الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

انفصاليون يعترفون بالدعم الأمريكي لضم "ألبرتا" للولايات المتحدة

شبح "الولاية 51".. هل تسقط كندا في قبضة ترامب؟

بوابة روز اليوسف

في مشهد يعكس حالة من الانقسام السياسي العميق، تحول احتفال تقليدي بيوم كندا في مقاطعة ألبرتا إلى منصة للمطالبة بالاستقلال، تحولت فعالية إحياء الكنديين لذكرى بلادهم إلى "نقطة الصفر" لبدء تحركات الانفصال، حيث تُرفع لافتات "لقد انتهينا" وتُستبدل أوراق القيقب بأعلام المقاطعة وقبعات حركة "ماجا" المؤيدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

 

يأتي هذا الاستياء من الحكومة الفيدرالية الكندية في أوتاوا نتيجة شعور بالتهميش لعقود، مع دخول عنصر جديد ومفاجئ إلى هذا الحراك، وهو التماهي الثقافي والسياسي مع الولايات المتحدة، ويرى الانفصاليون في رئاسة ترامب طوق نجاة محتملاً إذ يعتقدون أنه حليف استراتيجي يوفر سوقاً جاهزة لنفط وغاز ألبرتا في حال انفصالها عن التاج الكندي.

 

 

تمويل مشبوه

وعلى وقع تحليلات أمريكية، لم تعد حركات الانفصال مجرد أنشطة غضب محلية في مقاطعة ألبرتا الغنية بالنفط، بل تحولت في كواليس الاستخبارات إلى خيوط خفية تحركها أصابع ترامب العسكرية، لطمس الحدود وتدشين إمبراطورية طاقية عملاقة تلتهم نفط الشمال وتخضع مقدراته لسطوة البيت الأبيض، وهو ما أكده الانفصاليون بتصريحاتهم عن استكشاف سبل تمويل "الانسحاب السلس" من كندا، بعد تواصلهم مع مسؤولين رفيعي المستوى في واشنطن لمناقشة خطط الجدوى حسب صحيفة “بوليتيكو”.

هذا الانجذاب نحو الجنوب يتغذى على علاقة متوترة بين رئيس الوزراء مارك كارني والرئيس ترامب، حيث يرى الانفصاليون في نهج كارني "نظاماً عالمياً جديداً" يهدد سيادة مقاطعتهم، وهو ما عزز من انتشار نظريات المؤامرة عبر منصات التواصل الاجتماعي.

ما يعيد للأذهان حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن طموحاته التوسعية التي تنص عل أن تصبح كندا ولاية أمريكية رغم أن الولايات المتحدة تستفيد بشكل كبير وهائل من كندا دون الحاجة إلى ضمها بشكل رسمي أو قانوني، فالبلدان مرتبطتان بشبكة طاقة واقتصاد مدمجة تاريخياً، والجزء الأكبر من ثروات كندا "وخاصة النفط والغاز والأخشاب" يذهب بالكامل تقريباً إلى السوق الأمريكي بحكم الجغرافيا وشبكات خطوط الأنابيب القارية الضخمة.

وتبلغ نسبة تصدير النفط الكندي لأمريكا نحو 85% إلى 90% من إجمالي صادرات النفط الكندي، كما تُعد كندا المورد الأجنبي الأكبر للنفط الخام إلى الولايات المتحدة، بنسبة تصل إلى 4.3 مليون برميل يومياً، وهو ما يمثل نحو 60% من إجمالي الواردات النفطية الأمريكية.

كما أن العديد من مصافي النفط الكبرى في وسط وغرب الولايات المتحدة مصممة خصيصاً لمعالجة النفط الثقيل القادم من مقاطعة ألبرتا الكندية.

الحلم الأمريكي

ولكن يظل المكسب الأكبر إذا أصبحت كندا ولاية أو جزءاً من الولايات المتحدة، فإن الثروات الاستراتيجية الهائلة التي ستتدفق بشكل مباشر لخدمة الاقتصاد والأمن القومي الأمريكي، إذ تمتلك كندا ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم، يرتكز معظمه في مقاطعة ألبرتا التي يسعى الانفصاليون إلى ضمها لرئاسة ترامب، دمج هذه الاحتياطيات سيجعل الولايات المتحدة مستقلة تماماً طاقياً لأجيال قادمة، مع ضمان تدفق النفط عبر خطوط أنابيب قارية مباشرة دون أي عوائق جمركية أو توترات سياسية حدودية.

