بوابة "روزاليوسف" داخل الجبل الأصفر.. كيف تتحول مياه الصرف إلى مورد للتنمية والزراعة؟
يأتي مشروع محطة معالجة مياه الصرف الصحي بالجبل الأصفر في مقدمة المشروعات التى برزت لإعادة استخدام المياه باعتبارها أحد أهم الحلول الاستراتيجية لتحقيق الأمن المائي ،وذلك في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه قطاع المياه في مصر، وفي مقدمتها محدودية الموارد المائية والزيادة السكانية والتوسع العمراني، وتعد المحطة واحدة من أكبر محطات معالجة مياه الصرف الصحي في الشرق الأوسط وأفريقيا، والثانية على مستوى العالم، وتمثل نموذجًا متقدمًا في توظيف التكنولوجيا الحديثة لتحويل مياه الصرف إلى مورد اقتصادي وبيئي يدعم التنمية المستدامة.
"بوابة روزاليوسف" قامت بجولة داخل محطة معالجة مياه الصرف الصحي التى تقع بمنطقة الجبل الأصفر بمحافظة القليوبية، وتستقبل مياه الصرف الصحي القادمة من القاهرة الكبرى عبر شبكة ضخمة من الأنفاق وخطوط النقل، لتقوم بمعالجتها وفق أحدث المعايير العالمية قبل إعادة استخدامها في أغراض الاستصلاح الزراعي، بما يسهم في تقليل الضغط على مياه نهر النيل وترشيد استهلاك المياه العذبة.
مشروع قومي يخدم الملايين
تعد محطة الجبل الأصفر من أكبر مشروعات البنية التحتية في قطاع المياه والصرف الصحي، حيث تخدم ما يزيد على 12 مليون نسمة من سكان القاهرة الكبرى، وتشمل خدماتها أجزاء واسعة من محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية.
وتبلغ الطاقة التصميمية للمحطة نحو 3 ملايين متر مكعب يوميًا، ما يجعلها من أكبر محطات معالجة مياه الصرف الصحي على مستوى العالم. وقد أُنشئت المحطة على عدة مراحل بدأت منذ تسعينيات القرن الماضي، ثم شهدت توسعات متتالية لمواكبة النمو السكاني وزيادة كميات مياه الصرف الناتجة عن التوسع العمراني.
وتضم المحطة عشرات الأحواض الخاصة بالترسيب والتهوية والمعالجة البيولوجية، إضافة إلى وحدات متطورة لمعالجة الحمأة وتجفيفها، بما يحقق أعلى معدلات الكفاءة التشغيلية.
رحلة المياه داخل المحطة
قال المهندس هشام زكي مسؤول ومدير التشغيل بمشروع محطة معالجة مياه الصرف الصحي بالجبل الأصفر، في تصريحاته ل"بوابة روزاليوسف" إن المحطة تركز على تحقيق الاستدامة البيئية وإعادة استخدام الموارد، مشيرًا إلى الجهود المبذولة في توليد الطاقة النظيفة من غاز الميثان والحفاظ على كفاءة المعدات لعقود، محذراً في الوقت ذاته من مخاطر المخلفات الصلبة والمواد الكيميائية التي تقصر من العمر الافتراضي للمحطات. كما تحدث عن خطط التوسعة المستقبلية الرامية لجعل المحطة الأكبر عالمياً، مشيراً إلى أهمية التمويل الدولي والشراكات التنموية في دعم هذه البنية التحتية الضخمة لضمان أمن مائي مستدام.
وأضاف زكي أنه يتم التركيز على نظام التحكم والرقابة اللحظي (SCADA) والذي يتيح لفريق محدود من المهندسين إدارة عمليات ضخمة بكفاءة عالية تعادل عمل آلاف الموظفين، ويعتمد النظام على استراتيجية تشغيل مرنة والتي تعتمد على وجود معدات احتياطية ونظام صيانة استباقي يضمن استمرارية العمل بنسبة 100% حتى في حالات الأعطال، مع الإشارة إلى التوسع المستقبلي لربط كافة مراحل المحطة بنظام تحكم موحد، علاوة على نقلة نوعية في الإدارة من خلال دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) للتنبؤ بالأعطال قبل وقوعها وتحليل المتغيرات التشغيلية بدقة متناهية، مما يحول النظام من مجرد مراقب للأحداث إلى نظام استباقي يحافظ على استدامة الإنتاج وتوفير الطاقة، كما سلط الضوء على نظام الحوكمة في المخازن الذي يضمن التوافر التلقائي لقطع الغيار الحرجة عبر الربط الرقمي بين معدلات الاستهلاك وطلبات الشراء، لضمان عدم توقف المرفق الحيوي تحت أي ظرف.
وشرح المهندس هشام زكي رحلة المياه للتنقية حيث تمر مياه الصرف داخل المحطة بعدة مراحل دقيقة تبدأ بالمعالجة الأولية، حيث يتم إزالة المخلفات الصلبة والرمال والزيوت باستخدام مصافٍ ميكانيكية وأحواض للترسيب، وتنتقل المياه بعد ذلك إلى مرحلة المعالجة البيولوجية، وهي المرحلة الأهم، حيث تعتمد على البكتيريا والكائنات الدقيقة لتحليل المواد العضوية الذائبة، بما يؤدي إلى خفض الأحمال العضوية وتحسين جودة المياه، ثم تأتي مرحلة الترسيب النهائي، التي يتم خلالها فصل المياه المعالجة عن الرواسب، قبل أن تخضع لعمليات التطهير لضمان مطابقتها للمواصفات البيئية المطلوبة.
