، فكلما بالغنا في تصوير الثانوية العامة على أنها محطة العمر الوحيدة، صنعنا ضغوطًا أكبر، ورفعنا سقف التوقعات إلى مستوى لا يحتمله كثير من الأبناء.
ربما حان الوقت أن نغير الرسالة التي نوجهها لأبنائنا، فبدلًا من أن نقول لهم: "هذه سنة مصيرك"، نقول: "هذه مجرد محطة، ابذل فيها أقصى ما تستطيع، وإن لم تسر كما أردت، فالحياة مليئة بمحطات أخرى"، فالمستقبل لا يصنعه امتحان، بل يصنعه إنسان يعرف قدراته، ويواصل التعلم، ولا يتوقف عن المحاولة، وآخر أيام الثانوية ليست آخر أيام الحياة.. إنها مجرد نهاية فصل، وليست نهاية الحكاية.