كما ستضمن أمريكا السيطرة المطلقة على تدفق الغاز الطبيعي الرخيص، بالإضافة إلى شبكات الطاقة الكهرومائية الضخمة التي تغذي بالفعل أجزاء من شمال الولايات المتحدة. 

 

وتمتلك كندا ثروات معدنية هائلة ستستفيد منها أمريكا، أهمها البوتاس، ما يعني سيطرة واشنطن على أحد أكبر مصادر الأسمدة في العالم، مما يضمن هيمنتها على الأمن الغذائي العالمي.

إلى جانب وفرة اليورانيوم النقي ستؤمن أمريكا وقود مفاعلاتها النووية بالكامل محلياً من مناجم ساسكاتشوان. بالإضافة إلى المعادن النادرة (النيكل، النحاس، الليثيوم، الكوبالت) وهي العناصر الأساسية التي تعتمد عليها صناعات الدفاع الأمريكية وتكنولوجيا المستقبل.

وتحتضن كندا نسبة ضخمة من المياه العذبة السطحية في العالم. بإمكانها تأمين مستقبل أمريكا في ظل توقعات بأزمات مائية وتغيرات مناخية، ستشكل هذه الاحتياطيات المائية استراتيجية أمن قومي كبرى للولايات المتحدة لتأمين الموارد للولايات الجافة المجاورة (مثل غرب وجنوب أمريكا).

وتنتج السهول الكندية الواسعة ملايين الأطنان من القمح والحبوب سنوياً. ما يعني توحيد السلة الغذائية لأمريكا الشمالية بالكامل تحت سيطرة اقتصادية واحدة، مما يمنح واشنطن نفوذاً تجارياً غير مسبوق عالمياً.

وتعتمد صناعة البناء والإسكان في أمريكا بشكل كبير على الواردات الخشبية الكندية. لذا سيلغي اندماج البلدين الرسوم والقيود الجمركية على الأخشاب، مما يخفض تكاليف قطاع الإنشاءات الأمريكي بشكل جذري، حسب صحيفة “ذا إيكونوميست”.

باختصار، لن تصبح كندا مجرد "ولاية إضافية"، بل ستكون العمق الاستراتيجي الأكبر الذي يمنح أمريكا الاكتفاء الذاتي الكامل في مجالات الطاقة، والمياه، والغذاء، والمعادن الحرجة، مما يجعلها إمبراطورية اقتصادية صلبة لا تقهر في مواجهة المنافسين الدوليين.

الحرب الحمراء

ويرى المراقبون أن التوترات السياسية الراهنة بين كندا والولايات المتحدة تذكرنا بصفحات من التاريخ العسكري المنسي، حيث "خطة الحرب الحمراء" السرية التي وضعها الجيش الأمريكي في عشرينيات القرن الماضي تحسباً لنزاع عسكري مع الإمبراطورية البريطانية، كانت كندا ستكون ميدانها الرئيسي. ورغم أن تلك الخطط لم تكن يوماً واقعية للتنفيذ، إلا أنها تقدم مثالاً على الطبيعة الحذرة للحسابات الجيوسياسية في ظل الاضطراب الأمني الحالي بفعل الصراعات الدائرة، وسط توقعات بأن تعود كندا كساحة نزاع مستغلة لصالح جارتها الأمريكية إذا انقلبت الأوضاع وتعرضت الولايات المتحدة لأى هجمات ربما من إيران أو الصين، حسب “بوليتيكو”.

وتبقى صناديق الاقتراع في 19 أكتوبر هي الفيصل في قرار أن تصبح ألبرتا أمريكية بالكامل، مما يضع كندا أمام تحدٍ وجودي غير مسبوق في تاريخها المعاصر.
 

ترامب مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني 
ترامب مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني 

 

تم نسخ الرابط