أما الحمأة الناتجة عن عمليات المعالجة، أوضح زكي إنها تخضع لعمليات تجفيف تقلل من حجمها وتسمح بالاستفادة منها في بعض الاستخدامات الزراعية أو الصناعية كوقود لأفران مصانع الأسمدة و الأسمنت وذلك وفق الاشتراطات البيئية.
إعادة استخدام المياه في الزراعة
يمثل إعادة استخدام المياه المعالجة أحد أهم أهداف محطة الجبل الأصفر، إذ يتم نقل المياه بعد معالجتها إلى مناطق الاستصلاح الزراعي، خاصة في شمال سيناء وبعض المناطق الصحراوية، بما يسهم في توفير كميات كبيرة من المياه العذبة كانت تستخدم سابقًا في الري.
وأوضح المهندس هشام زكي أن هذه السياسة تساعد على تعظيم الاستفادة من كل قطرة مياه، خاصة مع ثبات حصة مصر من مياه النيل وارتفاع الطلب على المياه نتيجة النمو السكاني، كما تساعد المياه المعالجة في التوسع الزراعي وزيادة الرقعة الخضراء، بما يدعم جهود الدولة لتحقيق الأمن الغذائي وتقليل التصحر، وأضاف زكي أن محطة الجبل الأصفر تعتمد على أنظمة تشغيل ومراقبة إلكترونية متقدمة تتيح متابعة جميع مراحل المعالجة بصورة لحظية، مع استخدام أجهزة قياس دقيقة لمراقبة جودة المياه الداخلة والخارجة، وتعمل فرق متخصصة من المهندسين والفنيين على إجراء التحاليل الكيميائية والبيولوجية بصورة مستمرة لضمان الالتزام بالمعايير البيئية المحلية والدولية.
كما تستخدم المحطة معدات ذات كفاءة عالية في استهلاك الطاقة، إلى جانب أنظمة للتحكم الآلي تقلل من التدخل البشري وترفع كفاءة التشغيل.
فوائد بيئية متعددة
لا يقتصر دور المحطة على معالجة مياه الصرف، بل يمتد إلى حماية البيئة من التلوث، إذ تمنع تصريف المياه غير المعالجة إلى المجاري المائية، وهو ما يسهم في الحفاظ على جودة المياه وحماية النظم البيئية، كما تؤدي المعالجة إلى تقليل انتشار الملوثات العضوية والميكروبات المسببة للأمراض، بما ينعكس إيجابًا على الصحة العامة، وتساعد عمليات معالجة الحمأة على الحد من انبعاث الروائح وتقليل التأثيرات البيئية السلبية المرتبطة بتراكم المخلفات.
جدير بالذكر أن مشروع محطة الجبل الأصفر يتوافق مع عدد من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وفي مقدمتها الهدف السادس الخاص بالمياه النظيفة والصرف الصحي، والهدف الثاني المتعلق بالقضاء على الجوع من خلال دعم الزراعة، والهدف الثالث عشر الخاص بالعمل المناخي، كما يعكس المشروع توجه الدولة نحو الاقتصاد الدائري، الذي يقوم على إعادة استخدام الموارد وتقليل الفاقد بدلاً من التخلص منه.
كما أن محطة الجبل الأصفر حظيت بإشادة واسعة من المؤسسات الدولية العاملة في قطاع المياه، كما حصلت على عدة جوائز تقديرًا لكفاءة تصميمها وتشغيلها، من بينها جوائز دولية في مجالات الشراكة بين القطاعين العام والخاص وإدارة مشروعات البنية التحتية.
ويُنظر إلى المحطة باعتبارها نموذجًا ناجحًا يمكن الاستفادة منه في العديد من الدول التي تعاني من ندرة الموارد المائية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
تعزيز الأمن المائي
تواصل الدولة المصرية تنفيذ خطط للتوسع في إنشاء محطات معالجة مياه الصرف، سواء في الدلتا أو الصعيد أو المناطق الساحلية، باعتبارها أحد المحاور الرئيسية للاستراتيجية القومية للموارد المائية.
ويأتي ذلك بالتوازي مع تنفيذ مشروعات كبرى مثل محطات بحر البقر والمحسمة والدلتا الجديدة، لتكوين منظومة متكاملة لإعادة استخدام المياه على نطاق واسع، ويرى خبراء المياه أن هذه المشروعات ستسهم في توفير مليارات الأمتار المكعبة من المياه سنويًا، بما يعزز قدرة الدولة على مواجهة تحديات التغيرات المناخية وندرة المياه.
تمثل محطة معالجة مياه الصرف الصحي بالجبل الأصفر نموذجًا عمليًا للتحول من مفهوم التخلص من مياه الصرف إلى مفهوم استثمارها باعتبارها موردًا مائيًا غير تقليدي. ومع استمرار التوسع في تقنيات المعالجة وإعادة الاستخدام، تزداد أهمية هذه المشروعات في دعم الأمن المائي والغذائي، وخفض معدلات التلوث، وتحقيق التنمية المستدامة.
وفي ظل التحديات التي تواجه قطاع المياه عالميًا، تؤكد تجربة الجبل الأصفر أن الاستثمار في البنية التحتية للمياه لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان مستقبل أكثر أمنًا واستدامة للأجيال القادمة.
يأتي العمل في محطة معالجة مياه الصرف الصحي في الجبل الأصفر بالتعاون مع شركة "اكسيونا" الإسبانية والتي تهدف لتوسيع نطاق أعمالها في مصر، مع التركيز بشكل أساسي على قطاع معالجة وتحلية المياه، حيث تتبنى الشركة استراتيجية قائمة على توطين الخبرات من خلال بناء فريق هندسي محلي قوي يعمل بالتكامل مع المركز الرئيسي في مدريد.





