في كل عام، هناك ليلة ينتظرها آلاف البيوت بقلوب ترتجف.. ليلة لا ينام فيها أحد، تتنقل فيها الأعين بين شاشة الهاتف وصفحات الإنترنت، وتتسارع فيها دقات القلوب مع كل محاولة لفتح النتيجة.. هي ليست مجرد ليلة إعلان نتيجة الثانوية العامة.. إنها ليلة تختلط فيها الدموع بالضحكات، والزغاريد بالآهات، والأحلام التي ولدت منذ سنوات بما يكتبه رقم صغير في خانة "المجموع".
لكننا للأسف لا نلتفت إلا إلى البيوت التي غمرتها الفرحة، بينما هناك بيوت أخرى جلس فيها الصمت على المائدة، وبكى فيها أبناء لم يقصروا يومًا، ولم يضيعوا وقتهم، ولم يخونوا أحلامهم.
هناك طالب كان يستيقظ قبل الجميع، ويذاكر حتى يغلبه النعاس، ويقاوم الخوف والتوتر طوال العام، ثم اكتشف أن المجموع لا يشبه تعبه.. وهناك طالبة رسمت في خيالها معطف الطبيب، أو خوذة المهندس، أو مدرجات كلية بعينها، وكانت ترى نفسها هناك منذ طفولتها، ثم استيقظت على رقم أخبرها أن هذا الطريق قد أغلق للتو.. في تلك اللحظة، لا يبكي الطالب لأنه فشل.. بل لأنه يظن أن حلمه كله قد مات.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.. لقد ربينا أبناءنا، دون أن نشعر، على فكرة قاسية مفادها أن قيمة الإنسان تُقاس بمجموعه، وأن الأرقام تحدد مستقبله، وأن الكلية هي التي تمنحه مكانته بين الناس، فإذا انخفض الرقم قليلًا، شعر وكأنه فقد قيمته، واختفى عن الأنظار خجلًا، وكأن عليه أن يعتذر لأنه لم يحصل على ما كان يتمناه.
مع أن الحقيقة مختلفة تمامًا.. فالدرجة تقيس أداءك في امتحان.. لكنها لا تقيس ذكاءك، ولا أخلاقك، ولا قدرتك على النجاح، ولا حجم موهبتك، ولا إصرارك، ولا ما يمكن أن تصبح عليه بعد سنوات.
الحياة ليست طريقًا مستقيمًا، ولا حلمًا واحدًا، ولا بابًا إذا أُغلق انتهى كل شيء.. الحياة مليئة بالأبواب.. قد تُغلق الخطة "أ"، لكن هناك خطة "ب"، وربما "ج"، وربما يكون الطريق الذي لم تختاره هو الطريق الذي كان يختارك منذ البداية.
أتذكر ابنة خالتي "منى".. كانت ترى نفسها مهندسة، لكن مجموع الثانوية لم يسمح لها بذلك.. يومها ظنت أن الدنيا انتهت.. التحقت بكلية التجارة على مضض، لكنها قررت أن تنجح أينما كانت.. اجتهدت عامًا بعد عام، حتى أصبحت معيدة، ثم واصلت طريقها العلمي، واليوم يناديها الجميع: "الدكتورة منى".. وأعرف صديقة لي كانت تتمنى دخول كلية الطب.. لم تحقق مجموعها المطلوب، فالتحقت بكلية العلوم.. لم تستسلم، بل تعلمت، وطورت نفسها، ثم أنشأت مشروعًا ناجحًا لتصنيع المنتجات الطبيعية، وأصبحت تصنع حلمًا لم تكن تعرف أنه ينتظرها.. مثل هذه القصص ليست استثناءً.. بل هي أكثر مما نتخيل.
كم من طبيب ترك الطب ليصبح رجل أعمال ناجحًا، وكم من خريج تجارة أصبح من أشهر الإعلاميين، وكم من مهندس اكتشف أن شغفه الحقيقي في الفن أو البرمجة أو ريادة الأعمال، فالنجاح لا يسأل صاحبه: من أي كلية تخرجت؟ بل يسأله: ماذا فعلت بما تعلمته؟ وكيف صنعت فرصتك؟
لكي يستطيع الإنسان أن يبدأ من جديد، فهو يحتاج إلى مهارة غائبة عن كثير منا اسمها المرونة النفسية، فالمرونة ليست أن نتظاهر بعدم الحزن، فمن حق كل طالب أن يحزن إذا لم تتحقق أمنيته، لكن المرونة هي أن نحزن ثم نقف.. أن نبكي ثم نمسح دموعنا.. أن نعترف بأن الطريق الذي أردناه انتهى.. لكننا لا نسمح لأنفسنا أن ننتهي معه.
هذه المرونة لا تولد فجأة، بل نتعلمها عندما نربي أبناءنا على أن الإنسان أكبر من درجاته، وأن الفشل محطة وليس نهاية، وأن لكل حلم أكثر من طريق، وأن البدائل ليست هزيمة، بل ذكاء، علينا أن نعلمهم أن يضعوا أكثر من خطة لمستقبلهم، وأن يربطوا قيمتهم بما هم عليه، لا بما كتب في ورقة امتحان.
إلى كل طالب جلس ليلة ظهور نتيجة الامتحان يبكي لأن المجموع لم يكن كما تمنى.. لا تجعل رقمًا يختصر عمرك كله.. ولا تسمح لنتيجة واحدة أن تقنعك بأنك أقل مما تستحق.. ربما لم تدخل الكلية التي أحببتها.. لكن من يدري؟.. ربما تدخل الحياة التي ستحبها أكثر.. فكم من حلم ظنناه ضاع، فإذا به كان بداية لحلم أجمل.. وفي ليلة بكى فيها القمر، لا تنس أن الشمس لا تتأخر أبدًا عن الشروق.




